كم يبدو محزنًا عشيّة ١٤ آذار/مارس أن نتأكّد، سنة تلو أخرى، أنّنا موهوبون بإضاعة الفرص وبعدم إلتقاط لحظة وطنيّة للبناء عليها وتوسيعها لتحتضن كلّ اللبنانيّين وتجمعهم على مشروع بناء الوطن والدولة.
موهوبون نحن، والأصحّ ملعونون نحن، بالغرق في تقاسم الحصص والنفوذ وتسخير الدولة لمصالح الطوائف والأحزاب وأحيانًا الأفراد، وجميعها مشاريع سلطة واستقواء، فيما المطلوب مشروع دولة المواطنة والإنتاج وليس المذاهب والريع.
يوم صدحت الحناجر، في زمنٍ يبدو سحيقًا، مطالبةً بالحرّية والسيادة والاستقلال، ألم نكن نعرف أنّها أقنومٌ متكامل ومتلازم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا؟!
تخلصنا من الإحتلال ومن الوصاية، وكانت فرصتنا لتحصين استقلالنا بتطوير نظامنا السياسي وبتحرير المجتمع من موروثات تخطّتها مفاهيم الحداثة، وذلك من خلال عقد إجتماعي جديد ومشروع إقتصادي تنموي يعيد الإعتبار لقيم النزاهة والكفاءة والإنتاج والإبتكار والمبادرة، برعاية دولة العدالة والقانون يحميها سلكٌ قضائي فعّال ومنيع.
فماذا فعلنا؟
كيف وصلنا الى هذا الدّرك؟ كيف ضللنا الطريق حتّى انفجرت أزمتنا الإقتصاديّة والإجتماعيّة ذلّاً وخوفًا من جوع ومن «صوملة» أو «أفغنة مع لويا جيركا» ملبننة؟! وبالرّغم من أنّ إقتصاد لبنان لم يكن بتكوينه ريعيّاً بل خدماتيّ الطابع، فإنّ واقعنا المأزوم أتى نتيجة خيارات خاطئة وسوء أداء وإدارة، طوال ثلاثة عقود، أفضت الى فشل ذريع في تحقيق نموّ مستدام لإقتصاد منتج. وكان بالإمكان وقف هذا التدهور لو إتّخذت مبادرات جريئة في التوقيت المناسب.
عشنا كذبةً كبرى ضمن نموذج إقتصادي ريعيّ أفقر الطبقات المتوسطة وهي عصب أيّ اقتصاد ومجتمع، وفاقم من الفوارق الإجتماعيّة، وهجر شبابنا بحثًا عن فرص. ولتغطية الّلاتوازن في بنية الإقتصاد نتيجة القصور في الإنتاج، راحوا يلهثون وراء إستجلاب الدولارات تارةً من خلال مؤتمرات دوليّة، وطورًا بالإستدانة عبر سندات دين، ومن خلال ما سمّي «هندسات ماليّة» هدرت مليارات الدولارات لصالح من إستفادوا من أرباحها التي هي فعليًا من ودائع الناس بالدولار التي وظّفتها المصارف في مصرف لبنان.
وإستخدمت الفوائد المغرية على الودائع، كطعم لجلب دولارات من الخارج، أودعها أصحابها في مصارف لبنان، وأعاد معظمهم تحويلها بعد فترة مع الفوائد التي دفعت لهم بالدولار، وهي أيضًا من تلك الدولارات العائدة للناس والتي وظّفتها المصارف في مصرف لبنان.
وكانت الخطيئة الكبرى تثبيت سعر العملة اللبنانيّة إزاء الدولار طوال ربع قرن وأكثر، عوض إعتماد سياسة علميّة ترتكز على الإستقرار وليس التثبيت، مع مرونة تفرضها مقتضيات الإقتصاد الحرّ.
وها نحن اليوم، نحصد ما رسّخته ثلاثيّة الّلاكفاءة والفساد والإدّعاء عند من تحكّموا بسياسات البلد على إمتداد سنوات. إنهارت العملة الوطنيّة، ومسؤولو النقد في حالة إنكار للواقع متناسين تطميناتهم الكاذبة، وشلّ الإقتصاد، وتزعزع القطاع المصرفـي، وتفاقمت الأزمة الإجتماعيّة، ممّا عظّم الخوف من إنهيار بنية الدولة ككلّ وهدّد بتصدّع أركان السيادة الوطنيّة.
أمّا المديونيّة، فنحن من جهة، امام دين عام حكومي يقارب الـ ٩٥ الف مليار ليرة لبنانيّة و٣٦،٥ مليار دولار (٩٤٪ منه يوروبوندز والباقي قروض طويلة الأجال لمؤسّسات دوليّة).
ومن جهة ثانية، نحن أمام فجوة في مصرف لبنان بحوالي ٥٥ مليار دولار قبل إحتساب الذهب. ولأنّها بالعملات الأجنبيّة وهي غير الدين الحكومي، فقد أنقصت قيمتها عمليًا من ودائع الناس بالدولار لدى المصارف التي بدورها أودعت ثلثي هذه الأموال لدى مصرف لبنان فتبخّر منها هذا المبلغ ليغدو ورقيًا… حتّى إشعارٍ آخر.
هذا بالنسبة إلى مجمل الدين العام الذي جرت على أساسه الدراسات من قبل الإستشاري لازار وصندوق النقد الدولي، لتحديد الخسائر وتوزيعها بإنصاف في إطار خطّة التعافـي وبرنامج الإصلاح المنشود.
أمّا العجز السنوي الكبير في حسابات الماليّة العامّة، فناجمٌ عن بنية هذه الحسابات وترهّل الإدارة وفسادها. إنّ نحو ٩٣٪ من الإنفاق غير مجد، وهو يصرف على الرواتب والأجور وخدمة الدين وأعباء الكهرباء والإنفاق الجاري اللاإستثماري.
الى ذلك، نحن أيضًا أمام عجز كبير في الإنتاج، سلعًا وخدمات، يترجم سنويًا عجزًا في الحساب الجاري الخارجي بلغت نسبته في السنوات الماضية حوالي ٢٢٪ من إجمالي الناتج المحلّي، بالتزامن مع العجز المالي المتصاعد، ممّا أشر إلى عمق الأزمة وخطورة تفاقمها. لكنّ معظم المسؤولين لم يقاربوا المعالجات بما يليق برجالات دولة مفترضين.
جرت عدّة محاولات للمعالجة، منها ورقة بعبدا الإقتصاديّة في ٢ أيلول/سبتمبر ٢٠١٩؛ إنّما وللأسف، كان جوّ المناكفات أفعل، وصوت الجهل أعلى، وقدرة أصحاب المصالح أقوى، فجاءت ١٧ تشرين وما تلاها.
أضيف الى ذلك، أزمةٌ نقديّة – مصرفيّة ترجمت بضعف ملاءة المصارف وندرة سيولتها بالعملات الأجنبيّة، نتيجة تراكم كلٍّ من العجز المزدوج والدين الحكومي، وبسبب هول فجوة مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة التي أخفيت لسنوات.
المطلوب اليوم وضع أسس جديدة ومتينة لإستعادة سيادتنا الإقتصاديّة بإعتماد سلّة من الإصلاحات الجريئة المحفزة للإستثمار في اقتصاد منتج ومؤنسن، تستند إلى توافق سياسيٍّ واسع ورؤية إقتصاديّة إجتماعيّة تحدّد أيّ إقتصاد نريد لأيّ لبنان.
بديهيٌّ التشديد على وجوب مكافحة الفساد بكل أشكاله، وإعتماد آليّات كرّس قيم النزاهة والشفافيّة والحوكمة الرشيدة في القطاعين العام والخاص. في هذا السياق، يجب المباشرة فورًا بإجراءات التدقيق الجنائي في كلّ حسابات مصرف لبنان وفقًا لقرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ ٢٦ آذار/مارس ٢٠٢٠، على أن يصار عقب تشكيل الحكومة الجديدة، إلى إتّخاذ القرارات اللازمة لإجراء تدقيق جنائي في سائر المؤسّسات العامة.
كما يجب الإسراع بإنجاز التدقيق في قطوعات حسابات الماليّة العامّة، من أوّل العام ١٩٩٧. فلا يجوز إستمرار الضبابيّة على مليارات الدولارات التي إعتبر مدقّقو وزارة الماليّة بأنّها صرفت خلافًا للقوانين أو من دون معرفة وجهة إستخدامها.
أمّا على الصعيد المالي، فلا مناص من إعتماد خطّة متكاملة للتعافـي المالي والنقدي والمصرفـي، ترتكز على ما كانت الحكومة قد أقرّته بتاريخ ٣٠ نيسان/ابريل ٢٠٢٠ مع تحديثه في ضوء الأحداث التي إستجدّت. إنّ هذه الخطّة تستلزم موافقة صندوق النقد الدولي ليستفيد لبنان من الدعم المالي المطلوب لإستنهاض إقتصاده ووضعه مجدّدًا على خارطة النموّ المستدام والمتوازن. ونرى بأن تتضمّن الخطّة مجموعة نقاط، منها:
– تحقيق التوازن في حسابات الماليّة العامة، بتصفير العجز المالي تدريجيًا في غضون ثلاث سنوات، ما عدا العجز الناجم عن الإنفاق الإستثماري المحفّز للنموّ، وذلك بدءًا بتصفير عجز الكهرباء.
– إصلاح النظام الضريبي باعتماد الضريبة التصاعديّة على دخل الأسرة. فإيرادات الدولة يفترض أن تزداد من الأرباح وليس من رسوم مشتّتة تعيق النموّ، ومن يربح أكثر يدفع أكثر. الأساس هو الضريبة على الدخل أي على الربح، والضريبة على الإستهلاك أي الضريبة على القيمة المضافة.
يرتكز هذا المشروع الإصلاحي على الصحن الضريبي الموحّد، أي على تصريح ضريبي واحد لكلّ مصادر دخل الأسرة (أرباح + أجور + إيرادات من املاك مبنيّة + فوائد، …)، وتكون المعدّلات تصاعديّة. بذلك، تطال الضريبة الأرباح المحقّقة بدل حجم الأعمال.
– إقرار قانون جديد للجمارك.
– إقرار قانون المشتريات العموميّة.
– قيام وزارة الماليّة بإعداد لائحة بموجودات الدولة، من عقارات ومبان وأصول أخرى، ليصار إلى درس إمكانيّة إستثمار بعضها وبأفضل الشروط للصالح العام.
أمّا على الصعيد الإقتصادي، فلا بد من العمل على ما يلي:
– زيادة الصادرات السلعيّة بمعدّل مليار دولار سنويًا وصولاً الى ما بين ٨ و٩ مليار دولار صادرات سنويّة في غضون ٥ سنوات. وتشكّل دراسة ماكينزي مرتكزًا لتحديد الأولويّات.
ومع زيادة الإنتاج الوطني كمًا ونوعًا، ينخفض الإستيراد، فيتراجع العجز التجاري تدريجيّاً بحيث لا يتجاوز بعدها ٥ إلى ٦ مليار دولار سنويًا.
ويبقى إقتصاد المعرفة والخدمات (سياحيّة ومصرفيّة وإستشفائيّة وتربويّة وتأمينيّة والمهن الحرّة، …)، مدماكاً أساسيًا من مداميك الإقتصاد الوطني.
ويفترض أن ترتبط شروط الحوافز المتنوّعة لقطاعات الإنتاج (ضريبيّة، قروض مدعومة، …)، بالقدرة الإنتاجيّة الفعليّة وبتنافسيّة المنتج، وبحجم فرص العمل التي تؤمّنها، وبمدى إحترام البيئة.
– إقرار سياسة عمل منسّقة بين الوزارات لخلق ٢٠٠ ألف فرصة عمل في غضون ٥ سنوات، تبدأ بـ ٣٠ ألف فرصة في السنة الأولى وصولاً إلى ٥٠ الف فرصة في السنة الخامسة.
– إقرار قانون المنافسة كما سبق وطرحته عام ٢٠١٩، بما يساهم بفكفكة الإحتكارات التي لم يعد لها شبيهٌ في عالم الإقتصاد الحرّ، حيث حقّ المنافسة من أبسط قواعده.
– وضع خطّة شاملة للنقل، تتضمّن تحديث شبكة الطرق، وإطلاق شبكة القطارات من والى بيروت، وتطوير النقل العام، بما لذلك من إيجابيّات إقتصاديّة وإجتماعيّة.
أمّا على الصعيد المصرفـي، وقد كان لبنان رائدًا في هذا القطاع، فيجب العمل على إعادة رسملة المصارف خصوصًا تلك التي تقرض في الإقتصاد الحقيقي، وعلى تنقية القطاع من الشوائب التي إعترته، وتطوير المأسسة فيه ليواكب الحداثة ومستلزمات بازل والحوكمة الرشيدة.
وبتقديري، تتطلّب إعادة رسملة القطاع المصرفي ١٠ إلى ١٢ مليار دولار بعد أن يبتّ بموضوع توزيع الخسائر الناجمة عن الدين العام الحكومي وعن فجوة مصرف لبنان.
وبالتزامن مع عمليّات دمج العديد من المصارف بتلك القادرة على الإستمرار وفقًا لمعايير العمل المصرفـي وأصوله، في خلال العامين ٢٠٢١ و٢٠٢٢، يجب العمل على إدراج معظم أسهم المصارف في بورصة بيروت وتوجيه دور القطاع ليكون محوريًا في تزخيم الإقتصاد المنتج ورافعة له، عوض أن يكون في خدمة «إقتصاد الريع».
ولا يستقيم كلّ هذا الكلام، لا سيّما في هذه الظروف الصعبة، من دون تطوير أنظمة الحماية الإجتماعيّة والرعاية الصحيّة لتصبح أكثر عدالة وتشمل تغطيتها مختلف فئات المجتمع. في هذا الإطار، يفترض إقرار الدعم التمويلي للأكثر حاجة ولمحدودي الدخل، وقانون ضمان الشيخوخة الذي لا يزال قيد الدرس في مجلس النوّاب منذ العام ٢٠٠٦.
ختامًا، لا يمكن وضع هذه الأفكار موضع التطبيق من دون توافق سياسي عريض يؤمّن الإستقرار. فلا تكون المقترحات نظريّة بل تترجم سياسات نهوض بالبلد وإقتصاده بمساهمة أبنائه، نساءً ورجالاً، يحصّنها قضاء منزّه يحسم ويحاسب، وسلطة موحّدة لا يقاسمها أحد على شرعيّتها وبسط نفوذها.
ويبقى سلّم القيم والأخلاق بوصلتنا الى لبنان المشتهى، نتماهى معه ومع تاريخه ومستقبله الذي يستحقّه أبناؤنا.
إذ ذاك، يمكننا أن نفاخر بسيادةٍ وطنيّة غير منقوصة.

