أنا من المؤمنين بلبنان الوطن. والمطلوب هو أن نبني دولة هذا الوطن.

وهنا تتزاحم الأسئلة: أية دولة نبني؟ هل نحن مع الدولة الموجّهة؟ أم مع الدولة المراقبة؟ أم مع الدولة الراعية؟

هل نبني لوقف التراجع والتردي فحسب أم هل تؤسس أيضًا للأجيال المقبلة؟ كل شيء في لبنان ايحتاج الى اعادة بناء: من القطاع العام، الى القطاع الخاص، الى تمكن المجتمع المدني من إداء دوره بفاعلية ومن خدمات الكهرباء والماء والاتصالات والمواصلات وقطاعات التربية والتعليم والصحة والسكن. ومسائل النفايات والبيئة الى بلورة دور جديد للبنان في المنطقة والعالم مع مطلع القرن الحادي والعشرين.

في الأساس ليس بالسياسة وحدها نبني الدولة والمجتمع، بل بالاقتصاد وبالتنمية نبني أيضًا. من هنا المطلوب عقلية سياسية قادرة على بناء الدولة المدنية عندنا.

إننا نعيش مفترق الانتقال من السياسة السياسية، من التنظيرات الايديولوجية، من السجالات والتراشق بالازمات الى الدخول في ورشة البناء النوعي في الداخل وسط ما يعمل من استحقاقات متعددة عندنا، وفي قلب التحولات العالمية العاصفة من حولنا وفي العالم كالعنف والإرهاب، والتقلبات المالية والاقتصادية، والأعباء الاجتماعية المكلفة…

تحديات أساسية

كنا نبهنا في كتابنا “نهوض لبنان، نحو رؤية اقتصادية اجتماعية” الصادر في العام ۲۰۰۷ الى أن تحديات ثلاثة كبرى تواجهنا.

أولاً: بناء مؤسسات الدولة بشكل حديث ومنتج، والتخلّص من شوائب الفساد والهدر والشلل الإداري، وإعتماد المكننة، وتطبيق اللامركزية الإدارية…

ثانيًا: دعم القطاع الخاص ومواكبته بسياسة إنعاش إقتصادي للحد من مسيرة الركود المتفاقم بعد محن الستة عشر عامًا (١٩٧٥١٩٩٠).

ثالثًا: دفع مسيرة النمو بشكل متصاعد ومستدام لتخفيض الدين العام في المدى المنظور، ولتأمين الاستقرار الاجتماعي، وتوفير فرص العمل، ووقف هجرة الشباب والكفاءات وتراجع الطبقة الوسطى وتفاقم الخلل الاجتماعي.

المهمة الكبرى

إن المهمة الكبرى التي تواجهنا تتشكل من جملة مسؤوليات أبرزها:

١. معالجة الواقع الحالي وتلبية الحاجات الآنية التي يرزح تحتها الوطن كله.

٢. بناء لبنان المستقبل لا سيما في ضوء دوره المنشود في العصر الجديد.

لتحقيق ذلك ترتكز رؤية النهوض الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والوطني على دعامتين:

الأولى: بناء الداخل

الثانية: بناء أفضل العلاقات بين لبنان والدول الشقيقة والصديقة.

الوفاق الوطني والوفاق حول برنامج النهوض

أي لكي ينجح هذا البرنامج لا بد من أن يشارك الجميع في صوغه أولاً، وفي الانخراط في تنفيذه أيضًا: فالخصخصة، ودعم المؤسسات الصغرى والوسطى، وبناء القطاع العام وتطوير القطاع الخاص، وإعادة تنظيم المناطق والمدن تنظيمًا يضمن التطوير المجتمعي والوطني من خلال تكامل الوظائف والمصالح بين قرات هذه المناطق وهذه المدن.

ذلك كله يستدعي ترسيخ الاندفاع العام بأن الكل شركاء في الوطن.

وهذا ما تعنيه بدعوتنا المتكررة الى بناء دولة الكل للكل.

أن نبني جميعًا ومعًا فهذا يعني أن نجذر الوعي المدني والمواطني لدي اللبناني. وهذا هو البعد الأساسي للنداء الذي أطلقناه منذ عقدين تقريبًا وهو: بالانماء يترسخ الانتماء.

من هنا، وسواء استعنّا بمؤسسات خارجية كبرى لصوغ برنامج النهوض، أو استنفرنا كفاءاتنا اللبنانية المتعددة، او إعتمدنا التعاون بين الخيارين، يبقى الأهم في إعتقادي هو الإقرار بأنّ بناء دولة الاستقرار والتنمية ينطلق من مسلمات ثلاث:

الأولى: الوفاق الوطني الشامل والمتماسك حول برنامج علمي وعملي يُفعل التنمية الشاملة والمتكاملة بين مختلف المناطق، وبين مختلف القطاعات، وبين مختلف الطبقات والأجيال.

الثانية: جذب الرساميل من الخارج ضروري لكن للخروج من الركود الى التنمية يجب العمل على توظيف هذه الاستثمارات في القطاعات الانتاجية.

الثالثة: فتح فرص العمل أمام الشباب والكفاءات هو دعامة للتنمية وللحد من البطالة والهجرة، وهذا يدعو الى تطوير واقع التعليم لتخريج الصادرات التي تسهم في تفعيل النمو.

لقد بات جليًا أن الإصلاح الجزئي أو الانتقائي لم يعد مجديًا. بل لا بد من رؤية تمتد من بناء المواطنة ولا تنتهي عند توسيع دور المجتمع المدني في هذه المسيرة. نحن نحتاج الى برنامج اقتصادي اجتماعي متوسط الأمد يتوافق عليه الجميع ويلتزمون بتطبيقه.

هذا التوجه يبدأ ببناء الثقة: ثقة المواطن بالدولة، وثقة المجتمع بالغد.

التكامل الانمائي والتكافل الاجتماعي

الكل بات يعي عمق الترابط بين ما هو سياسي وما هو أمني وما هو إداري وما هو إقتصادي وإجتماعي.

من هنا يقتضي التشديد على تلازم الأمن والانماء وعلى مسألة حماية البيئة التي تمثل احد ابرز تحديات القرن الحادي والعشرين.

إنني أدرك أصالة التعلق اللبناني بالحرية والديمقراطية، وهذا ما حرصت على التمسك به منذ سنوات طويلة من خلال الدعوة إلى إرساء عقد إجتماعي حديث تجاوبًا مع ما يجمع بين الأمن والرغيف والحرية والأمان الصحي وتيسير فرص التعلم المنتج.

وقبل أن أختم، أذكّر بما أشرته في مقدمة كتابنا الصادر في العام ٢٠١٦ بعنوان “نهوض لبنان، نحو دولة الانماء”:

١- الى أي حد يمكن الكلام على نهوض إقتصادي وإجتماعي داخلي منفصلاً عن دور الانتشار اللبناني، وعن دور الاستثمارات اللبنانية في الخارج، وعن جذب الاستثمارات الخارجية الى لبنان؟

٢- هل يحتاج لبنان إلى مشروع معلب أم يحتاج الى نبض رؤية تنموية شاملة ومتكاملة تدعم المبادرة اللبنانية، وتعزز الديمقراطية، وتفتح الأبواب أمام المرأة وتحصينها بالحقوق المدنية التي تمكنها من الالهام بفاعلية في ورشة النهوض.

٣- التمسك بالاقتصاد الحر لأن دعامتي التعافـي اللبناني تبقيان على الاطلاق: الثقة والمبادرة.

بالثقة والمبادرة وبالدولة الساهرة على تطبيق القانون ننطلق جميعًا ومعًا الى أن نبني الوطن: الوطن الذي نريده ويريده أبناؤنا أيضًا.

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة