كان من المقرر ان تفضّ العروض لمناقصة تشغيل محطة الحاويات في مرفأ بيروت في ١٧ آذار/مارس الجاري، لكن قرارًا بتأجيلها صدر لدراسة اضافية لدفتر الشروط ودور لدائرة المناقصات، على ضوء تشكيل الحكومة الجديدة واجراءات اضافية.
وكانت اللجنة المؤقّتة لإدارة واستثمار مرفأ بيروت تستعد لإطلاق مناقصة لتشغيل محطة الحاويات في المرفأ (أي محطة نقل الحاويات من السفن وإليها، وترتيبها داخل المرفأ)، أحد أهم المرافق البحرية في لبنان. اتفاق التشغيل الذي عقد مع شركة BCTC عام ٢٠٠٤، انتهى في كانون الثاني/يناير الماضي، ودفتر الشروط الجديد أنجِز من قبل شركة ألمانية بطلب من وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس واللجنة. المطّلعون على الملف يُشيرون إلى أن «خمس شركات اشترت الدفتر»، لكنْ هناك تخوف «من عزوف بعضها عن التقدّم بعروض بسبب تراجع حركة المرفأ بنسبة ٦٥ في المئة في الشهر الماضي، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي ٢٠١٩، إضافة إلى واقِع البلد المالي والاقتصادي».
ركائز دفتر الشروط، عامّة، ولا إضافات جوهرية طرأت عليه مُقارنة مع دفتر الشروط الذي اعتمد قبل ١٥ عامًا، باستثناء فقرة تتعلّق بعملية «الانتقال السلِس» وضوابطها بين الشركة القديمة والشركة الجديدة التي ستفوز بالعقد. المنافسة محصورة حتى الآن بينَ الشركة الحالية التي يرأس مجلس إدارتها عمار كنعان، وشركة «CMA CGM» (رئيسها التنفيذي رودولف سعادة ومقرها الرئيسي في مدينة «مارسيليا» في فرنسا). الأخيرة سبقَ أن تقدّمت الى مناقصة التشغيل منذ خمسة عشر عامًا ولم تفُز بها، لكنها بحسب عاملين في المرفأ تملك نحو ٣٠ في المئة من الشركة المشغلة لمحطة حاويات مرفأ طرابلس، بالتعاون مع شركة «Gulftainer» (يُفترض أن تتقدّم بعرض منفصل).
أثناء زيارته لبيروت، جدد رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لمجموعة CMA CGM، رودولف سعادة، الشركة الرائدة العالمية في مجال النقل البحري والخدمات اللوجستية، التزامه للتنمية الاقتصادية للبنان وتضامن المجموعة التي يرئسها مع البلاد، في هذه المرحلة العصيبة التي نمر بها. عام ٢٠١٩ أبدت مجموعة CMA CGM رغبتها في المشاركة في مناقصة إدارة لمحطة حاويات مرفأ بيروت. وقد أطلقت الدعوة إلى تقديم عروض المناقصات في ١٧ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٠، في مهلة تنتهي في ١٧ آذار/مارس ٢٠٢٠، ليُحدَّد موعد فض العروض، من حيث المبدأ، بين هذا التاريخ والأسبوع الأخير من نيسان/أبريل المقبل. وفي السياق يقول سعادة «كشركة فرنسية – لبنانية نريد المساهمة في التنمية الاقتصادية في لبنان وجعل البلاد بوابة للمنطقة بأسرها. لقد أنشأنا في بيروت المركز الإقليمي لـ CMA CGM، ومركز CEVA Logistics ومؤخرًا The Hub، وهي منصة مخصصة للتطوير الرقمي لأنشطة المجموعة»، ويعتبر ان مرفأ بيروت «ضروري لتطوير لبنان». ويتابع «قررنا أن نقدم مع MSC، وهي شركة عالمية أخرى، عرضًا مشتركًا للحصول على امتياز ادارة محطة الحاويات في مرفأ بيروت. نشكل معًا ما مجموعه ٦٠٪ من حجم البضائع التي تمر عبر العاصمة اللبنانية. وسيكون هذا التحالف مفيدًا للمرفأ وللبنان، فيما أعرب اثنين من أكبر ملاك السفن في العالم عن إستعدادهم للاستثمار».
وفي سياق آخر يعتبر سعادة ان الأزمة أثرت منطقيًا على نشاط مرفأ بيروت في الأشهر الأخيرة، مع انخفاض إجمالي نسبته ٥٠٪ في حجم البضائع، فيما انخفضت الواردات وزادت الصادرات بشكل كبير. وهذا ملحوظ خصوصًا في كانون الثاني/يناير. وتابع «خلال هذه الأيام الصعبة، جاءت فرقنا للعمل وبقيت مكاتبنا مفتوحة. وأود، في هذه المناسبة، أن أحيي التزام ومهنيّة فريق عملنا، وقد اتخذنا أيضًا تدابير كثيرة لمساعدة الشركات اللبنانية التي كانت تعاني صعوبات كبيرة. فمدَّدنا، على سبيل المثال، شروط الدفع، ونحن مستمرون في قبول الشيكات بالليرة اللبنانية والدولار، في حين يطلب منافسونا الدفع نقدًا، وبالدولار. كذلك منحنا حسومات كبيرة على تكاليف التخزين للعملاء الذين حُظرت سلعهم في المرفأ». ويضيف «نحن ندرك أن الأزمة اللبنانية لم يسبق لها مثيل. ونتمنى حلاً سريعًا». يتمتع بلدنا بإمكانيات هائلة ويمكنه أن يزدهر إذا كان الجميع على استعداد. نحن من جانبنا نثق بلبنان وسوف نواصل تعزيز وجودنا في البلاد ومستعدون الى الاستثمار في شركات لبنانية».
وبالحديث عن قطاع النقل يقول سعادة «بالنسبة إلى CMA CGM، استعدنا نمونّا في النقل البحري في النصف الثاني من ٢٠١٩. فانخفاض أسعار الوقود والتحكم بتكاليفنا والانضباط التشغيلي كان لها تأثير إيجابي. أما في ما يتعلق بالخدمات اللوجستية، فنحن نطبق الخطة الإصلاحية كما وضعناها. وتوقعاتنا للعام ٢٠٢٠ إيجابية، لكن فيروس الكورونا أثر في الاقتصاد العالمي، وشلَّ خصوصًا الاقتصاد الصيني وكل القطاعات التي تعتمد عليه». فبالنسبة إلى CMA CGM، تمثل الصين جزءًا مهمًا من حجم أعمال المجموعة ويقول «بفضل الخدمات اللوجستية مع CEVA، باتت لدينا الآن خبرة واسعة في قطاع الطيران، ويمكننا أن نقدم إلى عملائنا حلولًا بديلة لتلبية احتياجاتهم الأكثر إلحاحًا. ووفقًا للمعلومات التي تردنا، نأمل في أن تعود الأمور إلى طبيعتها بحلول آذار/مارس الجاري، خصوصًا مع معاودة فتح المصانع أبوابها في الصين، ولاسيما في شمالها».

فيما تداولت معلومات عن منافس رابع هو شركة «china merchantsport» المعروفة كأحد التكتلات الرئيسية التي تتخذ من هونغ كونغ مقرًا لها، وتشارك في مجموعة من الأعمال التجارية مثل عمليات الموانئ ونقل البضائع وحاويات البضائع وأعمال الشحن. إضافة إلى شركة خامسة تدعى «mak»، يرجّح أنها تعود لرجل الأعمال اللبناني إسكندر صفا! وتقول بعض المعلومات إن شركة «Hutchison Port Holdings»، وهي شركة قابضة خاصة تأسست في جزر العذراء البريطانية، ومقرها الرئيسي هونغ كونغ، تراجعت عن نية التقدم الى المناقصة، بعدما تسلّمت عملاً في مرفأ في باكستان، وذلك نتيجة صعوبة تحويل الأموال من لبنان الى الخارج وتراجع عمل المرفأ في بيروت بسبب الأزمة الاقتصادية.
قبل استقالة سعد الحريري، عرض الوزير يوسف فنيانوس موضوع انتهاء العقد مع شركة «BCTC»، وفتُح النقاش في مجلس الوزراء بين جهة ــــ على رأسها التيار الوطني الحر ــــ أيدت إجراء مناقصة لاختيار شركة خلفًا لـ BCTC، بينما الحريري وفريقه في الحكومة طلبا التريث إلى حين تحديد الهوية القانونية لإدارة المرفأ. يومها، وضع فنيانوس أمام مجلس الوزراء ثلاثة خيارات: إما تحويل إدارة المرفأ من لجنة مؤقتة إلى مؤسسة عامة، أو اعتماد الشراكة بين القطاع العام والخاص، أو الخصخصة. لكن اندلاع الحراك في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي واستقالة الحكومة حالا دون بتّ الأمر، فما كان من إدارة المرفأ إلا أن وضعت دفتر الشروط تمهيدًا لإطلاق مناقصة، بسبب انتهاء مدة العقد مع الشركة المُشغّلة حاليًا.

أبقى دفتر الشروط على مدّة العقد ١٥ عامًا لأي شركة جديدة، لكنه زاد من عدد الحاويات النمطية التي تشغلها في مجموع المرافئ المُدارة من قبلها، الى ٣ ملايين حاوية. وينصّ الدفتر على أن أمن المحطة هو من مسؤولية الشركة التي يجب أن تدفع كفالة بقيمة ٥ ملايين دولار، صالحة كل مدة العقد، وتأمينًا بقيمة ١٠٠ مليون دولار للمعدات، وخمسين مليون دولار للبنى التحتية. أما في ما خصّ عملية التشغيل، فالسنة الأولى من الـ ١٥ عامًا ستكون بمثابة عملية تسليم وتسلّم بين الشركة القديمة والشركة الجديدة، ويتوجّب على الشركة التي ستفوز بالمناقصة توقيع عقود للعاملين الحاليين (عددهم حوالى ٦٠٠ موظف) مدة عام، لضمان استمرارية العمل، على أن تقرر بعدها التجديد لهم أو صرفهم. وبالحديث عن نظام التشغيل، يفرض «الدفتر» تحديث النظام المعتمد من قبل الشركة التي يجب أن تتعهّد بمدخول سنوي لا يقل عن ١٠٠ مليون دولار، كضمانة لاحتفاظها بالعقد، مع تدقيق حساب سنوي تجريه الشركة وتطلع عليه إدارة المرفأ، بانتظار الأسعار التي ستتقدم بها الشركات في ما يتعلّق بنسبة أرباح الدولة (ممثلة باللجنة) من العائدات الإجمالية، والتي كانت سابقًا مقسمة بين ٦١ في المئة للمرفأ مقابل ٣٩ للشركة المُشغلة.


