وفقًا لأحدث تقرير صادر عن مجموعة IMARC بعنوان (سوق التأمين الأصغر: اتجاهات الصناعة العالمية، المشاركة، الحجم، النمو، الفرص والتوقعات ٢٠١٩-٢٠٢٤ (Microinsurance Market: Global Industry Trends, Share, Size, Growth, Opportunity and Forecast ٢٠٢٤- ٢٠١٩) ، بلغ حجم سوق التأمين متناهي الصغر العالمي ٦٤،٤ مليار دولار أميركي في عام ٢٠١٨. ويعتبر التأمين متناهي الصغر اداة لتوفير خطط التأمين لأصحاب الدخل المحدود أو المنخفض في المجتمع.

تتضمن هذه الخطط أقساطًا منخفضة لأنها مصممة وفقًا لاحتياجات المستهلكين. في الوقت الحاضر، يتم تقديم منتجات التأمين متناهي الصغر للفئات المستهدفة من خلال العديد من القنوات المؤسسية، والتي تشمل شركات التأمين المرخصة ومقدمي الرعاية الصحية ومؤسسات التمويل متناهي الصغر والمنظمات المجتمعية والمنظمات غير الحكومية.

يعد توسع قطاع التأمين على المستوى العالمي أحد العوامل الرئيسية التي تعزز نمو الاسواق.

في عام ٢٠١٨، كمحاولة لزيادة تغلغل التأمين في الهند، سمحت هيئة تنظيم وتنمية التأمين في الهند (IRDAI) بتوزيع جميع منتجات التأمين متناهي الصغر من خلال نقاط البيع (PoS: point-of-sales). هذا وتوقع تقرير IMARC أن يصل السوق إلى ٩٢،١ مليار دولار أميركي بحلول عام ٢٠٢٤، بمعدل نمو سنوي مركب CAGR قدره ٦،١٪ خلال فترة التوقعات (٢٠١٩٢٠٢٤).

على الرغم من ذلك أن التأمين متناهي الصغر ليس ظاهرة حديثة إلا أنه لازال يواجه العديد من التحديات التي أدت الى عرقلة ازدهاره ونموه.

ولقد واجهت شركات التأمين التقليدية العديد من التحديات الإستراتيجية الإدارية والفنية عند محاولتهم التعامل مع الأفراد ذوي الدخـول المنخفضة من خلال تقديم التغطيات التأمينية لهم.

التحديات التي تعرقل ازدهار ونمو التأمين متناهي الصغر

١- غياب التنسيق الفعّال بين الحكومات وهيئات التأمين:

في الأسواق النامية والأقل نموًا، تستخدم نسبة قليلة من السكان الخدمات التأمينية التقليدية (البرامج الاجتماعية أو التكميلية أو التأمين التجاري)، بالمقارنة مع الدول المتقدمة مما أدى الى حدوث “فجوة بين الطلب المستهدف والطلب الفعلي” على التأمين.

ونتيجة لعدم وجود التنسيق والتعاون بين الحكومات والبرامج التأمينية الخاصة (غير الحكومية) بصورة فعّالة لسد تلك الفجوة، أصبح غالبية السكان لا يحصلون على تغطية تأمينية، جنبًا الى جنب مع عدم وجود قنوات توزيع متخصصة يمكنها ان تصل الى الملايين من الأفراد النشطة من الناحية الاقتصادية والتي يمكنها ان تدفع قسط التأمين متناهي الصغر سواء الذين يعملون تحت مظلة الاقتصاد الرسمي او حتى الاقتصاد غير الرسمي.

٢- الحاجة الى فهم خصائص سوق المنتجات التأمينية متناهية الصغر:

عند تصميم منتج تأميني متناهي الصغر تحتاج شركات التأمين إلى فهم خصائص السوق مثل البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحجم الطلب وأيضًا نوع الأخطار المحيطة وما يترتب على تحققها من أضرار وخسائر وذلك حتى تتلاءم المنتجات التأمينية مع الخصائص المميزة للعملاء ذات الدخول المنخفضة، وبالأخص التدفقات النقدية غير المنتظمة لهؤلاء العملاء. وتشمل عملية تصميم المنتج أيضًا تحديد لمبالغ تأمينية ملائمة، وتجنب الاستثناءات المعقدة، واللغة القانونية صعبة الفهم لعقود التأمين الخاصة بهذه الفئات.

٣- الحسابات الاكتوارية المعقدة بسبب عدم توافر البيانات:

يتطلب التأمين بصفة عامة حسابات إكتوارية متخصصة، لحساب القيم المالية من اقساط ومخصصات للأخطار المستقبلية وتزداد الحسابات الإكتوارية تعقيدًا بالنسبة للتأمين متناهي الصغر نتيجة التقلب الشديد في المطالبات والافتقار إلى بيانات يمكن الوثوق فيها عن ذوي الدخل المنخفض والأسواق غير المنظمة مما يصعب معه حساب قسط التأمين العادل بالإضافة الى عدم توافر تغطيات إعادة التأمين في معظم هذه الحالات.

٤-عدم توافر قنوات التوزيع الملائمة:

يتطلب التأمين متناهي الصغر أنظمة توزيع تستطيع إدارة المعاملات المالية الصغيرة بكفاءة مع خلق الثقة لدى العملاء.

كما أن خلق نظام جديد لتحصيل الأقساط وسداد التعويضات عملية باهظة التكاليف بالإضافة الى عدم التأكد من قدرة العملاء على فهمها والتعامل معها، بالإضافة الى انه عادةً ما يكون الأشخاص أو الوسطاء الذين يعملون لدى شركات التأمين على غير دراية أو قليلي الخبرة باحتياجات واهتمامات أسر الدخـول المنخفضة وليس لديهم القدرة على التعامل معهم.

٥- زيادة التكلفة التأمينية:

لا شك أنه عند دخول شركات التأمين كطرف في عقد تأميني فإنها تتحمل الكثير من النفقات التسويقية والإدارية، واكبر مثال لهذه النفقات تكاليف تحصيل أقساط التأمين ويتم تحميل هذه المصروفات على تكلفة العملية التأمينية ومن ثم الأقساط.

ونظرًا الى ان مبالغ التأمين متناهي الصغر صغيرة وأقساطه متواضعة فإن ارتفاع المصروفات الادارية ومن ثم الأقساط يزيد من تكلفة التأمين على حملة الوثائق بالقدر الذي لا يتناسب مع مبالغ التأمين التي تصدر بها العقود.

٦- عدم توافر الوعي بأهمية وقيمة التأمين:

إن معظم الفقراء لا يملكون فهمًا واضحًا للتأمين، ومن ثم يشعر معظمهم بشعور مضاد تجاهه، ويتردد العديد منهم في شراء التأمين نظرًا لعدم الاقتناع بالفوائد المستقبلية التي سيحصلون عليها في حالة حدوث خطر معيّن أو عدم حدوثه.

ولا شك أن خلق الوعي حول أهمية التأمين وتعزيز ثقافة المستهلك يتطلب وقتًا وتكلفة، كما أن صيغة عقود التأمين غالبًا ما تكون معقدة لا يفهمها الفقراء، وخاصة أن معظمهم من الأميين.

٧- عدم توافر المعلومات عن السوق:

يعد النقص في المعلومات وقلة الخبرة والمعرفة لدى شركات التأمين عن سوق التأمين متناهي الصغر وعملاؤه من أكبر التحديات التي تواجه نمو التأمين متناهي الصغر. فقد لا تستطيع شركات التأمين التمييز بين الأخطار الرديئة والجيدة وقد تميل الشركة الى تجنب هذا السوق بسبب الخوف من أخطار الاختيار غير الملائم من جانبها وعدم القدرة على معالجة ما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية عليها.

وسوف يؤدي هذا الى استخدام استراتيجيات خاطئة لجذب العملاء ومن ثم يؤدي الى انخفاض الطلب على تلك الخدمات، كما يفتح الباب الى عدم معاملة العملاء بشفافية ووضوح وخصوصًا من قبل الوكلاء والوسطاء الذين يسعون الى العمولات المرتفعة، والذي يؤدي في غالبية الأحيان الى تشويه سمعة التأمين.

٨- نظام الحوافز في شركات التأمين:

أن نظام الحوافز في شركات التأمين يشجع الوكلاء والوسطاء على التركيز على وثائق التأمين الكبيرة للحصول على عمولة أكبر، ولا تشجع فريق العمل على بيع وثائق التأمين منخفضة القيمة لانخفاض عمولتها مما يهدد عملية تسويق هذه المنتجات.

الأساليب المقترحة لمعالجة مشاكل التأمين متناهي الصغر:

تقديم هذا التأمين من خلال الوثائق الجماعية او الاعتماد على الأسواق الكبيرة لتخفيض تكاليف الإصدار والمصروفات الأخرى وبالتالي تخفيض قيمة قسط التأمين.

العمل على زيادة البيع المباشر والوصول الى العميل حتى مكان إقامته ومسكنه حتى يمكن تخفيض تكاليف التسويق والعمولات.

يعتمد النجاح في التأمين متناهي الصغر على تكلفة التشغيل المنخفضة، لذلك قد تخفض قنوات التوزيع المبتكرة والتطبيقات التكنولوجية الجديدة من تكلفة المنتج لشركات التأمين، وفي بعض المناطق نجحت عملية توزيع المنتجات التأمينية من خلال الاتفاقات بين شركات التأمين والمنظمات الأهلية والجمعيات وشركات الإقراض متناهي الصغر (التي تعمل بشكل تقليدي مع الأسر ذات الدخول المنخفضة) والذين يكونون على دراية كبيرة بهذا السوق ومن ثم يمكنهم المساعدة في توفير خدمات التأمين متناهي الصغر بطريقة ملائمة ومستدامة.

أيضًا استخدام التطبيقات والمنصات التكنولوجية القائمة بالفعل يمكنها ان تقلل من التكاليف الإدارية للتغطية التأمينية وتؤدي الى الوصول بسهولة للعملاء كمحافظ شركات الاتصالات Mobile Wallets والكروت مسبقة الدفع Prepaid Cards وبطاقات الدعم الحكومي… الخ.

يجب بذل المزيد من الجهد والوقت والنفقات لنشر الثقافة التأمينية ورفع الوعي لدى جميع الطبقات من ناحية، والشرائح محدودة الدخل من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن مثل هذه المجهودات تحتاج لنفقات كبيرة، إلا أن العائد منها يفوق تكلفتها بأضعاف.

يجب توافر آلية لتلقي شكاوى العملاء والتعامل السليم مع الشكاوى وحل المنازعات بين شركات التأمين أو وسطاء التأمين وعملائهم بالشكل والسـرعة التي تحقق الثقة المتبادلة بين الأطراف الثلاثة في العملية التأمينية. ولا شك أن آلية تلقي شكاوى عملاء الدخول المنخفضة سوف تتطلب قنوات ذات طبيعة خاصة للتعامل مع الشكاوى الخاصة بهم، حتى لا يتسبب عدم التعامل مع مشاكلهم في فقد الثقة واحجامهم عن التأمين وقد يصل الأمر الى التسويق المضاد.

يجب أن يتم تعديل اجراءات التعامل مع نقص المعلومات والبيانات اللازمة لإعداد الحسابات الإكتوارية وتقييم الخطر المرتبط بهذه الشريحة من السوق وذلك النوع من التأمين ويمكن ان يتم ذلك من خلال الشراكات سواء مع جهات التمويل متناهي الصغر او معيدي التأمين من الدول التي لديها خبرة في ذلك المجال وغيره من الجهات التي يمكن من خلالها الحصول على البيانات والتعرف اكثر على طبيعة هذه الفئات والأخطار التي تواجهها.

يجب أن يتم اجراء عمليات بحوث التسويق بكافة خطواتها العلمية السليمة حتى لو كانت بتمويل غير تقليدي لحساب تكاليف التأمين خاصة خلال المراحل الأولى للتطبيق بغرض تفهم احتياجات السوق للتأمين متناهي الصغر وجدواه الاقتصادية والاجتماعية.

يتعين أن يكون تصميم وثائق التأمين متناهي الصغر بأسلوب مبسط وبلغة واضحة وكذلك صياغة الشروط في جمل قصيرة يسيرة وسهلة الفهم، كما يجب أن تتميز استمارات طلب التأمين أيضًا بالبساطة.

يتعين أن تكون هناك آلية لسرعة التعامل مع المطالبات لكسب ثقة العملاء.

مستقبل التأمين متناهي الصغر:

توقع تقرير IMARC أن يصل سوق التأمين متناهي الصغر إلى ٩٢،١ مليار دولار أميركي بحلول عام ٢٠٢٤، بمعدل نمو سنوي مركب CAGR قدره ٦،١٪ خلال فترة التوقعات (٢٠١٩ ٢٠٢٤).

ويعكس ذلك إمكانات التأمين متناهي الصغر وقدرته على الانتشار والوصول الى فئات الدخل المنخفض او الفئات التي لا تصل اليها الخدمات التأمينية وبافتراض توقع نمو التأمين متناهي الصغر بهذا الحجم، فكيف يمكن التعامل مع التحديات الهائلة لمثل ذلك النمو الكبير وكيف يمكن الاستعداد له ومواجهته؟

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة