يشير السيد سميح سعاده، نائب رئيس  مجلس الإدارة ـ مدير عام بنك بيمو ش.م.ل.، إلى تأثيرات التشدد الرقابي والمصرفي  في مواضيع تتعلق بمحاربة الإرهاب وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، قائلاً انها ألقت مسؤولية كبيرة على عاتق المصارف التي عليها اتخاذ إجراءات متشددة في تعاملها مع العملاء.

ويتحدث السيد سميح سعاده عن تأثيرات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تطور ونمو القطاع المالي بشكل عام والمصرفي بشكل خاص، مشيراً  إلى استعدادات مصرف لبنان لإطلاق العملة الرقمية بالليرة اللبنانية للاستعمال المحلي خلال العام الجاري.

وبعد إشارته الى مجموعة من الإجراءات التي لا بد من اتخاذها في لبنان للحؤول دون حصول انفجار مالي أو نقدي، يتحدث عن أبرز إنجازات بنك بيمو الذي استمر متقدماً في مسيرته ونموه بحسب التوقعات.

السيد سميح سعاده، قطب مصرفي وخبير من الطراز الأول، استطاع قيادة بنك بيمو لتحقيق أفضل النتائج في أوضاع اقتصادية صعبة، وهو قارئ جيد للتطورات العالمية والإقليمية والمحلية وماهر في ربطها باللعبة الاقتصادية والمالية والمصرفية للخروج باستنتاجات وقراءات مستقبلية علمية ودقيقة وبنّاءة.

 

 

^ استمرّت حكومات ومؤسسات دولية ومصارف مركزية ومراكز قرار سياسي ومالي واقتصادي… في التشديد على مواضيع تتعلّق بمحاربة الارهاب وتبييض الأموال والتهرب الضريبي… ما مدى انعكاس مثل هذه الأوضاع وعمليات التشدد فيها على العملية المصرفية ككل؟

 

ـ تتخّذ الحكومات والمؤسسات الدولية ومراكز القرار السياسي والمالي مروحة واسعة من التدابير تتراوح بين تعزيز قدرة الدول على مكافحة الإرهاب والتنسيق فيما بينها وإعتماد إستراتيجيات متقاربة لمكافحة تبييض الأموال والتهرب الضريبي وضمان حقوق الإنسان. وبما أن العصب الأساسي لمجمل هذه المواضيع هو المال فالأبرز في العمل المشترك هو المراقبة المشددة للعمليات المصرفية والمالية.

ولذلك قامت الأمم المتحدة والدول الأعضاء بوضع إستراتيجية شاملة للحد من النشاطات المرتبطة بالإرهاب وتبييض الأموال ووضعت التشريعات المناسبة بهذا الخصوص. أما نحن في لبنان فقد صدر عن المجلس النيابي قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الذي صدّق بتاريخ 24 أيار/مايو 2012 بتعديل القانون رقم 318 تاريخ 20/٤/2001  مكافحة تبييض الأموال.  وبما أن لبنان يتشارك مع المنظومة الدولية لوضع حدّ لهذه الجرائم والإنخراط في الجهود الدولية فقد قام المصرف المركزي بوضع الأطر لتطبيق القوانين التي تكافح غسل الأموال وأسس لقيام مديريات تختص بالإمتثال (Compliance)  ومكافحة تبييض الأموال المسؤولة عن مجمل العمليات والتأكد من التزام المصارف بجميع القوانين والإرشادات لمنع أهل السوء  من بلوغ أهدافهم. وهذا ينطلق من مبدأ معرفة العميل (KYC)  والإطلاع على طبيعة وطريقة تسيير أعماله. فمبدأ “إعرف عميلك” (KYC) يؤسس لمعرفة مصدر الأموال ويساعد الى حدّ كبير في مكافحة هذه الجريمة المنظمة.

ونتيجة لذلك القيت مسؤولية كبيرة على عاتق المصارف للكشف عن هؤلاء الأشخاص الذين يستفيدون من الدورة الإقتصادية لتمرير أموالهم غير المشروعة ولمصالح خاصة في مجال التهرب الضريبي وتبييض الأموال. وهذا ما وضع المصارف أمام وجوب التشدد والتمتع بمناقبية عالية والإنتباه لما قد يترتب عليهم من مسؤوليات تجاه الإنتظام العام، والقانون،  وبالأخص وطنهم وعملاء المصرف. وتبقى عمليات غسل الأموال محور إهتمام كبير ولا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي بالرغم من أنها إنحسرت بشكل كبير إذ أن المستفيدين من تبييض الأموال ينشطون في إبتكار أساليب ملتوية للوصول الى غاياتهم والبحث عن أساليب متجددة لإخفاء أموالهم ومصادرها فإعتمدوا مؤخراً على الثورة التكنولوجية والعولمة لعدم الخضوع الى الحواجز الإقتصادية المشددة بين الدول لسهولة الإنتقال والإتصال. إن هذه الظاهرة وإنتشارها تنمّي الجريمة المالية لذلك إتخذ المجتمع الدولي والحكومات العديد من الإجراءات للحدّ منها وأقول الحدّ منها لأنها ستستمر ما دام هناك دورة إقتصادية وما دام هناك منظمات تعمل خلافاً للمفاهيم الإنسانية والأخلاقية. فهذا التحدي لن يهمد بل سيزداد مع التقدم التكنولوجي وازدياد العمل بموجبه.

فنحن كمصرفيين لا يمكننا الاّ التشدد في معرفة طبيعة وطريقة عمل مستخدمي الخدمات المصرفية. فأصبح علينا  التشدّد بمعرفة العميل، ومعرفة عمله، ومدى شرعية أمواله، وتقييده الى حدّ ما بالإنتظام العام، وبدفع موجباته، وعدم إشتراكه بأي نشاط جرمي. وعلى عاتقنا مسؤولية كبيرة اذ يجب على الموظفين أن يتمتعوا بالكفاءة والأخلاقية، وعليهم المشاركة بدورات تدريبية مكثفة وبرامج معلوماتية متقدمة تعتمد من قبل المصارف والمؤسسات الرقابية لتحسين مهاراتهم ومعلوماتهم في هذا المجال.

 

^ يلعب التقدّم السريع في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات دورًا كبيرًا في تطور ونمو القطاع المالي بشكل عام والمصرفي بشكل خاص… ما هو تعليقكم؟

 

ـ التقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات هو مستقبل التعاملات المصرفية، فما نشهده اليوم قد يتغير كلياً مستقبلياً.  لقد شهدت الـ 20 عاماً المنصرمة تغييرات جذرية وأعتقد أن مجمل العمليات المصرفية ستستمر بالتطوّر بشكل أسرع  مما نعتقد في الأعوام المقبلة. فالعمل المالي أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بالتقدم التكنولوجي كمثل “Fintech”. وفي حال لم تتأقلم المصارف مع هذه التطورات فستجد نفسها مجبرة على خسارة وقتها والحدّ من نشاطاتها لأن التكنولوجيا أصبحت من المقوّمات الأساسية المؤثرة على مجمل نواحي حياتنا.

وفي هذا الإطار يستعد مصرف لبنان خلال هذا العام لإطلاق العملة الرقمية بالليرة اللبنانية للإستعمال المحلي، وهذه العملة تختلف عن العملات الإفتراضية التي سبق وحذر من التعامل بها  (Bitcoin).  وهذا يترافق مع إقرار قانون التوقيع الإلكتروني والذي بدوره سيفعّل العمل بالمقاصة الإلكترونية. وفي مرحلة ليست ببعيدة سيطلق مصرف لبنان منصة الكترونية للتداول بالأوراق المالية في لبنان، وذلك لتفعيل السوق ومساعدة الإستثمار المالي.  وبما أن  مجلس النواب اللبناني قد صدّق على القوانين التي تسمح بهذه التعاملات فمصرف لبنان  يعمل حالياً على التحضير لإصدار المراسيم التطبيقية. ورغم الإعتماد الكثيف على التكنولوجيا بشكل متزايد فتبقى أهم ثروة في العمل المصرفي هي مهارات الطاقم البشري والذي يجب ان نستمر  بتحصينه لمماشاة هذا العصر والتقدم المضطرد.

^ أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حربًا تجارية على المستوى العالمي عبر فرض رسوم عالية على المستوردات من دول معينة… بما ينذر بتسعير الحرب التجارية والعودة الى منطق الحمايات. ما هو تأثير ذلك برأيكم على الواقع الاقتصادي العالمي؟ وهل من تداعيات سلبية له؟

 

ـ إن الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب خاصة مع الصين ستؤثر في نهاية المطاف على الإقتصاد العالمي ككل وقد ينعكس ذلك على النموّ الإقتصادي الإيجابي والذي طبع السنوات السابقة. فالحرب التجارية قد تناقض مبادىء منظمة التجارة العالمية ولكن على أن نعترف أن ما كان سابقاً قد تغيّر وهناك قواعد جديدة تصبو الى المحافظة على إقتصاد الدول مما جعل فرض الضرائب والحمايات الجمركية مبادرات ملحوظة  للحدّ من العولمة التي إنطبعت على الإقتصاد في العقدين الأخيرين.

فالقاطرة الأميركية للإقتصاد العالمي تتحسس الخطر القائم وتسعى جاهدة للمحافظة على إمتيازاتها وتقدمها غير مهتمة بالنتائج على الصعيد العالمي نظراً الى أن المسؤولين الأميركيين يتصرفون تبعاً لمصالحهم الخاصة من منطق الحمايات وتنشيط الإقتصاد المحلي. وهذا ما أدى الى توترات تجارية كزيادة الرسوم بين الأنظمة الإقتصادية في العالم مما سيحدّ بالطبع من وتيرة النموّ الإقتصادي العالمي والإستثمارات فتتقلص الوظائف ونلحظ إنكماشاً في النموّ المرتجى.

وبناءً عليه وبما أن البنك المركزي الفيديرالي يتوجه الى زيادة معدلات الفوائد للتأقلم مع التضخم ولزيادة كلفة الإستدانة والحدّ من الغليان (heating) في الإقتصاد فإننا نرى أن النموّ الإقتصادي يتوجه بمجمله الى ركود والى تراجع في النموّ في هذا العام متأثراً بالتوّجهات التجارية والنقدية المعمول بها.

 

^ ما هي قراءتكم للوضع المالي في لبنان؟ وما هي الحلول الواجب إعتمادها للحؤول دون حصول إنفجار مالي أو نقدي؟

 

ـ نحن في لبنان نعيش وضعاً متأزماً ويمكننا القول أنه بات خطيراً على الصعيد الإقتصادي والمالي، فمجمل مكوّنات الإنتاج في تراجع والشركات والأفراد يعانون من الركود الذي إنعكس على قطاع البناء وإمتد الى جميع مكونات الدورة الإقتصادية. ويقوم مصرف لبنان بسعي دؤوب لتثبيت سعر النقد والحفاظ على إستقرار الوضع النقدي لمنع الإنفجار الذي قد يقضي على الإستقرار العام.

واذا ما أردنا أن نعطي وطننا حقه فعلينا جميعاً  أن نعمل جديّاً وأن نتفق سريعاً على تشكيل حكومة تنطلق بسرعة لوضع الأسس العامة لدورة إقتصادية فاعلة مبنية على إقتصاد حقيقي ومستدام. فنحن نتمتع بثروة بشرية متعددة الإختصاصات ونفتخر بها ولدينا الإمكانات المالية لتطوير إقتصادنا وتحويله الى إقتصاد منتج يعتمد على مكوّنات جمّة، فإقتصاد المعرفة ومؤسساتنا المالية تبقى الحجر الأساس في تحريك الإقتصاد ولما تتمتع بها من ميزات ومسموعية وجدارة. وعلينا أولاً أن نبدأ بالإتفاق على مستقبل بلدنا ونتخطى المصالح الشخصية ونضع المخططات الجدية لقيام إقتصاد مستدام ومنتج. لقد وضع مؤتمر سيدر (CEDRE) الأسس لتأمين رأس المال لتحديث البنى التحتية بالإضافة الى جهوزية المصارف وإمكانياتها للنهوض بسرعة اذا ما عقدنا العزم. فعلينا تأمين جوّ من الإستقرار السياسي ووضع أسس متينة للإصلاحات الهيكلية ومشاريع تحديث بنيوية تبدأ بإعادة التوازن الى أرقام الموازنة ووضع حدّ جذري للهدر والفساد مما يؤسس لحركة إقتصادية ناشطة ولإستقرار إجتماعي منشود.

ومن أهم الأسس الإستراتيجية لبلدنا في هذا الوقت هو تحصين القضاء والذي يجب أن يلتزم بدور فعّال لحماية الإستثمارات والمحافظة على حقوق المستثمرين ويناط اليه مسؤولية تطبيق القانون والشراكة بين القطاعين العام والخاص والذي يستطيع أن يشرك مجمل قطاعات الشعب اللبناني في التمويل مما يجعلنا جميعاً مسؤولين تجاه بلدنا وضمن قانون نافذ وفاعل. يضاف الى ذلك علينا السير بركب التطوّر العالمي والتماشي مع الثورة التكنولوجية والرقميّة، فالحكومة الإلكترونية أصبحت ملزمة لتسهيل المعاملات وإتخاذ القرارات السريعة دون اللجوء الى الوساطات والعمولات. كما وعلينا إعادة النظر في البرامج التعليمية لكي تتماشى مع المبتكرات لتؤسس لإندماج مالي وتقني بالإضافة الى خدمات وتقديمات مبتكرة تساعد على الإنتاجية وتقلّص الكلفة.

إن السلطات النقدية تقوم بكل ما بوسعها للمحافظة على الليرة اللبنانية والإستقرار النقدي، وعلى السلطات المالية والسياسية إن تتوافق على ما فيه خير اللبنانيين جميعاً. فلبنان يتمتع بطاقات عديدة يستطيع بموجبها التصدي لجميع الأزمات اذا بدأنا بالعمل لمصلحة الوطن ولما فيه خير الجميع.

 

^ ما هي أهم إنجازات مصرفكم خلال العام 2018؟

 

ـ خلال العام 2018 إستمر مصرفنا بالتقدم بمسيرته ونموّه حسب التوّقعات ويمكننا القول أنه إن أخذنا بعين الإعتبار الأوضاع في البلد فإن نتائجنا كانت جيّدة جداً.  وبالإضافة الى تقديم خدمات مصرفية مشخصنة والتي تتماشى مع إحتياجات عملائنا ومتطلبات السوق المالي فقد قمنا بتطوير خدماتنا الإستثماراتية والتي تهتم بإدارة ثروات عملائنا. ومن هنا يمكننا إعتبار أنه نظراً للتقلبات في الأسواق المالية العالمية وتفاقم الأوضاع المالية الإقليمية عملنا على توطيد علاقاتنا مع عملائنا وتقديم مقترحات وحلول بديلة تهدف الى “حماية ثرواتهم”  “Wealth  Protection” ومساعدتهم على إتخاذ قرارات للحدّ من المخاطر الناشئة.

ومن بين تلك المقترحات  فنحن نقوم بمساعدة عملائنا على حماية أصولهم المالية من خلال إجراء “عقود ائتمانية خارجية “Offshore Fiduciary Placements”  مع مصارف أوروبية،  ونقدم “مخططات إئتمانية جماعية”  كبديل عن القروض.

ولمساعدة عملائنا ايضاً على إتخاذ القرارات الأفضل في ما يتعلق بأصولهم الإستثمارية قمنا بتطوير “اداة تحليل المحفظة المالية وإدائها” “Portfolio Analysis and Portfolio Attribution”  والتي تشير الى مختلف مقاييس المخاطر بما في ذلك المردود على نسبة هذه المخاطر والقيمة المعرضة للخطر وعرض تحليلي لمقترحات ائتمانية مختلفة.

كما قمنا بمساعدة عملائنا على إنشاء ”Wealth Consolidation Tool” “اداة توحيد الثروة” والتي تسمح لهم بالتخطيط السليم وذلك بإنشاء موازنة شخصية او عائلية موّحدة.

لقد بدأنا بتأسيس الأطر لوضع بتصرف عملائنا كيفية إنشاء “Trust” ومساعدة العملاء على إدارة أصولهم المالية وإدارة محافظهم العقارية بشكل أفضل وضمن المعايير التنظيمية والمصرفية الدولية.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة