يتحدث السيد بسام فريد حسن، المدير العام للبنك اللبناني للتجارة (BLC)، عن ابرز التطورات العالمية والإقليمية والمحلية الحاصلة على الصعيدين المالي والمصرفـي، مع قراءة معمقة وتاريخية للعديد من الأحداث والتوقف عند نتائجها مع تحليل لها.
يختزن السيد بسام فريد حسن قدرة هائلة من المعلومات المالية والمصرفية، وينطلق في عملية تحليل لها لاستخلاص النتائج، من دون أن يحيد عن الموضوعية وقراءة الأرقام التي تلازم مسيرته المهنية باستمرار.
دبلوماسي في تعاطيه، عالم في علمه، خبير في مهنته، وقارئ جيد للأحداث مع قدرة على استشراف المستقبل وآفاقه.
الجلسة معه غوصٌ في أعماق الاقتصاد من دون ضجر أو ملل. الأرقام عنده تخدم الحقائق وتسعى إلى خدمة… الإنسان.
^ كيف تلخّصون الأوضاع المالية والمصرفية عالمياً وإقليمياً؟
ـ أدّت الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في العام 2008 الى مشاكل عدة لدى كبريات المصارف والشركات في الولايات المتحدة الأميركية التي عانى بعضها من شح في السيولة، بما دفع رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي الذي كان يترأسه بن برنانكي آنذاك الى اعتماد سياسة التيسير الكمي، بما أدى الى توفير السيولة بكميات كبيرة في الأسواق الأميركية ودفع الفوائد نحو معدلاتها الدنيا، فعاد الاقتصاد الى التحرك وتراجع التضخّم وباتت معدلات البطالة عند حدود الاثنين في المئة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.
مع خروج الاقتصاد الأميركي من نفق الأزمة وعودته الى النمو لاحت بوادر التضخم، فعمد الاحتياطي الأميركي الى رفع معدلات الفوائد تباعاً. ترافق ذلك مع سياسة الرئيس الحالي دونالد ترامب القاضية بخفض الضرائب على الشركات ووضع رسوم إضافية على حركة الاستيراد لاسيما للبضائع الواردة من الصين… ممّا أدّى الى تحريك العجلة الاقتصادية ودفع معدلات النمو الى حدود جيدة.
أما في القارة الأوروبية فلم تكن سياسة التيسير الكمي موفقة، ترافق ذلك مع أزمات تعرضت لها دولٌ أوروبية عدة كاليونان وإيطاليا وإسبانيا، إضافة الى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي… مما أوقع هذا الاتحاد في مشاكل اقتصادية عدة.
إرتفاع معدلات الفوائد الأميركية أدى الى تحديات كبرى لعدد من الاقتصادات الناشئة، نجم عنها تراجع في أسعار صرف عملات عدد كبير منها وارتفاع معدلات الفوائد، بسبب انسحاب رساميل من الأسواق الناشئة الى الأسواق الأميركية.
^ من الإطار العالمي الى المحلي. ما هي قراءتكم للوضع المالي في لبنان؟ وما هي الحلول الواجب اعتمادها للحؤول دون حصول انفجار مالي أو نقدي محتمل؟
ـ الوضع الاقتصادي والمالي اللبناني صعب، يبدو ذلك واضحاً من خلال الانخفاض في معدلات النمو وأسعار الأسهم والسندات. كما العجوزات في المالية العامة وميزان المدفوعات…
تتطلب الحلول تفعيلاً للسياسات الاقتصادية وبرنامجاً إصلاحياً مستداماً يهدف الى إصلاح المالية العامة وتوفير مقومات العمل والنمو والتقدم للقطاع الخاص.
^ تكثر الشائعات والأحاديث عن تدهور محتمل في سعر صرف الليرة اللبنانية في مواجهة العملات الصعبة، ويتحدث البعض عن أرقام ونسب معيّنة لهذا التراجع… ما رأيكم؟
ـ الاقتصاد اللبناني مُدَوْلَر حيث تبلغ نسبة الودائع بالدولار الأميركي من مجمل ودائع القطاع المصرفي اللبناني حوالي السبعين في المئة، وهذا أمر طبيعي في ظل بنية الاقتصاد اللبناني المعروفة. فلبنان يستورد معظم حاجاته من الخارج، بما يؤدي الى عجزٍ في الميزان التجاري وصل الى نحو عشرين مليار دولار أميركي نهاية العام 2017، وهو قد يرتفع قليلاً عن هذا الرقم نهاية العام 2018، لذلك فهو بحاجة دائمة الى العملة الأميركية. مع الإشارة الى أن هذا الأمر ليس جديداً على الاقتصاد الوطني، إذ حين كان لبنان في “أيام عزّه” كان ميزانه التجاري في عجز دائم. لبنان لم يكن أبداً بلداً صناعياً أو زراعياً، وقد ارتكز اقتصاده تاريخياً على السياحة والخدمات وكان بحاجة ماسة الى العملة الاميركية لاستيراد حاجاته على مر تاريخه الحديث.
انطلاقاً من هذا الواقع، لا بد من الإشارة الى المصادر التي يحصل من خلالها لبنان على العملة الصعبة وهي:
ـ المغتربون اللبنانيون الذين يحولون المال لإعالة أقاربهم في لبنان أو يودعونها في المصارف اللبنانية أو يستثمرونها في مشاريع مختلفة أو حتى الذين يقصدون البلد في مواسم الأعياد والاصطياف… بما يساهم بدرجة كبيرة بإدخال العملة الصعبة الى لبنان. تقدر هذه التحاويل بنحو سبعة مليارات دولار أميركي حالياً، وهي انخفضت من حوالي ثماني مليارات دولار سابقاً، لأسباب تتعلق بتراجع مداخيل اللبنانيين في الدول التي يعملون فيها بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مختلف دول العالم، علماً أن غالبية هذه التحاويل تأتي من مغتربين يعملون في دول مجلس التعاون الخليجي وافريقيا وأوروبا.
ـ السياحة التي تشكل مصدراً أساسياً للعملات الصعبة، سواء تلك المتعلقة بالسياحة الأجنبية أو سياحة المغتربين اللبنانيين. وقد بلغ عدد السياح خلال العام 2018 نسبة لامست تلك التي بلغتها في العام 2017، على رغم الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي مر بها لبنان. يجدر التنويه هنا أن السياحة الى لبنان تأثرت أخيراً بالمقاطعة الخليجية وبتراجع البنى التحتية المحلية وتشويه وتلويث البيئة في معظم المناطق اللبنانية، وهي عوامل ستؤدي الى انعكاسات سلبية على هذا القطاع.
ـ قطاع الخدمات، لا سيما المصارف والاستشفاء والتربية، التي تعتبر الأفضل في منطقة الشرق الأوسط. لا زال لبنان يعتبر مركزاً رئيسياً للتعليم والاستشفاء، حيث تحتل جامعاته ومراكز الاستشفاء فيه مواقع متقدمة على الخارطة الإقليمية والعالمية، وتعتبر لذلك مقصداً لعدد كبير من مواطني الدول العربية الذين يقصدون لبنان سواء للتعلم في جامعاته أو للاستشفاء في مراكزه الطبية.
أما القطاع المصرفي فهو لا زال يعتبر من الأفضل والأقوى في المنطقة العربية. يتربع لبنان على المرتبة الرابعة بعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في حجم الودائع المصرفية. وهذا دليل على ثقة المودعين في هذا القطاع مقارنة مع دول تفوقه استقراراً وموارد وإمكانات. كما أن المصارف اللبنانية قد حافظت على مستوى عال من السيولة وهي تخضع للمعايير العالمية المتفق عليها، كما أنها تتمتع بقدرات ومهارات وإمكانات فنية ومهنية وتكنولوجية عالية.
ـ اقتصاد الظل، وهو عبارة عن الأنشطة غير المنظورة التي لا تمر عبر القنوات الرسمية والمالية المتعارف عليها. وعلى رغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة، فإن حجم هذه الانشطة وكمية الأموال التي تدخلها الى لبنان، ليست هامشية وتشكل نسبة لا بأس بها من مجمل الدخل القومي.
العرض الذي قمنا به يؤكد أن مصادر الدخل بالعملات الصعبة مستمرة، وإن لا تغييراً أساسياً وجذرياً طرأ حديثاً على بنية الاقتصاد الوطني في شكل يؤدي الى زعزعته وإلحاق الأذى به بما يؤدي الى تراجع عملته الوطنية على النحو الذي نسمعه من إشاعات وأقاويل وأحاديث عدة.
لكن يجب الاعتراف أن ميزان المدفوعات اللبناني في عجز لأعوام متتالية، كما سجل في الفترة الأخيرة حصول تحويلات من القطاع المصرفي اللبناني الى الخارج، ناهيك عن أن المالية العامة باتت مرهقة لأسباب تتعلق بالفساد وتراجع الواردات وزيادة النفقات…
^ ما هي أفق الحل؟
ـ لا شك أن ميزان المدفوعات سجل عجزاً خلال الأعوام الماضية، لكن هذا العجز قد يتحول فائضاً في حال استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية ومكافحة الفساد ووقف الهدر في الميزانية العامة.
إن التحدي الأكبر لدى الحكومة اللبنانية يتمثل بمعالجة الاختلالات المالية التي تشكل اليوم عنصراً ضاغطاً على الاقتصاد الوطني، حيث يشكل الدين العام نسبة 150% من الناتج المحلي الإجمالي وهي ثالث أعلى نسبة على مستوى العالم، ويبلغ العجز المالي 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. هنا تبرز الإصلاحات كضرورة لتحقيق الهبوط الآمن في أوضاع المالية العامة. وهي إصلاحات تحتاج الى قرار سياسي ورغبة أكيدة في التنفيذ. تضم هذه الإصلاحات: ترشيد الإنفاق، زيادة الموارد، مكافحة التهرب الضريبي، إصلاح قطاع الكهرباء، توفير بيئة إيجابية للأعمال وتنفيذ الإصلاحات الضرورية التي التزمت بها الحكومة في مؤتمر سيدر الأخير.
إن تشكيل حكومة جديدة تلتزم روزنامة الإصلاحات الواردة في مؤتمر سيدر يشكل خط الدفاع الأول عن العملة الوطنية، كما من شأنه أن يرسل رسالة إيجابية الى الأسواق المحلية والعالمية. ويجب أن لا ننسى أن البدء بتنفيذ المشاريع المقررة في مؤتمر سيدر والتي تصل قيمتها الى 11 مليار و500 مليون دولار أميركي من شأنه أن يشكل رافعة للاقتصاد الوطني ويحرك مجمل القطاعات الاقتصادية بما قد يدفع النمو قدماً الى الأمام. ومن العناصر الإيجابية التي ستلعب دوراً هاماً في الاقتصاد الوطني، إمكان اكتشاف النفط بكميات تجارية خلال العام الجاري أو العام المقبل على أبعد تقدير، وهذا من شأنه أن يشكل انقلاباً إيجابياً يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني.
^ هل تؤيدون الإجراءات التي قام أو يقوم بها مصرف لبنان في إطار سعيه لدعم القطاع المصرفي وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية؟
ـ يتصرف مصرف لبنان من موقعه كحامٍ للنقد الوطني والقطاع المصرفي، وهو اتخذ سلسلة إجراءات صبّت جميعاً في مصلحة هذين الأمرين.
الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان في فترة الفراغ الرئاسي الذي طال لأكثر من عامين، أدت الى تغيير الواقع الضاغط نقدياً وأتاحت للمصارف قدرات عدة، كما أدت الى جذب ودائع بالعملات الصعبة من الخارج.
في العام 2017 نفّذ مصرف لبنان هندسات مالية أتاحت للمصارف توظيف سيولتها بالليرة لدى مصرف لبنان بفوائد تزيد بنسبة واحد في المئة عن منحنى المردود شرط أن تودع المصارف لدى المركزي مبالغ مساوية بالدولار بفوائد أعلى بنسبة 0.5 بالمئة عن معدلات السوق، كما نفذ هندسات مالية أخرى أتاحت للمصارف ايضاً الاستفادة من تسهيلات بالليرة بفوائد مرتفعة مقابل إيداع عملات أجنبية لديه بفوائد معينة.
وفي العام 2018 نفذ مصرف لبنان أيضاً هندسات مالية مع وزارة المالية ومع القطاع المصرفي اللبناني…
مجمل هذه الهندسات أدت الى توفير سيولة بالليرة اللبنانية للمصارف واستقطاب العملات الأجنبية من قبل مصرف لبنان بهدف تكوين كتلة كبيرة من العملات الأجنبية وصلت الى أكثر من 44 مليار دولار أميركي في منتصف العام 2018، وذلك بهدف الدفاع عن سعر صرف الليرة.
^ لكن هذه الهندسات قد أدت، في جانب منها، الى وقف القروض الإسكانية والتشدد في منح القروض التجارية!
ـ في الواقع وصل إجمالي القروض الى نحو 59 مليار دولار حتى نهاية شهر أيلول/سبتمبر من العام 2018 بانخفاض نسبته واحد في المئة عن الفترة المماثلة في العام 2017، ومن المتوقع أن تشهد تراجعاً أكبر خلال الفصل الأخير من العام.
إن التراجع الذي أصاب القروض السكنية مرده الى نفاذ رزمة القروض المدعومة في بداية العام 2018 نتيجة الطفرة في الإقبال على القروض السكنية بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب. أما التراجع في القروض الأخرى فمرده الى تعميم صدر من مصرف لبنان يقضي بأن لا يزيد صافي التسليفات الممنوحة من مصرف ما للقطاع الخاص بالليرة اللبنانية عن 25 في المئة من مجموع ودائع الزبائن لديه بالليرة اللبنانية.
في اعتقادي أن عملية القروض السكنية ستعاود حركتها الإيجابية خلال العام الجاري وستشهد القروض الاستهلاكية الأخرى تحركاً إيجابياً أيضاً حالما تستعيد الحركة الاقتصادية قدرتها على النمو.
^ ينطلق BLC بإدارة جديدة. ما هي توجهاتكم؟
ـ بنك BLC مملوك حالياً من آل القصار، الذين قرروا الحفاظ عليه وعدم دمجه مع فرنسبنك، فهو بنك عريق ومعروف وله صبغة خاصة.
تعرض BLC لمشاكل عدة قبل العام 2001، ادت الى تدخل مصرف لبنان وتعيين الدكتور شادي كرم كرئيس مجلس إدارته، فأعاد هيكلة المصرف وضخ رأسمال جديد فيه وتم بيعه الى Qatar Investment Authority التي عادت بدورها وباعته الى آل القصار والسيد موريس صحناوي الذي تولى إدارته العامة الى أن قرر الخروج منه والاستثمار في مصرف قبرصي، فبات BLC مملوكاً بالكامل من آل القصار. باختصار، يمكن القول أن هذا المصرف العريق قد تمكّن، رغم كل الصعوبات والمشاكل والتحديات من تجاوزها والبقاء قوياً وصلباً وقادراً على التجدد والتقدم والنمو.
^ ما هي تطلعاتكم المستقبلية؟
ـ نحن مصرف محافظ، لا نسعى لتحقيق نسب نمو عالية على حساب العمل المصرفي السليم، إنما نعمل لنتطور ببطء بحسب ظروف السوق، مرتكزين الى ثوابت لا نحيد عنها في المحافظة على المصرف وعلى ودائع زبائنه.
تميز مصرفنا سابقاً بوجود ودائع كبيرة لرجال أعمال ومستثمرين كبار، لكننا عملنا على جذب ودائع صغيرة ومتوسطة، لأن تمركز الودائع يشكل خطراً على قدرات المصرف واستمراريته… هكذا أصبح لدينا قاعدة متنوعة من المودعين المتوسطين والصغار.
تسليفاتنا تتوجه نحو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمعظمها، بعد إجراء دراسات معمقة للملفات. نتعاون كثيراً مع كفالات لنطال شريحة أوسع من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إننا متميزون بتسليفات للمرأة في إطار مشروع تمكين المرأة، حتى بات المصرف عنواناً لسيدات الأعمال.
نستثمر كثيراً في التكنولوجيا وقد أعدنا تأهيل البنية التحتية التكنولوجية بإكملها وبات لدينا أجهزة متطورة وأنظمة حديثة جعلت كل العمليات تتم داخل مصرفنا بالطرق التقنية المتطورة ونحن في تطورنا هذا نخضع للمعايير الدولية والعالمية، كما بتوجيهات مصرف لبنان المركزي ولجنة الرقابة على المصارف.
خدماتنا المصرفية ترتكز على التكنولوجيا، وهي في متناول جميع الزبائن الذين بات بإمكانهم إتمام معظم عملياتهم المصرفية بسهولة ويسر من دون تحمل أعباء ومشقات التنقل.
إننا نعمل دوماً على تأهيل أنظمتنا التكنولوجية بشكل عصري وآمن وتوفير خدمات رقمية متجددة تلبي احتياجات العملاء من الأفراد والشركات.

