يتحدث السيد منير خرما، الرئيس التنفيذي لشركة غلوب مد حول الواقع الصعب الذي يحتاجه لبنان حاليًا، وإنعكاساته الاقتصادية والاجتماعية العامة، داعيًا لأن تكون صحة الإنسان أولوية بالنسبة لجميع المسؤولين في القطاعين العام والخاص.
ويشير السيد منير خرما إلى التطور الذي يشهده قطاع التأمين الصحي في المنطقة العربية بفعل القرارات والإجراءات الجريئة والحكيمة، من دون أن يغفل كيفية مواكبة قطاع إدارة المطالبات لمثل هذا التطور، مع الإشارة الى التكنولوجيا التي دخلت بقوة إلى هذا العالم وأحدثت فيه تغييرات جذرية.
السيد منير خرما يتحدث أخيرًا عن إنجازات غلوب مد التي دخلت إلى عالم التحول الرقمي من بابه العريض وإستطاعت أيضًا مواصلة استراتجيتها التوسعية حول العالم.
* تركت التطورات السياسية والمالية والنقدية التي حصلت في لبنان مؤخرًا، انعكاساتها السلبية على القطاعات المالية والخدماتية والإنتاجية كافة…
– ما هي قراءتكم لهذه الأحداث؟
– ما هي النتائج المترتبة عن هذه الأحداث على قطاع التأمين اللبناني؟
يمرّ لبنان بمرحلة دقيقة ترخي بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية في البلد. نعيش حاليًا في ظل أزمة سياسية وأمنية تعصف بمختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية. أزمة تحتّم على مختلف المعنيين العمل سويًا لبلوغ برّ الأمان بما يلبي إحتياجات الوطن وتطلعات المواطن اللبناني.
في ظل الوضع الراهن، يواجه أرباب العمل صعوبات جمّة على صعيد تسديد المستحقات المالية المترتبة عليهم، وحتى أولئك الذين يتمتعون بأوضاع مالية جيدة فإنهم يواجهون قيودًا تبطىء تدفق الأموال عليهم. بالتأكيد لهذا الأمر العديد من التّبعات السلبية على قطاع التأمين، وتحديدًا فرع التأمين الصحي الذي يتطلب الوفاء بالمستحقات المالية دوريًا لمقدمي خدمات الرعاية الصحية كي يتمكن هذا القطاع من الإستمرار في توفير العناية اللائقة والعلاج المطلوب للمرضى، لاسيما وكما هو معلوم أن هناك العديد من البرامج الصحية التابعة للقطاع العام والتي ما زال يترتب عليها مستحقات مالية متراكمة لصالح هذا القطاع مما يؤثر سلبًا على طاقته الخدماتية.
الوضع الآني حرج للغاية ويتطلب حلولاً طارئة لأنه وبغض النظر عن الظروف، لا بدّ أن تكون صحة الأنسان أولوية بالنسبة لجميع المسؤولين في القطاعين العام والخاص.
يتطلب منا الوضع الراهن أن نضافر الجهود للنهوض بالوطن وإقتصاده وإعادة الحركة الى سوق العمل لإعادة دورة العجلة الاقتصادية. هذا يتطلب إصلاحات جذرية للنظام تحسّن من فعاليته لدفع الإصلاحات المطلوبة وتحسين الإدارة العامة للدولة.
كُلي تفاؤل وثقة بقدرة اللبنانيين وطاقاتهم ومثابرتهم على مر الدهور. فلا بدّ أن نتخطى الأزمات الحاليّة خصوصًا إذا وحّدنا الرؤية بخلاص وطننا والعمل لتحقيق نهضة بنيوية واقتصادية واجتماعية.
* يشهد قطاع التأمين الصحي تطورًا مستمرًا وملحوظاً على مختلف المستويات، في المنطقة العربية.
– ما هي قراءتكم لتطور هذا القطاع؟
ممّا لا شك به أن المحرّك والدافع الأساسي لنمو قطاع التأمين الصحي أتى بقرارات وإجراءات جريئة وحكيمة من قبل المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة. وكان في مقدمة هذه القرارات فرض البرامج الإلزامية للمواطنين وللوافدين، برامج شكلت زخمًا كبيرًا ومُحفزًا لنمو قطاع التأمين الصحي ككلّ دون أن تُكبد الدول المعنية إلتزامات كبيرة. لا شك أن هذه البرامج الصحيّة مثالاً للإقتداء به، وهناك خطوات تتُخذ يومًا بعد يوم في هذا الإتجاه، نلمسها من خلال القوانين والإجراءات الحكومية التي تُصدرها الحكومات المعنية لدعم العقد الاجتماعي ولمنفذيه مما يدفع قطاع التأمين الصحي قدمًا.
من ناحية أخرى، باشرت شركات التأمين الصحي بإعادة النظر في فلسفة وإستراتيجية المخاطر التي تعتمدها، ومن الأسئلة المطروحة على سبيل المثال: هل الغرض من التأمين الصحي محصور بتوفير بدل التكلفة لعلاج المرض فقط؟ أوليس هناك سُبل أمثل إن من ناحية صحة المريض أو ضبط التكلفة الإجمالية من خلال برامج أخرى خلّاقة؟ أو ليس هناك تعليل منطقي للإهتمام بصحة وعافية المؤمّن لحمايته من المرض؟ كذلك ألا يوجد سبل منطقية لمحاولة تطبيق برامج الوقاية للمؤمّنين من بعض الأمراض؟ على سبيل المثال من خلال اللقاحات أو التشخيص المبكر لعلاج مُجدي للأمراض.
وعليه:
أولاً على صعيد الخدمات والتقديمات، أصبحت برامج صحة السكان (Population Health) مساحات مهمة لتطوير قطاع التأمين الصحي من خلال عدة برامج مترابطة مع التأمين الصحي مثل برامج التطبيب عن بعد (Telemedicine) الذي كانت غلوب مد سبّاقة في إطلاقه في مستهل التسعينيات من القرن الماضي في لبنان. كما هناك برامج تثقيفية للمرضى (Patient Education) التي تُعنى بنشر الوعي حول أهمية إتباع نمط عيش صحي للوقاية من الأمراض، وبرامج الصحة والعافية (Wellness and Health)، كما برامج التشخيص المبكر والوقاية من الأمراض (Screening and Prevention)، وبرامج خاصة تعنى بمتابعة المرضى الذين لديهم إحتياجات صحيّة إضافية على سبيل المثال مرضى السكري. وفي هذا الإطار، لدى غلوب مد فريق عمل متخصّص من الأطباء والخبراء يعمل على جميع هذه البرامج التي سنبدأ بتقديم قسمًا منها خلال عام ٢٠٢٠.
ثانيًا على صعيد الأداء، بات للأجيال الجديدة تطلعات وتوقعات يُحدد على أساسها النجاح المستقبلي لشركات التأمين. لذا لا بدّ على هذه الشركات الإستفادة من التطور الرقمي لتقديم خدمات توفر تجربة إنسيابية للمؤمّنين وخاصة المرضى منهم (Customer Experience) كما لمستخدمي أنظمة شركات التأمين (User Experience). وفي هذا الإطار، تعمل غلوب مد على ربط المؤمّن بشبكة مقدمي الخدمات وذلك بدءًا بالطبيب المعاين وتوفير تجربة رقميّة إنسيابية تتابع تجربة المريض الطبية عند كل محطة من محطات خدمته.
ثالثًا على صعيد الجهات الحكومية الراعية للأنظمة الصحية، نرى حاليًا عدة محاولات لتطوير أنظمة الضمان الصحي وتوفير التغطية الصحية الشاملة لمختلف فئات المجتمع على سبيل المثال في مصر ودول أفريقية أخرى. إنما ما زالت هذه المحاولات، التي ندعو لها بالتوفيق، مجرد تجارب حتى الآن. وإنطلاقًا من خبرتنا في هذا المجال، نحن على يقين بأنه على القطاع العام التعاون مع القطاع الخاص كي يتمكن من تحقيق النجاح المرجو بما للقطاع الخاص من خبرة وحنكة إدارية وفنية تشكّل دافعًا أساسيًا للقطاع العام خاصةً في مجال قطاع الصحة.
من جهة أخرى، بدأنا نرى في بلدان أخرى، تحديدًا في دول الخليج العربي، مثل المملكة العربية السعودية، والامارات العربية المتحدة، والكويت المباشرة بفرض التأمين الصحي الإلزامي على بعض فئات المجتمع ما ساهم بنمو القطاع وتحقيق المساواة بين مختلف فئات المجتمع على صعيد الحصول على خدمات الرعاية الصحية. برأيي أن افضل الحلول تبقى برامج التأمينات الإلزامية من خلال برامج حوكمة عالية يقوم بتنفيذها القطاع الخاص بما في ذلك برامج الشؤون الإجتماعية التي تموّلها وترعاها الدولة.
* برأيكم، كيف يواكب قطاع الـ TPA تطور قطاع التأمين الصحي في العالم العربي؟
تربط قطاع الـ TPA علاقة تكامليّة مع شركات التأمين، وهي علاقة مفيدة للطرفين. فشركة الـ TPA تملك الخبرة، والقدرات البشرية والتقنية، والأنظمة وغيرها للقيام بمختلف وظائف إدارة المطالبات، ونقل هذه الخبرة والمعرفة والامتداد من بلد إلى أخر، وهو أمر لا تستطيع شركة التأمين القيام به بالسهولة عينها بمفردها نظرًا للتخصّص المطلوب كما الكلفة التي قد تتكبدها هذه الشركات نتيجة الخدمات المطلوبة.
لذا من الأفضل بالنسبة لشركات التأمين أن تصبّ اهتمامها على العمل الذي يساهم بتوسيع وتنمية أعمالها على صعيد المنتجات والتسويق بدلاً من التركيز على التفاصيل التشغيلية التي يمكن الإتكال على شركة الـ TPA للقيام بها.
والأهم في هذا الموضوع هو قدرة الـ TPA على مواكبة التطورات التقنية فضلاً عن إستفادتها من الحجم المترتب على خدمة عدة شركات تأمين، مما يساهم بتوزيع الكلفة على عدة شركات من خلال تقديم خدمات مشتركة (Shared Services).
إن شركات الـ TPA هي بمثابة مختبرات لتطوير العمليات، والأنظمة، والكوادر البشرية الخبيرة التي يمكن أن تستفيد منها شركات التأمين كسلة متكاملة أو كخدمات منفصلة حسب إحتياجاتها الخاصة. في هذا الصدد، تقدّم غلوب مد نظامها من خلال نموذجها الرائد والمعروف وكذلك من خلال دورها كمورد للحلول والأنظمة والمعرفة للشركات (System Vendor). وقد سبق وطبقت هذا النموذج في عدة أسواق آخرها كان في الجزائر، حيث قامت بإنشاء أول نظام لشركة TPA في السوق الجزائرية لمعالجة المطالبات وتسويتها وغيرها. كما تقدّم للجهات العاملة معها خدمات أكتوارية مستندة الى طاقم عمل متكامل من الخبراء والمتخصّصين في هذا المجال والمجازين من أبرز المراجع والمؤسسات العالمية.
* دخلت التكنولوجيا بقوة الى عالم التأمين، كما غيره من القطاعات الخدماتية والإنتاجية…
– ما هي التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في هذا القطاع؟
فعلاً غيّرت التكنولوجيا ملامح سوق التأمين الصحي والرعاية الصحية الذي شهد زيادة طلب المؤمّنين على المنتجات المتخصّصة حسب حاجاتهم الصحية والتأمينية. نعيش حاليًا في كنف التكنولوجيا حيث سهّلت التكنولوجيا تقديم برامج مُعدة لتلبي الاحتياجات الشخصيّة لكل مؤمّن، لاسيما أفراد جيل الألفية (Millennials)، الذين يميلون إلى الخدمات الرقمية في قطاع التأمين عبر تطبيقات الهواتف الذكيّة التي توفر لهم تجربة إنسيابية (Customer Journey). وكانت قد طرحت غلوب مد تطبيقها غلوبمد فت ( GlobeMed Fit) الذي يسمح للمؤمّن بإدارة كافة الجوانب المرتبطة بتأمينه من راحة منزله. يوفر له التطبيق القدرة على الإطلاع على المنافع الخاصة بوثيقته التأمينية، وتقديم طلبات الموافقة المسبقة والإسترداد النقدي، وتعقب هذه الطلبات، كما طرح الإستفسارات وغيرها. كذلك يواكب التطبيق الإحتياجات الصحية والغذائية واللياقة البدنية لكل فرد من خلال تمكينهم من تحديد أهدافهم الشخصية المرتبطة بإستهلاك السعرات الحرارية وإنقاص الوزن وغيرها. ويمكّنهم من الإستفادة من خاصية التذكير بمواعيد الأدوية، والتحقق من تطابق أدويتهم، والإطلاع على شبكة مقدمي خدمات الرعاية الصحيّة وغيرها من المزايا.
وفي معرض حديثي عن التكنولوجيا لا يمكنني إغفال تقنيات التحليل التنبؤي (Predictive Analysis) والذكاء الإصطناعي (Artificial Intelligence) التي تساعد على تحليل البيانات والمعلومات المتوفرة لتحديد المخاطر والمساعدة على إتخاذ القرارات إستنادًا إلى قاعدة تحليلية علميّة صلبة.
كما تلعب المكننة دورًا بارزًا في تعزيز الأداء لإدارة ومعالجة المطالبات بسرعة وفعالية. وهنا لا بدّ لي من الإشارة الى نظام غلوب مد الطبي الخبير (ARC) الذي يميّز ملايين الحالات بدقة عالية ما يؤدي لمكننة الموافقات المسبقة، مع الأخذ بالإعتبار الضرورة الطبية (Medical Necessity) بصورة فورية لمعظم الحالات العلاجية المطلوبة، ويصدر قرارات الموافقة بناءً على ذلك، فضلاً عن التدقيق بالفواتير. وقد سبق وباشرت غلوب مد بإستخدام هذه التقنيات في بواباتها الإلكترونية الرائدة المخصصة لمختلف الجهات العاملة معها على سبيل المثال بوابة CareGate لمقدمي خدمات الرعاية الصحية.
* هل تعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة مترافقةً مع تحديات مالية وتكنولوجية وفنية عدة… قد تؤدي إلى حصول إندماجات بين شركات الـ TPA في المنطقة؟ وإنسحاب بعضها من الأسواق؟
بالفعل بدأنا نرى العديد من هذه الإندماجات في العديد من الأسواق خاصةً في الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية وذلك نتيجة العديد من الصعوبات والتحديات التي تواجه الشركات إن كان على صعيد شركات التأمين أو شركات الإدارة الـ TPA. أعتقد أنها خطوة في الإتجاه الصحيح. لا شك أن هناك عدد كبير من شركات إدارة منافع الرعاية الصحية في المنطقة، مما يؤثر على حجم الحقيبة التي تخدمها أي من شركات الإدارة، بمعنى عدم توفر محفظة تأمينية ذات حجم وافـي لدعم المصاريف المرتبطة بالخدمات المطلوبة. وهذا قد يكون له نتائج عكسية على السوق، بما أنه يحدّ من طاقة الشركة التطويرية وقدرتها على تحسين التقديمات والخدمات والمكننة وما الى ذلك. وينتج عن هذه الإندماجات كيانات قادرة على الاستجابة لمتطلبات السوق في ظل التحديات المالية والتكنولوجية وغيرها.
* ما هي أبرز إنجازات شركتكم في العام ٢٠١٩ على المستويات كافة؟
لقد كان عام ٢٠١٩ عامًا مليئًا بالمشاريع الكبرى التي شهدت دخول غلوب مد إلى عالم التحول الرقمي من بابه العريض. فواصلنا خلال هذا العام جهودنا للتواجد بقرب المؤمّن من خلال خدمات سهلة تلبي إحتياجاته دون أي تعقيد وعبر سبل تقنية ورقمية رائدة مثلاً عبر تطبيقات الهواتف الذكية التي أطلقناها في مختلف البلدان التي نعمل فيها.
وواصلنا مسيرتنا الريادية في مجال برامج الصحة والعافية والوقاية من خلال إطلاق برامج مخصّصة للمجموعات الكبرى وأرباب العمل القائمة على تثقيف المؤمّنين وحثهم على اتباع نمط عيش صحي.
كما عززنا قدراتنا في مجال تكنولوجيا المعلومات، حيث باتت غلوب مد مختبرًا لإبتكار أحدث التقنيات، فعملنا على تحديث بواباتنا الإلكترونية المخصّصة لكل جهة من الجهات الطبية العاملة معنا وعملنا على تعزيزها بالرموز الطبية Medical Coding. وسنبدأ بإطلاق هذه البوابات الإلكترونية خلال عام ٢٠٢٠ لتسهيل الربط بين المرضى المؤمّنين ومقدمي خدمات الرعاية الصحية.
كما واصلنا هذا العام إستراتيجيتنا التوسعيّة، فدخلنا إلى سوق الجزائر كمزود للحلول والأنظمة الذكية. وبإذن الله، سندخل إلى أسواق جديدة العام ٢٠٢٠ لنواصل مسيرتنا الرياديّة التي أنطلقت قبل ثلاثة عقود خلت، مسيرة نفتخر بأنها أحدثت نقلة نوعيّة في قطاع التأمين الصحي في المنطقة.

