- آذار/مارس 328 - المراقب التأميني

ما الذي يمنع الاتحاد الأفرو آسيوي من تأسيس شركة إعادة تأمين؟ ولماذا لم يبتّ بمقترح رئيس “غزال للتأمين” منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي؟

عندما تحدثت إلى أمين عام الاتحاد الأفرو آسيوي الأستاذ عادل منير، خلال صيف العام ٢٠١٨، طارحًا فكرة إعداد ورقة عمل لمشروع تأسيس شركة إعادة تأمين أفرو  آسيوية، لقيت الفكرة ترحيبًا مشوبًا بحماس ملحوظ من قبل الأستاذ منير، دفعته لأن يقترح تقديم ورقة العمل تقدم إلى الأمانة العامة للإتحاد الأفرو آسيوي، الذي عقد في العاصمة اللبنانية بيروت في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، وعند تقديمي لورقة العمل المتعلقة بهذا المشروع، طرحت في مقدمة الورقة تساؤلاً: لماذا لا نعمل على تقديم الدعم لأي مشروع تأميني عالي الجودة؟ وكأنني بهذا التساؤل كنت أستشعر وجود من لا يريد الانطلاق لصناعة التأمين في المنطقة العربية على الأقل، أو في منطقة الشرق الأوسط عمومًا.

كانت الورقة محاولة لدفع عجلة تطوير صناعة التأمين القاري قدمًا، ورغم ذلك لم نتلق من الأمانة العامة للاتحاد ما يفيد بتبنّي الفكرة منذ أن عرضناها عليه قبل أكثر من أربعة شهور، ولا بطرح الموضوع على بساط البحث، رغم إيماننا بتوفر رؤوس الأموال والخبرة والرغبة الصادقة في توحيد الجهود التأمينية. فإلى جانب توفر المال والخبرة، كان الغرض وراء تحقيق الفكرة، أننا جميعًا لا نقبل أن تفرض علينا قوانين لشركات إعادة تأمين أجنبية لا تنتمي إلى منطقتنا، ولا أن تملي علينا شروطها، وتتحكم بمصائرنا. إذن، ما الذي أعاق تفعيل هذه الفكرة، ومنع المعنيين من المساهمة في تأسيس شركة إعادة تأمين أفرو  آسيوية تموّل بأموالنا وتدار بخبراتنا، لتحقيق طموحاتنا؟ وما هي الضمانات لشركات التأمين التكافلية أو التعاونية لأن يكون تعاملها مع شركات إعادة التأمين الأجنبية صحيحًا شرعًا طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية؟ كل هذه الأسئلة أجبنا عليها ضمن الورقة، فما الذي أعاق الأستاذ عادل منير لمواصلة حماسه لتأسيس شركة إعادة تأمين أفرو  آسيوية؟

كلنا يعرف أن التأمين يوفر الحماية للأفراد ويمنح الملاءة للمؤسسات، ويقدم الدعم لكل أشكال المشروعات الاستثمارية، ونعلم أنه أينما وجد التأمين، كانت هناك جرأة في توسيع رقعة الاستثمار، وإصرار في اتخاذ قرارات حاسمة، ونعرف أيضًا أنه كلما تعددت المخاطر في هذه المشروعات برزت حاجة ماسة إلى غطاء “تأميني” لمساندة أيّ توسع في اكتتابات شركات التأمين، ولهذا ترتبط إعادة التأمين بازدياد المجازفة لدى شركات التأمين، لتواكب الانطلاق الاقتصادي. فهي أحد مفاتيح خارطة الطريق للتنمية الاقتصادية، وتعد خزينة لتكوين رؤوس أموال ضخمة، وأسلوبًا للإستثمار وقناة للادخار، ووسيلة لزيادة فرص العمل، ما يساعد على زيادة الخبرة المهنية ونمو الإنتاج، لتكون المحصّلة النهائية الحفاظ على الثروات المالية والبشرية.  

أنّ من أهم الأسباب التي تدفعنا نحو تأسيس شركة إعادة تأمين جديدة للعناية بمصالح اقتصادات القارّتين، توزيع عبء المخاطر الاقتصادية التي قد تتعرض لها دولهما، فيوزع على أكثر من طرف، لتكون النتيجة إقبال شركات التأمين على مشاريع أخرى ضخمة وذات قيمة عالية، حتى وإن أحاط بها خطر أكبر، فمن خلال زيادة حجم الوثائق التأمينية التي تحتفظ بها وتنويع نشاطاتها التأمينية وتوسيع رقعة انتشارها يتمكن قطاع التأمين الأفرو آسيوي من تحسين قدراته المالية والفنية.

يبدو أن هناك تأمينيون مرعوبون من فكرة إمكانية سيطرة شركات أجنبية على أسواق التأمين الأفريقية أو الآسيوية، ويبدو أن هناك من بين أعضاء الاتحاد من لا يملك الجرأة للوقوف في وجه شركات إعادة التأمين الأجنبية العملاقة التي تسيطر على مقدرات دول القارتين، وإلا فلماذا لم يبت الاتحاد بورقة العمل التي قدمناها للإتحاد منذ ما يزيد على الشهور الأربعة؟ وإذا كنا كما يقول العرب “زيتنا على طحينا”، أو “دهننا في مكبتنا”، فلماذا لا نوجه إمكاناتنا المالية وقدراتنا الفنية وثرواتنا البشرية لتأسيس شركات إعادة تأمين قارية تحافظ على هذه الثروات؟

لقد أكد المراقبون أن أسواق التأمين العربية على الأقل، تعد من الأسواق القادرة على استيعاب شركات تأمين جديدة، بسبب ضآلة متوسط إنفاق الفرد على العملية التأمينية في الوطن العربي وضعف التنافس بين شركات التأمين (٤٠٠ شركة تأمين، ٢٥٪ منها أجنبية)، ولا تتمتع خدماتها التأمينية بالإبداع أو الابتكار لتلبية حاجات الناس. وأوضح المحللون أن إجمالي حجم أقساط التأمين في هولندا وحدها وصل إلى ٩٧ مليار دولار خلال العام ٢٠١٠، بينما إجمالي حجم أقساط التأمين في كل الدول العربية مجتمعة يقارب ٢٤ مليار دولار لنفس الفترة، بل إن حصة الفرد من أقساط التأمين في كوريا الجنوبية وحدها تعادل إجمالي حصص الأفراد في الدول العربية كلها.

وإذا كانت دول أفريقية وآسيوية كثيرة، خصوصًا الدول الخليجية منها، تتحدث عن خطط مستقبلية لتشييد مشاريع ضخمة، شاركت في الإشارة إليها كبريات شركات إعادة التأمين العالمية، فما الذي يمنع من تأسيس شركات إعادة تأمين أخرى، لمواجهة متطلبات هذه المشاريع؟ وبدلاً من أن نرى تأمينيي هاتين القارتين يعملون على إعداد الأرضية المناسبة فنيًا وماليًا، لتأسيس شركة إعادة تأمين أفرو  آسيوية، قادرة على استيعاب هذه المشاريع الضخمة لتوفير فرص عمل عديدة للسكان القريبين من هذه المشاريع، ومتمكنة من مواجهة المنافسة الشرسة المتوقعة من قبل الشركات العالمية، التي نراها على أهبة الاستعداد لاقتناص الفرص التأمينية الواعدة، نلاحظ صمتًا مريبًا، كصمت القبور من تأمينيي أفريقيا وآسيا.

ونعيد ما ذكرناه في ورقة العمل التي قدمناها للأمانة العامة في الاتحاد الأفرو آسيوي، وأنه إذا كان البعض يرى أن فرص قارتي أفريقيا وآسيا لتكون موطنًا لنشاط إعادة التأمين في العالم ضئيلة، بسبب عدم ارتباط قطاع التأمين بمعدلات النمو الاقتصادي، فإنّ تأسيس شركات إعادة تأمين ضخمة، هو الفرصة الذهبية لتغيير هذه النظرة لمساندة النمو الاقتصادي، والملاذ الآمن لزيادة نشاط التأمين في هاتين القارتين.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة