أصدر البنك الدولي الشهر الماضي تقريرًا حول الآفاق الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت عنوان «الإصلاحات والإختلالات الخارجية: علاقة الإنتاجية العمالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، والذي يتوقع من خلاله أن يشهد اقتصاد المنطقة أداءً متواضعًا خلال السنوات القليلة القادمة بنسبة نمو تتراوح بين ١،٥٪ و٣،٥٪ خلال الفترة الممتدة بين العام ٢٠١٩ والعام ٢٠٢١. وقد حثّ البنك الدولي قادة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على العمل على تحسين الاقتصاد الرقمي وهو الأمر الذي إن طبّق، سيسمح لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتخطي عدة بلدان متقدمة اقتصاديًا في مجال «التغطية ونوعية الخدمات الخليوية وخدمات الإنترنت» وفي مجال الدفعات الرقمية. وأشار التقرير أيضًا إلى تحدٍ جديد لاقتصادات المنطقة وهو خلق إصلاحات بنيوية لتخفيف العجز في حساب الميزان الجاري عبر تحسين الإنتاجية العمالية. وقد علّق التقرير أنه بعد التصحيح في أسعار النفط فقد أصبح من المتوجب على الدول التي كانت تمول العجز في الحساب الجاري لدى بعض الدول الأخرى التي تتعامل معها أن تواجه العجز في حسابها التجاري. ودائمًا بحسب البنك الدولي، يجب تقليص العجز في حساب الميزان الجاري لدول المنطقة في الأمد المتوسط إلى البعيد عوضًا عن إنتظار تدفق الرساميل لتحويل هذا العجز إلى الفائض.
محليًا، خفّض البنك الدولي توقعاته السابقة لنسبة النمو الاقتصادي في لبنان للعام ٢٠١٨ من ١،٠٪ إلى ٠،٢٪ الأمر الذي يعكس ضعف الحركة الاقتصادية في البلاد، مرتقبًا أن تبقى هذه النسبة متدنية عند ٠،٩٪ في العام ٢٠١٩ و١،٣٪ في العام ٢٠٢٠ و ١،٥٪ في العام ٢٠٢١. في التفاصيل، سلط التقرير الضوء على تعليق مصرف لبنان قروضه المدعومة، الأمر الذي كان له أثر سلبي على القطاع العقاري، بحيث انكمشت تسليمات الإسمنت بنسبة ٥،٣٪ سنويًا خلال فترة الأشهر الأحد عشر الأولى من العام ٢٠١٨. بالإضافة إلى ذلك، عزا البنك الدولي التراجع الاقتصادي إلى الإرتفاع الطفيف في الحركة السياحية، بحيث إرتفع عدد السياح القادمين إلى لبنان فقط بنسبة ٥،٨٪ خلال العام ٢٠١٨ (وهي نصف النسبة المسجلة خلال العام ٢٠١٧). أما في ما يختص بالتجارة الخارجية، ودائمًا بحسب التقرير، فقد علق البنك الدولي على أن الإنخفاض السنوي بنسبة ١٣،٦٪ في فاتورة الإستيراد أدى إلى خفض العجز في الميزان التجاري بنسبة ١٦٪، مشيرًا إلى أن صافـي الصادرات المحرك الأساسي لنمو الناتج المحلي. على صعيد المالية العامة، قدر البنك الدولي عجز الموازنة العامة للبنان عند ١١،٥٪ من الناتج المحلي خلال العام ٢٠١٨ مقارنةً بـ ٧٪ في العام ٢٠١٧، بالرغم من تعهد لبنان في مؤتمر سيدر في نيسان/أبريل ٢٠١٨ بتقليص عجز الموازنة بنقطة مئوية واحدة في السنة على فترة خمس أعوام. بالإضافة إلى ذلك، ذكر البنك الدولي أن الرصيد الأولي للموازنة قد تحول من فائض بنسبة ٢،٣٪ من إجمالي الناتج المحلي في العام ٢٠١٧ الى عجز بلغ ١،٨٪ من الناتج المحلي من العام ٢٠١٨ في ظل إرتفاع المصاريف الجارية والتحويلات الكبيرة لشركة كهرباء لبنان والزيادة في التحويلات إلى البلديات بنسبة ٢٦٦٪ سنويًا خلال فترة الأشهر التسعة الأولى من العام ٢٠١٨ بُعيد الإنتخابات النبابية. وقد لفت التقرير إلى إرتفاع معدل الفوائد على الودائع بالدولار الأميركي بـ ٢٧٤ نقطة أساس وبـ ١٤٣ نقطة أساس على الودائع بالليرة اللبنانية خلال الفترة الممتدة بين تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٧ وكانون الأول/ديسمبر ٢٠١٨. من منظار آخر، ذَكَر البنك الدولي إرتفاع معدّل تضخم الأسعار في لبنان بنسبة ٦،١٪ خلال العام ٢٠١٨، ما يعزى بشكلٍ كبير إلى زيادة أسعار السلع عالميًا (خاصة منتجات الوقود) ومرور سنتين على مستوى تضخم سلبي. وقد سلّط التقرير الضوء على إنكماش صافـي الموجودات الخارجيّة للقطاع المالي بـ ٤،٨٢٣ مليون د.أ. في العام ٢٠١٨ مقابل تراجع بـ ١٥٦ مليون د.أ. في العام ٢٠١٧، بالرغم من التحسن في الميزان التجاري. تبعًا لذلك، تراجعت إحتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة (من ضمنها سندات الدين بالعملة الأجنبية «يوروبوند») إلى ٣٩،٧ مليار د.أ. مع نهاية العام ٢٠١٨، مشكّلة حوالي ١٣،٥ شهرًا من إستيراد السلع والخدمات. وقد توقّع البنك الدولي أن تبقى الآفاق الإقتصاديّة ضعيفة، مع تفاقم خدمة الدّين وإرتفاع عجز الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بالرغم من تعهّد الحكومة بتقليص هذه النسبة. أخيرًا، أشار التقرير إلى تلقّف الأسواق المالية لخبر تشكيل الحكومة بإيجابية إلا أنه حذّر بضرورة ترابط هذا التشكيل بإصلاحات في الأمدّ المنظور.


