- شباط/فبراير 339 - المراقب المالي

وعد حكومي بإعادة الأموال المنهوبة والكشف عن التحويلات في زمن الثورة

تصدرت قضية الأموال المهربة من سياسيين لبنانيين إلى بنوك سويسرية أصداء الثورة المستمرة في لبنان منذ ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩، فتحولت قائمة الشعارات والمطالبات المرفوعة التي يرددها الثوار ويحلم بها اللبنانيون، الى وقائع تجسدت في اجتماعات سياسية وتحقيقات واقعية تدخّل فيها مجلس النواب اللبناني وسياسيين من مختلف الأحزاب والطوائف.

تحولت هذه القضية خطة عمل لحكومة الرئيس حسان دياب التي وعدت بكشف قضية الأموال المهربة للبنانيين واعادة الأموال المنهوبة خلال فترة زمنية قصيرة.

الحديث عن عشرات مليارات الدولارات التي قيل أنه جرى تحويلها من البنوك اللبنانية إلى سويسرا خلال الأشهر القليلة الماضية، كان جرى طرحه رسميًا في سويسرا، حيث بث التلفزيون والراديو السويسري تقريرًا بعنوان «اللغز السويسري» نقل فيه أصداء الاحتجاجات اللبنانية، قائلاً «إن لبنانيين كثر يوجهون اصابع الاتهام الى سويسرا التي تضم في مصارفها أموالاً يعتقد أنها مكتسبة بطرق غير مشروعة». وفي شهادة له، يقول المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات سامي عطالله للتلفزيون السويسري «إن أغنياء ونافذين سياسيين ينجحون في إخراج أموال، وعليكم التحقيق والتأكد من ذلك وتحميلهم المسؤولية اذا ثبت أن ذلك صحيحًا… نحتاج الى مساعدة». أصداء هذه النداءات تفاعلت في سويسرا، حيث طالب العضو في المجلس الوطني السويسري (البرلمان) عن كانتون زيورخ فابيان مولينا المجلس الفيديرالي (الحكومة) بتوضيحات، لافتًا الى أنه في حالات أخرى ودول أخرى تحركت سويسرا وقائيًا بشكل أسرع. وقال إن «هذا الأمر يهدد صورة سويسرا» و«لدينا القوانين والوسائل لحجز الأموال».

وفي خطوة لافتة في توقيتها، صادق البرلمان السويسري على تفعيل اتفاقيات التبادل للبيانات المالية (AEOI)، ما يعني أن سويسرا ستقدّم للبلدان المعنية تفاصيل عن الحسابات المصرفية لمواطنيها أو آخرين تحوم حولهم شبهات ويملكون حسابات في المصارف السويسرية.

سيشمل القرار لبنان و١٨ بلدًا آخر، بحلول عام ٢٠٢١، ما يمثل خطوة كبيرة في اتجاه إنهاء الفساد وتبييض الأموال، ويعزز النداءات لكشف السرية المصرفية عن «الأموال المنهوبة»، التي يشتبه في أن سياسيين ومتمولين لبنانيين أودعوها في حساباتهم المصرفية في سويسرا، التي تقدر وفق مصادر عدة بحوالى ٢٢ مليار دولار، يملك ٨٠ في المئة منها ١٣٧ شخصية لبنانية.

وتشير معلومات إلى أنه في السنوات الخمس الماضية، تعرضت المصارف السويسرية لضغوط كبيرة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على اعتبار أن إجراءات السرية المصرفية السويسرية باتت تشكل قلقًا أمنيًا بالنسبة إلى أوروبا وأميركا، ما دفعها بشكل تدريجي إلى تخفيف حدّة هذه الإجراءات. وهذا ما استشعره بعض المودعين اللبنانيين، الذين يخشون فضح حساباتهم فقاموا بنقل مبالغ ضخمة إلى دول أخرى لا خوف فيها من إجراءات تعديل القوانين المصرفية مستقبلاً.

فضيحة «سويس ليكس»

في وقت كانت القوانين السويسرية تصون السرية المصرفية، بما يجعل الكشف عن البيانات المالية للعملاء يخضع لعقوبات جنائية، شهدت سويسرا فضيحة عرفت بـ «سويس ليكس» في ٩ شباط/فبراير ٢٠١٥، استندت إلى معلومات سرقها خبير المعلوماتية أرفيه فالشياني عام ٢٠٠٧، عندما كان موظفًا في مصرف «اتش اس بي سي» في جنيف. وتكشف الوثائق المسربة آلية للتهرب الضريبي.

ووفقًا لموقع «سويس ليكس»، تتعلق الوثائق المسربة بأكثر من ١٠٠ مليار دولار لـ ١٠٦ آلاف عميل (في البنك) من ٢٠٣ بلدان. بالنسبة إلى لبنان، فقد احتل المرتبة الـ١٢ بمبلغ ٤،٨ مليار دولار. والمبلغ الأقصى المرتبط بعميل على صلة بلبنان هو ٢٣٦،٦ مليون دولار. وهنا يوضح الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن هذا الرقم بكل تأكيد أقل بكثير من أرقام المودعين اللبنانيين، بحيث أنها محصورة بمصرف «اتش اس بي سي» وحده، إضافة إلى مرور ١٢ سنة على الحادثة.

ويرى عجاقة أنه من الصعب جدًا معرفة الرقم الحقيقي للأموال المنهوبة من دون الاطلاع على حركة تنقّل رؤوس الأموال منذ ١٩٩٢ وحتى يومنا هذا، مضيفًا أن «الدين العام اللبناني البالغ ٨٦ مليار دولار في العام ٢٠١٩ هو نقطة انطلاق بالحدّ الأدّنى لحجم الأموال المنهوبة، لاسيما أن الناتج المحلّي الإجمالي المُحقّق منذ عام ١٩٩٢ وحتى اليوم هو ٨٠١ مليار دولار، أضِف إلى هذا الرقم الاقتصاد غير الرسمي والمقدر بـ ٣٠٥ مليارات دولار».

ويشير إلى أنه «ومع زيادة قيمة الدين العام البالغة ٨٦ مليار دولار، نصل إلى ١١٩٢ مليار دولار، وهو حجم المداخيل التي حصّلها لبنان منذ ١٩٩٢، لكنه رقم لم ينعكس على الاقتصاد، ما يعني أن الفساد موجود وبشكل كبير».

لعلّ تصريحات الخبير المالي الدكتور مروان إسكندر، التي كشف فيها عن تحويل سياسيين لبنانيين أموالاً إلى الخارج بمليارات الدولارات، قد خلقت إرباكاً لدى الأوساط السياسية والمصرفية وحتى القضائية، وزادت من نقمة الانتفاضة الشعبية على الطبقة الحاكمة في لبنان، وسارع القضاء إلى فتح تحقيق بهذه المعلومات، بموازاة تحقيقات يجريها مصرف لبنان المركزي.

أثارت هذه المعلومات ضجة كبيرة في لبنان، خصوصًا أنها أتت في وقت فرضت فيه المصارف قيودًا مشددة على سحوبات المودعين، وحظرت عليهم تحويل أي مبلغ بالعملات الأجنبية إلى الخارج، بمن فيهم التجّار المضطرون إلى سداد ثمن بضائعهم المستوردة، وحتى المواطنون الراغبون في تحويل أموال لأبنائهم الذين يدرسون في الخارج.

استدعت هذه المعلومات اجتماعًا طارئًا للجنة المال والموازنة، حضره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي أعلن بعد الاجتماع أنه «سيتم التحقيق في تقارير حول قيام مسؤولين وأصحاب مصارف بتحويلات مالية إلى الخارج في العام ٢٠١٩». وقال: «سنقوم بكل ما يسمح به لنا القانون، لنتحقق من كل التحويلات التي حصلت في عام ٢٠١٩ إلى الخارج، وما إذا كانت هناك أموال مشبوهة». وأكد سلامة أن «الحديث كثر في هذا الموضوع، ويتعلق بأموال سياسيين وإداريين في القطاع العام وأصحاب المصارف (يتم تحويلها إلى الخارج) لكن يجب التأكد من ذلك».

في هذا الوقت، أكد مرجع قضائي، أن «تحقيقات مكثفة بدأها قسم المباحث الجنائية المركزية، بإشراف مباشر من النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات». وأوضح أن التحقيق «بدأ بالاستماع إلى إفادة صاحب المعلومات الخبير المالي مروان إسكندر، الذي قدّم ما لديه من معطيات»، لافتًا إلى أن «الأمور قيد المتابعة وتحتاج إلى مزيد من التحقيقات بالتعاون مع مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف».

وفي وقت نُقل عن إسكندر أن التحويلات إلى الخارج بلغت ٦،٥ مليار دولار، لفت الأخير إلى أن «هناك بعض اللغط حول فهم المعلومات التي أدلى بها». وأوضح أن الأموال التي تحدث عنها «جرى تحويلها بشكل طبيعي وليس تهريبها كما يجري تداوله».

وكشف أن «المسؤولة السويسرية أبلغته أن الأموال المحوّلة تبلغ قيمتها ملياري دولار أميركي، وهي تعود لـ ٩ سياسيين لبنانيين»، معتبراً أن «الخطورة تكمن في أن المبالغ جرى تحويلها في الأيام الـ ١٥الأخيرة، أي في ذروة أزمة السيولة». وشدد على أن «البرلمان السويسري بدأ إجراء تحقيق جدي في هذه الموضوع، وهو سينشر نتائج هذا التحقيق فور الانتهاء منه، ولا أعتقد أن الجانب اللبناني سيتوصل إلى معلومات قبل انتهاء التحقيق السويسري». وأضاف إسكندر: «هناك صعوبة كبيرة في استعادة الأموال التي ذهبت إلى الخارج»، مذكّرًا بـ «رئيس الفلبين الذي توفـي قبل ٣٠ عامًا، ولديه ٢،٥ مليار دولار في الخارج، لا تزال دولة الفلبين عاجزة عن استعادتها، كما أن الدولة المصرية لم تتمكن من استعادة أموال الرئيس الأسبق حسني مبارك».

مصرف لبنان، تحرك في هذا الاتجاه اذ طلب من المصارف التحقيق بمصادر أموال السياسيين المحوّلة للخارج بدءًا من ١٧ تشرين الاول/أكتوبر الماضي.

جاء ذلك بموجب كتاب سري محول من هيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان برئاسة الحاكم رياض سلامة، إلى جميع المصارف العاملة في لبنان.

وجاء في نص هذا الكتاب: «الطلب إلى جميع المصارف العاملة وعلى مسؤولياتها، وخلال مهلة أقصاها ٣١/١/٢٠٢٠، إعادة دراسة الحسابات المفتوحة لديها للـ politically exposed persons وفقًا للتعريف المعتمد في البند «أولاً» الفقرة «ب» من المادة ٩ من التعميم رقم ٨٣ (نظام مراقبة العمليات المصرفية والمالية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)، التي جرت عليها تحاويل إلى خارج لبنان، وذلك عن الفترة الممتدة بين ١٧/١٠/٢٠١٩ و٣١/١٢/٢٠١٩، لاسيما لجهة تحديد مصدر الأموال المودعة فيها وإفادة الهيئة في حال وجود أي شبهة على الحسابات.

الآلية القانونية

أما عن الآلية القانونية لاستعادة الأموال المنهوبة من البنوك السويسرية، فيوضح النائب في البرلمان اللبناني جورج عقيص أن ليس كل حسابات اللبنانيين في سويسرا مصدرها أموال غير شرعية، إنما على القضاء اللبناني التحرك وفقًا لقانون الإثراء غير المشروع لمعرفة مصدر تلك الأموال.

ويضيف أن موافقة مجلسي النواب والشيوخ السويسريين على منح الدولة اللبنانية حق الاطلاع على بيانات ومعلومات أرصدة اللبنانيين في سويسرا، يفتح الطريق أمام القضاء اللبناني لاسترداد الأموال المنهوبة، مشددًا على دور وزارة المال، كونها تمتلك كل بيانات الإنفاق والمشاريع التي نفذت في لبنان.

ويشير إلى أن «النظام القانوني اللبناني يتضمّن تشريعات بخصوص الإثراء غير المشروع ومكافحة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وحول تبادل المعلومات لغايات ضريبية، من شأنها الحدّ من الفساد، إلا أنّ المشكلة تكمن في تطبيقها والقيّمين على تنفيذها، ممّا يحتّم تعديلها». أمّا الأهمّ من ذلك، فإنّ لبنان هو دولة طرف منذ ٢٢ نيسان/أبريل ٢٠٠٩ في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد UNCAC، التي تضمّ حاليًا ١٨٦ دولة، وتنصّ على «إرجاع الموجودات والتصرف بها»، وفقًا لآلية تعاون ملزمة للدول الأطراف.

وشدد على ضرورة أن تضع الحكومة اللبنانية خطة واضحة لاستعادة أموال الهدر والفساد خلال هذا العام، كون تطبيق الإجراءات السويسرية يبدأ مع بداية عام ٢٠٢١، معتبرًا أنه من الضروري إنشاء لجنة تحقيق برلمانية تساعد في فتح ملفات الفساد.

بين القانون والأخلاق

ان الأموال، وإن خرجت من لبنان، فهي خرجت بطريقة قانونية ولكن يمكن اعتبار ‏تحويلها في هذه الظروف لا أخلاقي، مع ضرورة التأكيد ان لبنان لم يقر تشريعًا لفرض قيود على التحويلات، وبالتالي ‏وجب التمييز بين تحويلات لمودعين حصلت من بعض المصارف الى الخارج خلال هذه المرحلة، وتحديدًا بعد فرض ‏القيود المصرفية، وهي تحويلات قانونية إذ تصرفت المصارف إستنادًا الى ملاءتها وقدرتها على تأمين الأموال ‏الأجنبية لتحويلها. فيما الجزء الآخر يتعلق بالتحويلات المتعلقة بالسياسيين والاداريين في القطاع العام وأصحاب ‏المصالح خلال سنة ٢٠١٩ وما قبل، وهنا بيت القصيد، وهو الملف الذي يجب التحقيق فيه، والأهم التحقيق في ‏مصدر هذه الأموال والحسابات.

 ‎يقول المحامي الدكتور بول مرقص ان قانون مكافحة تبييض الأموال الرقم ٤٤ الصادر عام ٢٠١٥، ينص على «جرم ‏الفساد السياسي، وهو يشمل الإثراء غير المشروع. لكن تحويل الأموال وإن كان على سبيل التهريب ‎ évasion de  capitaux ‎لا يشكل بذاته جرمًا ما لم يكن مصدره جرميًا أي ناتجًا من هذه الجرائم أو صرف النفوذ واساءة استعمال ‏السلطة‎ abus de pouvoir ‎واختلاس الأموال العامة ‎ détournement de fonds ‎ والرشوة‎ (…)«

‎ ‎وفي هذا الاطار، قال مصدر مصرفـي إن تعميم مصرف لبنان بالحد من ‏التحويلات لعدم خسارة العملات الأجنبية ليس قرارًا إلزاميًا ولم تمنع الحكومة اللبنانية تحويل الأموال الى الخارج بل ‏تركت الحرية للمصارف وتم التشديد على اجراءات التحويل. وبالتالي فإن لدى المصرف اذا كان يمتلك ملاءة وقادرًا ‏على تحويل المال لمودعيه ان يقوم بما يراه مناسبًا. أما الكلام عن مصادر هذه الأموال فهي ليست إلّا ودائع كانت ‏موجودة في المصارف وتم التحقق منها قبل ذلك. أما الأشخاص الذين تدور حولهم شكوك ما، فإن على هيئة التحقيق ‏الخاصة في مصرف لبنان أو القضاء فتح ملفاتهم ولا تقع المسؤولية على إدارات المصارف. لذا فإن عمليات التحويل ‏ان حصلت في عدد من المصارف وبكميات محدودة لأنها ناتجة من اعتمادات كانت مفتوحة قبل ذلك التاريخ أو لسداد ‏مترتبات خارجية فهي قانونية مئة في المئة‎.‎

لبنان يطلب مساعدة سويسرا

وفي المتابعة الرسمية لهذا الملف كان الوزير السابق ألبرت سرحان قد اعلن في بيان أنه «أحال إلى السلطات السويسرية القضائية المختصة، بواسطة وزارة الخارجية والمغتربين، كتاب النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات بموضوع طلب المساعدة القضائية في شأن المعلومات عن تحويل مبالغ مالية من لبنان إلى حسابات مصرفية في سويسرا».

ويستند طلب المساعدة القانونية إلى مبدأ المعاملة بالمثل في سياق العمل الدوري المشترك وتبادل المعلومات في مجال مكافحة الإرهاب، لاسيما أن عمليات التحويل المشكوك بأمرها قد تشكل جرائم جزائية منصوص ومعاقب عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

وتعهدت السلطات اللبنانية بالحفاظ على سرية التحقيق والامتناع عن استخدام المعلومات المقدمة إليها من السلطات السويسرية القضائية إلا لأغراض هذا التحقيق.

وأضاف البيان «أن طلب المساعدة القضائية تناول الإفادة عن حجم المال الذي تم تحويله مع بيان مصدره، وما إذا كان مشبوهًا أم لا، على أن يتم الاستماع إلى الشهود عند الاقتضاء توضيحًا وتصويبًا، مع التشديد على تكليف المصارف المعنية والتي تم تحويل الأموال إليها تقديم المستندات والوثائق والمعلومات المتعلقة بإجمالي هذه الحسابات وأرقامها».

رئيس الحكومة حسان دياب وقبل نيل حكومته الثقة، وفي تحريك هاتف استقبل رئيس الحكومة حسان دياب، في السرايا الحكومية، سفيرة الاتحاد السويسري مونيكا شموتز كيرغوز، التي قالت: «منذ بداية الأزمة التي يمر بها لبنان، طالبت سويسرا بتشكيل سريع لحكومة فعالة وشفافة، وقد اغتنمت الفرصة خلال لقائي مع الرئيس حسان دياب، والتمني للبنان ولحكومته النجاح في تنفيذ الإصلاحات، حيث أن المواطنين اللبنانيين يتطلعون اليها والبلد بأمس الحاجة لها».

واضافت: «ان الوضع في لبنان والمنطقة يحتاج الى اجراءات عاجلة، ولم يعد بالإمكان تجاهل مطالب الأعداد الكبيرة من اللبنانيين، إذا كانوا من الذين يشاركون في الاحتجاجات أو كانوا يتمنون تغييرًا عميقًا وهادئًا، وبالنسبة لسويسرا يهمها استقرار لبنان والعمل بموجب القوانين بطريقة شفافة عبر المشاركة والحكم الرشيد. ويجب على الشعب اللبناني أن يثق بحكومته وحكامه، فالحوار والتعاون بين صانعي القرار والمجتمع هو المفتاح لحل مختلف المسائل وتجنيب البلد العنف والتطرف».

وتابعت: «لقد رأينا على مدى السنوات الماضية شعور الشعب اللبناني بعدم حصوله على حقوقه. وكأولوية فإن سويسرا دعمت وستواصل دعمها لكل المحاولات من اجل اصلاح النظام القضائي وجعله اكثر استقلالية وفعالية. وبالموازاة فإن الوضع 

الاقتصادي يحتاج الى اصلاح خصوصًا وأن المواطنين اللبنانيين شهدوا في الفترة الأخيرة قرارات غير مسبوقة من قبل المصارف اللبنانية تتعلق بمراقبة ضخ الأموال، ووضع قيود على السحوبات، فانخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية يؤثر سلبًا على الأمن النقدي للمجتمع، بوجود عدد كبير للبنانيين تحت مستوى خط الفقر».

وأكدت «استعداد سويسرا للتعاون بناءً على طلب الحكومة اللبنانية الجديدة لإلقاء الضوء حول الإشاعات التي انتشرت عن هروب رؤوس اموال اليها».

وقالت: «لقد أطلعت الرئيس دياب أنه وحكومته يقفان امام مهمة كبيرة، وسويسرا مستعدة للمساعدة في تنسيق وتنفيذ هذه المهمة بالتوافق مع مطالب الشعب والحاجات الضرورية للبلد».

سرية مصرفية وتبادل معلومات

يوضح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة: أولاً الزعم أن سويسرا «كشفت عن ٣٢٠ مليار دولار في بنوكها لسياسيين ومسؤولين لبنانيين» زعم خاطئ، لأن «سويسرا لا تزال تتمتع بسرية مصرفية»، حتى لو بدأت تطبق الإتفاقية الدولية المتعلقة بالتبادل التلقائي للمعلومات المصرفية، وهناك اصول محددة لكشف السرية المصرفية». أما الزعم أن الدين العام في لبنان هو ١٠٠ مليار دولار، فخاطئ أيضًا، إذ تبين أحدث الأرقام المنشورة بهذا الخصوص نهاية شباط/فبراير ٢٠١٩ أنه يصل إلى ٨٥،٢ مليار دولار.

ويتابع انه ابتداءً من ١ كانون الثاني/يناير ٢٠١٧، بدأت سويسرا العمل بالإتفاقية الدولية المتعلقة بالتبادل التلقائي للمعلومات المصرفية، «ما يعني بداية النهاية للسمعة التي رافقت سويسرا في السابق بوصفها جنة ضريبية». عمليًا، يعني تطبيق «المعاهدة المتعددة الأطراف بشأن المساعدة الإدارية المتبادلة في المسائل الضريبية» أن سويسرا أصبحت ملتزمة المعايير الدولية المتعلقة بالإجراءات الضريبية (سويس اينفو، ١ ك٢ ٢٠١٧) .

هذا الاتفاق وقعته أكثر من ١٠٠ دولة، و«يضمن أنه سيتم تبادل المعلومات المالية المتعلقة بحسابات مصرفية عائدة الى مواطني عدد من البلدان في سويسرا، والعكس بالعكس تلقائيًا وفي شكل سنوي».

ويتابع عجاقة: «لا تزال السرية المصرفية قائمة في سويسرا، لكنها باتت استنسابية حاليًا. وهذا يعني ان من يريد كشف السرية المصرفية يجب ان تتوفر لديه صفة معنوية كبيرة. على سبيل المثال، هذه حالة الولايات المتحدة التي طلبت كشف السرية المصرفية المتعلقة بحسابات ليهود في سويسرا، تعود الى حقبة الحرب العالمية الثانية».

ويوضح ان «ثمة اصولاً لكشف السرية المصرفية، منها ان يكون الطلب مبررًا، ويتعلق بشخص محدد، ويقف وراءه القضاء تحديدًا». وهذا يعني انه لا يستطيع اي شخص ان يطلب كشف السرية المصرفية. وهذا يعني ايضًا، في رأيه، ان «السرية المصرفية، بموجب المعاهدة المتعددة الأطراف، اصبحت نصف مصانة، علمًا ان النصوص القانونية قد تكون ايضًا مطاطة».

ووفقًا لمؤشر نشرته «شبكة العدالة الضريبية» (٣٠ ك٢ ٢٠١٨)  وهي شبكة دولية مستقلة مهمتها الأساسية «الدفع من أجل التغيير المنهجي في القضايا المتعلقة بالضرائب والملاذات الضريبية والعولمة المالية» «تمثّل سويسرا المركز المالي الأكثر سرية في العالم، تليها الولايات المتحدة». وأشارت إلى أن «سويسرا التي هي أكبر مركز عالمي للثروات المنقولة الى الخارج، أدخلت تحسينات عدة على نظام السرية المصرفية في السنوات الأخيرة، بعد ضغوط متتابعة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما».

ولاحظت ان «التنازلات التي قدمتها سويسرا كانت نتيجتها كالتالي: أموال بيضاء (نظيفة) للبلدان الغنية والقوية، وأموال سوداء (فاسدة) للدول الضعيفة والنامية». وتبعًا لذلك، فإن سويسرا ستتبادل المعلومات مع البلدان الغنية، إذا كان عليها أن تقوم بذلك. لكنها في المقابل، ستستمرّ في توفير فرص لمواطني البلدان الفقيرة للتهرّب من مسؤولياتهم كدافعي ضرائب في بلدانهم».

في مؤشر تصنيف السرية المصرفية لعام ٢٠١٨، يحتلّ لبنان المرتبة الـ١١، بعد جزر كايمان (المرتبة ٣) وهونغ كونغ وسنغافورة ولوكسمبورغ وألمانيا وتايوان والإمارات وجزيرة غرينزي (المرتبة ١٠).

وتحظر قوانين السرية المصرفية عمومًا على المؤسسات المصرفية والمسؤولين فيها والموظفين لديها الإفصاح عن بيانات العميل لفريق ثالث. بالنسبة إلى سويسرا، تشكل المادة ٤٧ من القانون الاتحادي السويسري بشأن البنوك ومصارف الادخار (الصادر ٨ ت٢ ١٩٣٤ والمعدل ٢٠١٦) القانون الأساسي الذي يحكم سرية المصارف في سويسرا. ومن يكشفون بيانات العميل، في انتهاك لهذا القانون، يتعرضون لعقوبات جنائية «تصل إلى السجن لمدة لا تزيد عن ستة أشهر، أو لغرامة لا تزيد على ٥٠ الف فرنك سويسري» (المادة ٤٧).

كذلك، توجد أحكام جنائية مماثلة في قوانين اخرى تتعلق بالسوق المالية السويسرية: المادة ٤٣ من القانون الاتحادي السويسري بشأن البورصة وتداول الأوراق المالية. المادة ١٤٧ من القانون الفيدرالي السويسري حول البنى التحتية للسوق المالية. المادة ١٤٨ من القانون الاتحادي السويسري بشأن مخططات الاستثمار الجماعي.

تعهدات حكومة دياب

ورد في البيان الوزاري الذي نالت حكومة الرئيس حسان دياب على اساسه الثقة:

 متابعة التحقيقات واتخاذ الاجراءات اللازمة بخصوص الأموال التي حولت إلى الخارج بعد ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ خلافًا للقانون.

 استرداد الأموال المنهوبة من خلال:

أ. إقرار مشروع قانون يكافئ من يساعد في الكشف عن الجرائم التي تستهدف المال العام الذي يتبين أنه اكتُسب بشكل غير شرعي ليصار بالنتيجة الى استرداده بما في ذلك ما تم تهريبه الى الخارج لا سيما عبر المصارف.

ب. السعي للكشف عن الأموال المنهوبة عبر الجهات القضائية والاستعانة عند الإقتضاء بمؤسسات متخصصة للكشف عن الأموال «المنهوبة».

يأمل اللبنانيون جميعًا ان تتمكن حكومة الرئيس حسان دياب من تحقيق وعدها الذي يعتبر بمثابة حلمٌ لهم.

 

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة