يقول السيد بيار فرعون، المدير التنفيذي للشركة اللبنانية السويسرية للتأمين وإعادة التأمين، أنّ الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان ناجمة عن مجموعة من الإختلالات في تركيبة الاقتصاد وإدارة القطاع العام لم يتمكن المسؤولون من معالجتها بشكلٍ جذري خلال الفترة الماضية مما إنعكس أزمة إقتصادية ومالية حادّة تركت آثارها السلبية على مختلف القطاعات الخدماتية والمالية والإنتاجية.
ويتحدث السيد بيار فرعون عن قطاع التأمين اللبناني فيراه قادرًا على إتخاذ مزيد من المبادرات لتجعله من أهم القطاعات في لبنان والمنطقة فيتمكن بالتالي من لعب دور إيجابي ومهم في الإقتصاد الوطني.
ويشير السيد بيار فرعون إلى الشركة اللبنانية السويسرية للتأمين وإعادة التأمين قائلا أنها تتمتع بإمكانات كبيرة وقدرات مميزة وإنتشار واسع، بما يساعدها على لعب دور طليعي في قطاع التأمين المحلي والإقليمي.
السيد بيار فرعون الذي تخرّج في لندن من UCL في مجال الهندسة المعمارية و من INSEAD في مجال ادارة الأعمال، يعمل حاليا على نمّو هذه المجموعة وتاليًا القطاع فكرةً تلو الأخرى، وهو المعروف عنه برؤيته وطاقاته وقدرته على قيادة فريق عمل لتحقيق الأهداف التي يرسمها.
* يمر لبنان بأوضاع إقتصادية صعبة للغاية تنعكس على مجمل قطاعاته الخدماتية والانتاجية…
كيف ترون الانعكاسات؟ وماذا عن قطاع التأمين؟
منذ أكثر من عامين بدأ الإقتصاد اللبناني يشهد حالة من الإضطراب ويمر بصعوبات متنوعة، انعكست على قطاعاته المالية والخدماتية والإنتاجية التي بدأت مسيرة من المعاناة والتراجع في الإنتاج.
المشاكل السياسية التي حصلت في البلاد خلال العامين الماضيين فاقمت الأزمة الإقتصادية وعمّقتها عبر رفع الفوائد وتراجع السيولة ورفع عجز الدولة بدل تخفيضه، خصوصاً في ظل إنعدام المعالجة وإبتعاد أصحاب الشأن عن إتخاذ القرارات التي كان من شأنها تصحيح الخلل الحاصل وبدء مسيرة الإصلاح.
الأزمة التي نعيشها اليوم باتت تطال كل مناحي الحياة الإقتصادية وتنعكس سلباً على الواقع الإجتماعي والحياتي، فهي أصابت القطاع المصرفي الذي إتخذ إجراءات قاسية تتعلق بسحب المدخرات وأوقف عمليات التحويل إلى الخارج، مما أصاب القطاعين الصناعي والتجاري بضرر كبير أدى إلى نتائج سلبية جداً، بحيث باتت المصانع غير قادرة على إستيراد المواد الأولية للإنتاج والتجار في وضع العاجز عن إستيراد بضائع جديدة، إضافة إلى نشوء سوق موازية لسعر صرف العملة الوطنية التي شهدت تراجعاً عمليا” مما ترك أثاراً سلبية على أسعار المواد الغذائية والإستهلاكية التي ارتفعت بنسبة تصل إلى نحو ٤٠٪.
ولما كان قطاع التأمين يعتبر مرآة للواقع الإقتصادي ككل، فإنه لا بد وأن يتأثر سلباً، بفعل واقع المؤسسات الصعب من جهة وتراجع قدرة المواطنين الشرائية من جهة أخرى.
* كيف يمكن لقطاع التأمين أن يتجاوز عقدة منع التحويلات المالية إلى الخارج؟
فوجئنا بالتدابير التي اتخذتها المصارف اللبنانية والتي اوقفت من خلالها عمليات التحويل إلى الخارج، إضافة إلى تدابير أخرى بما بات يعرف بالـ Capital Control.
قطاع التأمين اللبناني، كما غيره من قطاعات التأمين في مختلف دول العالم، غير قادر على الإستمرار من دون تمتعه بحماية شركات إعادة التأمين، بما يستوجب تسديد شركات التأمين المحلية المتوجبات المالية عليها لشركات الإعادة لتتمكن من توفير التغطيات الملائمة لها.
قامت جمعية شركات التأمين في لبنان بإتصالات عدة مع الجهات الرسمية المتخصصة، لاسيما هيئة الرقابة على شركات الضمان والمصرف المركزي بهدف التوصل إلى حلول لهذه المشكلة التي تهدد قطاع التأمين بشكل مباشر.
بالنسبة إلينا في الشركة اللبنانية السويسرية للتأمين، ونظرًا لانتشارنا في ٧ بلدان، فإننا لا نعاني مثل هذه المشكلة، إنما نجد حلولاً لها من خلال تواجدنا الخارجي، في وقت يتمّ البحث عن حلول في القطاع على غرار تجارب دول أخرى.
* المعيار المحاسبي الجديد IFRS١٧ يطرق أبواب قطاع التأمين بقوة، وقد بدأت شركات عدة الإستعدادات اللازمة لتطبيقه. ما رأيكم؟
يعتبر المعيار المحاسبي الجديد IFRS١٧ بمثابة تطور كبير وهام في مجال هذا القطاع، لاسيما في ما يتعلق بحوسبة وثائق التأمين إذ يهدف إلى تحقيق قدر أكبر من الشفافية في عملية إعداد التقارير المالية للشركات العاملة في هذه الصناعة.
هذا المعيار سيغيّر قواعد اللعبة ويبدل المفاهيم القائمة حاليًا ويدخل تعديلات جذرية في الكثير من الأحيان ويعيد صياغة الهيكلية المالية للشركات، بما يترك آثاره على رساميل الشركات احتياطياتها وأرباحها لاسيما في المراحل الأولى لتنفيذه.
بدأنا في اللبنانية السويسرية للتأمين وإعادة التأمين في مختلف البلدان التي نتواجد فيها، الاستعدادات الجيدة لتطبيق هذا المعيار من خلال برامج تدريب وورش عمل عدة، بما يضمن لنا إنتقالاً سلسًا للعمل بموجبه مع بداية العام ٢٠٢٢.
* في ظل الواقع الاقتصادي الصعب مترافقًا مع تطبيق المعيار المحاسبي الجديد الذي ستعجز عنه شركات عدة، بما يهدد عددًا من شركات التأمين المحلية بالتعثّر أو عدم القدرة على الإستمرار… هل تتوقعون حصول عمليات دمج أو استحواذ في هذا القطاع في لبنان؟
عدد شركات التأمين في لبنان كبير جدًا مقارنةً بحجم السوق، لكن غياب الحوافز التشجيعية والتسهيلات الضريبية، إضافة إلى طريقة ونهج وتفكير عدد كبير من المسؤولين ورجال المال والأعمال في لبنان، حال دون إتمام عمليات دمج في السابق.
الصعوبات الاقتصادية والمالية والتوقعات المستقبلية المتشائمة ستجعل من عمليات الدمج والإستحواذ أمرًا واقعًا في المستقبل القريب، ونأمل أن يقود ذلك إلى قيام عمليات دمج تكون لمصلحة المؤمّن والمساهم والقطاع في آن.
* هل أنكم على إستعداد للإستحواذ على شركات أخرى أو دمجها معكم؟
إن تطورات العصر والتغيرات الاقتصادية تجعل عالم الأعمال والمسؤولين أكثر إنفتاحًا على الأفكار التي تفيد المجموعة ولنا فريق دائم لمواكبة قرارات التقارب، لكننا حاليًا لا نبحث في ملف معين يتعلق بعملية إستحواذ أو دمج في لبنان.
* دخلت التكنولوجيا بقوة الى عالم التأمين كما غيره من القطاعات الخدماتية والإنتاجية…
ما هي أبرز التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في هذا القطاع؟
تتطور التكنولوجيا في العالم بسرعة قياسية وغير مسبوقة، وهي تحدث تبدلات وتغيرات نوعية في مختلف قطاعات الأعمال.
في قطاع التأمين باتت التكنولوجيا إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها الشركات للإبتكار ودفع مسيرة النمو والإزدهار لأعمالها. وقد باتت العديد من الشركات الرائدة في هذا المجال تستثمر بشكل متزايد في التقنيات الناشئة بتحسين تجربة العملاء والإرتقاء بمستوى الكفاءة التشغيلية والوصول إلى أكبر قدر ممكن من المستهلكين وتوفير الحلول السريعة لكل مشاكلهم والصعوبات التي تعترضهم عبر تفاعل قوي للغاية.
تستثمر اللبنانية السويسرية كثيرًا في التكنولوجيا، بحيث باتت كل عملياتها ممكننة ومنتجاتها متوفرة على الشبكة العنكبوتية وهي تتفاعل مع زبائنها والوكلاء وفق أحدث الطرق التقنية. لقد أطلقت الشركة عددًا كبيرًا من البرامج المرتكزة على الابتكارات التقنية كما أنها تعالج المطالبات والمشاكل وفق حلول متطورة وحديثة.
مع التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، بات مؤكدًا أننا سنشهد مزيدًا من الإستتثمارات في التقنيات الذكية الحديثة مثل تطبيقات الذكاء الإصطناعي والتعلم الآلي وأنظمة ذكاء الأعمال… بما من شأنها إعادة صياغة أسلوب عمل قطاع التأمين بأكمله.
اننا مدعوون اليوم، كقطاع تأمين لبناني للدخول في عالم الإستثمارات التكنولوجية والذكية لنتمكن من مجاراة العصر والتأثير فيه.
* في الوقت الذي تتحدث فيه شركات الإعادة عن عودة الإرتفاع في الأسعار… تشهد أسواق المنطقة منافسة حادة تؤدي إلى تراجع في الأسعار في الكثير من الأحيان…
ما تعليقكم؟
تظهر معظم شركات الإعادة العالمية تشددًا في الشروط ورفعًا للأسعار بنسب تختلف من قطاع إلى آخر، وذلك بفعل حاجتها إلى تحقيق أرباح فنية نظرًا للخسائر التي تعرضت لها في الأعوام الماضية نتيجة الكوارث الطبيعية والحرائق التي أصابت عددًا من الدول الأميركية ومن دول شرق آسيا، كما أن تراجع هوامش الربح إلى معدلاتها الدنيا يعزز توجه الشركات لإعتماد هذا الخيار، بما يؤكد اننا أمام مرحلة جديدة من رفع الأسعار في عالم التأمين، قد يلحقها انخفاض إذا تغيرت المعطيات.
في المقابل تستمر المنافسة القاسية بين شركات التأمين في معظم الدول العربية متجلية بإجراء خفض على الأسعار التي باتت دون معدلاتها المهنية في معظم الأحيان، مما يؤدي إلى إلحاق خسائر بعدد كبير من الشركات.
وهذا الوضع يشكّل ضغطاً على الكثير من الشركات في الكثير من البلدان ويعمل مسؤولي القطاع لمعالجتها مما يؤمّن استقرار أكبر للقطاع.
* ما هو تصوّركم للنهوض بقطاع التأمين اللبناني على المستويين التشريعي والتنظيمي؟
يحتاج قطاع التأمين اللبناني إلى قوانين وأنظمة حديثة تأخذ في الإعتبار التطورات العالمية والاقليمية الحاصلة في هذا المجال، لاسيما وأن هذا القطاع متداخل ومتشابك في الكثير من الأحيان بفعل الترابط القائم بين شركات التأمين والوسطاء وشركات الإعادة على أن يتم ذلك بعد التشاور والتعاون مع ممثلي هذا القطاع بحيث تتوافق القوانين مع قدرات الشركات على تلبيتها.
تحديث القوانين وتطويرها يجب أن تترافق مع وجود رقابة فاعلة وقادرة ومؤثرة، تعمل في الوقت نفسه على مواكبة الشركات ورسم خارطة طريق لنموها وتقدمها وتطورها.
من المهم جدًا الوصول لتطبيق مجموعة من التأمينات الإلزامية الهامة التي تنعكس إيجابًا على المجتمع ككل، من خلال توفير الحماية اللازمة في العديد من النشاطات والمهن ونواحي الحياة الاجتماعية كافة.
يجب أن نعمل سويًا في سبيل الوصول إلى قطاع تأمين قادر أن يشكل نسبة من إجمالي الدخل القومي تتراوح بين ٣ و٤٪، وهي نسبة تبقى أقل مما هو الواقع عليه في الدول المتقدمة.
* تسلمتم إدارة الشركة اللبنانية السويسرية للضمان وإعادة الضمان… أين هي الشركة اليوم؟ وما هو طموحكم؟
تنتشر المجموعة في ٧ دول منها لبنان، قطر، الكويت، الأردن، السعودية، مصر، الإمارات، الأردن وتعمل وفق أفضل معايير الشفافية والحوكمة، وهي تتمتع بملاءة مالية عالية، ولديها مجموعة من المنتجات المتطورة التي تلاقي متطلبات المؤسسات والمجموعات والأفراد على حد سواء.
تسجل المجموعة أداءً مميزًا في الدول التي تعمل فيها وتحقق أرقامًا جيدة.
ففي مصر مثلا”، تحقق اللبنانية السويسرية تكافل، الشركة المتوافقة مع الشريعة في فرعي التأمين على الصحة والحياة والتي أسسناها في العام ٢٠١٢، نموًا حوالي الـ٦٥ في المئة سنويًا.
تهدف الشركة للوصول بأقساطها المكتتبة الى ٣٠٠ مليون جنيه مصري في نهاية العام المالي ٢٠١٩ وقد توسّعت مؤخرا” وأنشأت فروعا” في الإسكندرية، طنطا وهيليوبوليس. كما وتخطط لافتتاح فرعين جديدين في منطقتي الصعيد ومدن القناة لتصل شبكة فروعها الى ٧ اضافةً الى مقرها الرئيسي. يبلغ عدد فريق المبيعات التابع مباشرة للشركة نحو ٣٠٠ مندوبا” وهي تتعامل مع عدد كبير من الوسطاء المحترفين.
أما بالنسبة الى فرعي قطر والكويت، والذي يعود تواجدنا فيهما الى العامي ١٩٥٩و١٩٦٠ فنتوقع حصول نمو إيجابي في سوقيهما خاصةً بما يتعلق بسوق قطر، حيث ستستضيف هذه الأخيرة في العام ٢٠٢٢ فعاليات كأس العالم، مع الاشارة في هذا المجال الى ان المجموعة تحقق في السوق القطرية نتائج ايجابية.
نرى مستقبلاً واعدًا في مختلف البلدان العربية رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر فيها بعض البلدان، ونسعى من خلال مجموعتنا للمساهمة في تحقيق أفضل أداء لقطاع التأمين في الاقتصادات الوطنية.
اللبنانية السويسرية نشأت ولا تزال تعمل على ركائز وقواعد متينة جدًا تتجسد بالقدرة والقوة الكافيتين للتصدي لما قد يستجد أو يطرأ.
ان المميزات التي نتمتع بها أهلتنا للحصول على تصنيف ISO أربع مرات متتالية، وجعلتنا واحدة من المجموعات التأمينية المتميزة في المنطقة.
* يقوم قطاع التأمين بدورٍ هامّ على صعيد إدارة اللعبة التأمينية من الناحية الصحية في عدد من الدول العربية. ما هو تعليقكم؟
إن قطاع التأمين العربي عمومًا قد بدأ يلعب دورًا هامًا في مجال التأمين الصحي، وهو تمكن من القيام بهذه المهمة على أفضل وجه في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة (دبي وأبو ظبي) ويستعد حاليًا لدور فاعل في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وقطر إضافة إلى مصر.
تلعب المجموعة اللبنانية السويسرية بالتعاون مع غلوب مد دورًا رئيسيًا في هذا المجال بإحترافية عالية وخبرات مميزة وهي تتعاون في مجال التأمينات الطبية مع شركة غلوب مد التي تدير ملفات هذا البرنامج. ولا حاجة للتذكير هنا بالنهضة التكنولوجية الكبيرة التي حققتها هذه الشركة في السنوات العشر الماضية والتي وضعتها في المرتبة الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي.
أثبت القطاع الخاص قدرةً فائقة على التعاطي مع المشكلات الصحية بكلفة أقل وفعالية في الأداء، ونأمل في أن يستمر بلعب مثل هذا الدور حاضرًا وفي المستقبل. ومساهمة منها في إنجاح هذا التوجه، تعمل اللبنانية السويسرية على طرح افكار جديدة ومبادرات واتخاذ جملة من الإجراءات تصب في خدمة طالب التأمين عن طريق إبتكار برامج تلبي رغباته وتتوافق مع متطلباته وقدراته.
* هل من خطة توسعية للفترة المقبلة؟
نتابع حركة الأسواق في العراق، لأنه سوقٌ مهم وواعد، وتعمل المجموعة على تأسيس شركة وساطة في بغداد خلال العام ٢٠٢٠. ونأمل أيضًا بأن يعمّ السلام والإستقرار على مختلف الأراضي العراقية ليعود هذا البلد قادرًا على لعب دور اقتصادي أفضل ضمن المجموعة الاقليمية والعالمية.
* لماذا إخترتم قطاع التأمين للإنطلاق العملي فيه؟
تخصصت في مجال الهندسة المعمارية وعملت فترة في قطاع البناء، لكنني إكتشفت بالممارسة أهمية قطاع التأمين لناحية قدرته على التعاطي والتفاعل مع قطاعات عدة كالهندسة والمحاماة والطب … بما من شأنه أن يفتح آفاقًا كثيرة للعاملين فيه.
لاحظت من خلال عملي في اللبنانية السويسرية ومتابعتي لمسيرة شركة غلوب مد الإمكانات الهائلة التي تزخر بها، بما يؤهلها للعب دور أفضل على الصعيدين المحلي والاقليمي فقررت السير في هذا المضمار بالتعاون مع فريق عمل متخصص ومميز.
وأول خبرة لي كانت في تأسيس وإنطلاقة الشركة في مصر العام ٢٠١٢ وكانت تجربة ناجحة ومميزة لمتابعة هذه المهمة الناجحة التي أرى فيها كثيرًا من التحديات والفرص المستقبلية.

