ما إن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده ستنسحب من الاتفاق النووي مع إيران وتعيد فرض عقوبات عليها، حتى تلقّف لبنان سريعاً الانعكاسات السلبية للقرار، فتراجعت سندات الأوروبوندز مسجلة أدنى مستوياتها في أشهر عدة.
ومع الانسحاب الأميركي من الاتفاق وإعادة العقوبات على إيران، وبدء مسلسل العقوبات على مجموعة من المؤسسات المالية والأفراد في إيران والعراق و”حزب الله”، وما رافقها من إعلانات لشركات أوروبية وعالمية كبرى عن انسحابها من الأسواق الإيرانية ووقف تعاملها معها ـ على رغم الموقف الأوروبي الرسمي المعارض للموقف الأميركي، وكلام فرنسي على لسان أحد وزرائها بأن بلاده لا تقبل بالديكتاتورية الأميركية الاقتصادية ـ وارتفاع وتيرة الحديث عن حرب شاملة في المنطقة… حتى بدأ الاقتصاد اللبناني يتحسّس مواقع الوجع وأماكن الضعف.
تأتي هذه التطورات المتسارعة بعد انتهاء الانتخابات النيابية وانصراف القوى السياسية لتأليف الحكومة التي ستأخذ على عاتقها محاربة الفساد وإعادة النمو إلى شرايين الاقتصاد الوطني المصابة بالترهّل والعفن والتكدّر والتخثر… بفعل ممارسات الطبقة السياسية الحاكمة منذ عقود.
وفي الواقع، فإن الانتخابات النيابية انتهت الى النتائج المعروفة. كرّرت الأحزاب والتيارات الكبيرة دعاياتها الانتخابية، وفازت بفعل خطابها الذي لم يتغير منذ أعوام طويلة، بتأييد الناخبين الذين لم تبلغ نسبتهم نصف أعداد المسجّلين على قوائم الاقتراع.
لم تتكلّف القوى المشاركة في الائتلاف الحاكم عناء صوغ أفكار أو مشاريع جديدة، مكتفية باللعب تحت سقف الشعارات المضمونة الربح. “شد العصب” الطائفي والمذهبي كان عنوان الحملات الانتخابية ومضمونها. وباستثناء حزب القوات اللبنانية الذي وضع محاربة الفساد في سلّم أولوياته، بعدما كان وزراؤه قد مارسوا هذه السياسة فعلاً لا قولاً… فإن كل الأحزاب والقوى والتيارات السياسية لم تقدم أي جديد في إطار الاستجابة لاهتمامات المواطن وحاجاته.
الكهرباء تزداد عتمة كلما ارتفعت وتيرة المسؤولين بالوعود. المياه تغيب عن قساطلها كلما ازداد الإنفاق على السدود. الهاتف الأغلى في العالم والإنترنت الأبطأ من مثيله في بنغلادش. بلد الأرز الذي صار مزبلة المتوسط. ومزابل تصنع ثروات. أزمات السير المختنق والخانق وجسور “تزيدها اختناقاً”. هذا الطوفان من الإضرابات والتظاهرات والمطالب العمالية الذي لا ينتهي. تلزيمات – صفقات على حساب المال العام وسرقات لا تتوقف. تنفيعات في أجهزة ومؤسسات الدولة. وقطاع عام بات يشكل العبء الأكبر على الاقتصاد الوطني. ليرة يحول دون تدهورها حاكم حكيم ولولاه لكنا نترحّم على التدهور المقبول لأسعار العملات في دول الجوار. قطاع خاص ينزف ويئن فيما الضرائب تزداد والرسوم لا تعرف حدوداً تستكين عندها…
في بلد كلبنان، عِوَض أن يحاسب الشعب حكامه عما آلت إليه أوضاعه، يكافئهم عبر إعادة التجديد لهم في مواقع السلطة!؟!
الاختراقات المحدودة للوائح الائتلاف الكبير، كانت من النوع الذي يؤكد القاعدة ولا ينقضها. مرشح فاز بالصدفة هنا ورابح يحمل لواء المجتمع المدني هناك، هما من التلوينات التي ستضفي شيئاً من الترفيه المطلوب، على المجلس المقبل، خصوصاً وأن أكثرية نواب الصدفة لا تاريخ حقيقياً لهم في العمل السياسي.
في ظل وضع إقليمي صعب وداخلي معقّد، وطبقة سياسية تجدّد لنفسها… يبقى الأمل، والأمل وحده، بسلطة تنفيذية تسعى إلى تحقيق تطلعات المواطنين وفي طليعتها محاربة الفساد، علّ لبنان يصل الى بر الأمان يوماً!

