جميعنا مسؤولون عمّا حدث. وجميعنا مسؤولون من حيث البحث عن مخارج من أزمة غير مسبوقة في تاريخ لبنان. جميعنا مسؤولون بلا استثناء، مَن كان أو أصبح في موقع القرار، أو مَن عمل في الشّأن العام أو الخاص وتلكّأ عن ممارسة حقوقه وواجباته ولم يحاسب أو لم يسعَ إلى تغيير المسار… مسؤولون بالتكافل والتضامن عمّا آلت اليه الأوضاع وعن المستقبل. فأساس الأزمة ببساطة انعدام الرّؤية والمسؤولية وسوء الإدارة والتنافس على المحاصصة المبنية على منطق المكتسبات بدل منطق الاداء. كما أنّ مَن بيدهم الأمر عاشوا ولا يزالون يعيشون في جوّ من النكران والرفض لما حدث ويحدث، بدل العمل بسرعة على تدارك الأسوأ وتغيير أدائهم السياسيّ لمصلحة الوطن.

إنها الحقيقة المعروفة أن المصارف قاطرة الاقتصاد وحجر زاوية لا غنى عنه. وقد كانت ردّات فعل مودعي المصارف في الأشهر الأخيرة طبيعية، إذ سكنهم الخوف والقلق على مصير أموالهم واحتمالات ضياعها وخسارتها. وجاءت الإجراءات المصرفية التي كان لا بدّ منها أفضل خيار ممكن ومتاح، على رغم قسوتها… لا بد منها للحد من الخسائر ومحاولة المحافظة على الودائع. ولكن علينا ألا ننسى أن المصارف لا تزال تختزن ودائع تبلغ قيمتها نحو مئة وستين مليار دولار أميركي (منها مئة وعشرون مليارًا بالعملات الأجنبية)، إذا ما أضيفت إلى ثروات كبيرة للبنانيين في الخارج تزيد عما قد نحتاج إليه للنهوض… إذا صدقت النيات وشحذت العزائم. كما أن الدولة اللبنانية لا تزال تحتفظ بموجودات يمكنها اللجوء إليها لإطفاء قسم كبير من الدين… إذا كانت هنا المشكلة فقط. جلّ ما نحتاج إليه، قبل فوات الأوان، هو الإرادة والتصميم وتقبّل بعضنا بعضًا على اختلاف مشاربنا وتوجهاتنا وتياراتنا الفكرية والحزبية…

فلتتوقف المناورات ليتسنى للجميع، خصوصًا الحكومة الجديدة، العمل على إرساء هندسة سياسية ومالية في هذا الوقت الاستثنائي. فالتحديات قاسية وضاغطة، على الشارع مثلما على السلطة بكل مؤسساتها ولا مجال للعبة الوقت رهانًا ولا تسمح الأوضاع بترف الانتظار. وإذا أردنا أن نستعيد صدقيتنا، فإن الكرة أولاً وأخيرًا في ملعب السلطة السياسية وسائر القوى والتيارات على اختلاف مشاربها، وإذا كان على هذه الحكومة أن تثبت أنها فعلاً مختلفة عما تعودناه، فإن الخطوة الأولى بيدها. هذا ما يتوقعه منها اللبنانيون وما يلح عليه المجتمع الدولي والدول المانحة. فهل تسارع إلى حزمة إصلاحات مفصلية، وخطوات جوهرية تكون الرد الحقيقي على كل الأوصاف التي تطلق عليها، وتكون بداية لفتح الأبواب أمام الديبلوماسية اللبنانية لإعادة ترميم ما اعترى علاقات الوطن مع الكثير من البلدان التي ارتضت التزامه النأي بالنفس في خضم الصراعات المشتعلة في الإقليم؟

فباعتقادي أن على الحكومة الاستجابة بداية إلى ما يطرحه المنتفضون في الشارع.

وأولى المبادرات هي المعالجة الحقيقية لمشكلة الكهرباء برفع الأيدي عن ملفها وابعاده عن التجاذبات الداخلية والمساعدة على إعادة إضاءة لبنان. فهل يعقل بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب، أن يظل هذا القطاع محط جدال ونقاش ومخالفات، بعدما تعاقبت عليه معظم الجهات السياسية في البلد ولم تتوصل واحدة منها إلى أية حلول، علمًا أن أي حل يعود بالإفادة على كل فرد لبناني أيًا كان انتماؤه. إن توفير الكهرباء يعد رافعة لا غنى عنها لتحريك باقي قطاعات الإنتاج الأخرى. العجلة في تسوية أوضاع هذا القطاع ستعكس جدية جديدة في التعامل مع باقي المشكلات، وعلى رأسها وقف الفساد والتدهور المالي والأمني وتعد مؤشرًا إلى طريقة العمل التي ستنتهجها الحكومة مستقبلاً. أما المبادرة الأخرى فتكون في تحديث شبكة الأمان الاجتماعي وتطويرها، لأنها من أهم واجبات الدولة وحقوق المواطنين لكي ينعموا بعيش كريم… ويبدأوا بالعودة إلى نشاطاتهم.

هاتان المبادرتان ليستا سوى الخطوة الأولى في مسار يؤشر إلى جدية السلطة وأدواتها التنفيذية، وفتحها الطريق السوي لاستعادة الثقة محليًا وإقليميًا ودوليًا. ولأن المؤسسات الدولية والأشقاء العرب والمغتربين اللبنانيين لن يترددوا في مساعدة لبنان على ألا ننسى أموال المودعين المتوافرة في المصارف اللبنانية، كما ذكرت سابقًا. ولأن لبنان يتمتع بالبنية القانونية والتشريعية والثقافة والإرادة للانطلاق بجدية لبناء وطن ركيزته العنصر البشري، فما علينا إلا الإتفاق على الخطوط العريضة لرؤية تعكس قدراتنا التنافسية، وبناءً عليها نضع خططاً عملية تتقدّم فيها المصلحة العليا على أي اعتبارات شخصية أو حزبية، ومبنية على خطوتين أساسيتين:

– البناء على قدراتنا الخدماتية والمرتكزة على العنصر البشري، ومنها القطاع المالي والطبي والعلمي والثقافـي… والإستثمار في القطاع الإنتاجي، لخلق فرص عمل ولزيادة التصدير وتحسين التدفقات النقدية وميزان المدفوعات… وهناك أفكار كثيرة وبناءة في هذا الشأن كلها مفيدة وتستحق المتابعة.

– تحسين الأداء والابتعاد عن منطق المكتسبات المحقة والتنسيق بين الإدارات وخلق ثقافة المساءلة والمحاسبة واعتماد الشفافية والحوكمة لتشجيع الاستثمار خصوصًا في صفوف المغتربين الناشطين والناجحين في الخارج.

فلنكن جميعنا مسؤولين وليتقبل بعضنا بعضًا لنعمل لوطن نستحقه لنربح مستقبلنا او نترجم أحلام أولادنا بمستقبل واعد… والفرصة سانحة لنثبت مجددًا أن النموذج اللبناني حي وباقٍ.

 

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة