- نيسان/أبريل رقم 353 - المراقب المالي

هل من تعاميم جديدة لإعادة الهيكلة؟

يحاول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة اعادة تفعيل دور القطاع المصرفـي وتدعيم قدراته واحتياطاته بالعملات الصعبة ليتمكن من الصمود خلال هذه الفترة الحرجة جداً في تاريخ القطاع المصرفـي خصوصاً والاقتصاد اللبناني عموماً. وما اصداره تعاميم ألزم فيها المصارف برفع رأسمالها ٢٠٪ وتكوين سيولة ٣٪ لدى المصارف المراسلة إلا خطوة في طريق طويل سيعتمده «المركزي» مستقبلاً بالتعاون مع المجلس النيابي لإقرار قوانين جديدة تفضي الى هيكلة رشيدة للقطاع وتنقيته من مكامن الضعف والخلل لإستعادة ثقة المودعين به في الداخل اللبناني وصولاً الى المغتربات.

غالبية المصارف العاملة إلتزمت بكامل مندرجات التعاميم التي أصدرها المركزي إلا قلة تعاني من بطء في تأمين السيولة اللازمة وعدد ضئيل جداً، ربما، قرر الخروج نهائياً من السوق لكنهم ينتظرون قرار «المركزي» ذات الصلة للإتفاق معه حيال الذهاب إما الى الدمج أو الى البيع، أو ربما كما تداول بعض الخبراء المصرفيين تجميع المتعثرين كلهم في رخصة واحدة تحت رعاية مصرف لبنان حماية للودائع في هذه المصارف.

من المعروف ان التعميم ١٥٤ ألزم المصارف برفع رأسمالها بنسبة ٢٠٪ ووضع ٣٪ من ودائعها الأجنبية لدى المصارف المراسلة، وفرض على المصارف «حض» عملائها من المودعين والمستوردين لإعادة ١٥٪ من تحويلاتهم بين أول تموز/يوليو ٢٠١٧ ومنتصف عام ٢٠٢٠، ووضعها في حساب مجمد لمدة ٥ سنوات، كذلك فرض على أعضاء مجالس إداراتها وسائر الأشخاص المعرضين سياسياً إعادة ٣٠٪ إلى حسابات مجمدة لخمس سنوات أيضاً.

لكن جمعية المصارف التي كانت تمنن نفسها بتمديد «المركزي» لمهلة تنفيذ مادتين في التعميم المذكور ابرزها المادة المتعلقة بزيادة الـ٢٠٪ على رأس المال والمادة الخاصة بإعادة تكوين معدل ٣٪ في حساباتها لدى البنوك المراسلة. وعلم في هذا السياق، أن المصارف استطاعت الالتزام بزيادة الـ٢٠٪ في ما عدا مصرفين او ثلاثة، إلا أن التقصير برز على مستوى الشق المتعلق بإعادة تكوين نسبة الـ٣ ٪ والتي تصل قيمتها إلى نحو ٣،٣ مليارات دولار، حيث علم أن بعض المصارف الكبرى لا يزال يحتاج إلى بعض الملايين من الدولارات لتأمين الأموال المطلوبة. فما هي الإجراءات أو الوسائل التي اعتمدتها المصارف للالتزام بالتعميم؟.

سادت اتهامات بأن ارتفاع الدولار سببه امتصاص المصارف للدولار من السوق وهي اتهامات دحضها البعض عبر تأكيدهم أن المطلوب لحاجة المصارف يفوق بعشرات الأضعاف قدرة السوق على تأمينه، فيما استطاعت المصارف بغالبيتها تأمين حاجاتها من السيولة التي استحصلت عليها من خلال بيع وحدات مصرفية تابعة لها في الخارج ومن موارد خاصة بأصحاب المصارف والمساهمين. وأشيع أن بعض المصارف عمدت الى بيع شيكات مصرفية بأقل من ٣٠٪ من قيمتها (مقابل ٣ ملايين دولار نقداً، يحرر المصرف شيكاً بـ١٠ ملايين دولار)، ومضاعفة الودائع بأكثر من ٣ أضعاف قيمتها عبر تحويل كل مليون دولار «طازج» يودعها الزبون في المصرف إلى حساب بـ٣ ملايين دولار، ولكن من دون تمكين المودع سحبها نقدًا). ويبدو واضحًا أن «المركزي» كان متساهلاً مع المصارف، إذ في ما خص زيادة رأس المال، سمح لهم في بيع سندات الدين بالعملات الأجنبية (اليوروبوندز) التي تملكها في الخارج. وأكد الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف، سمير حمود، أن التعميم ١٥٤ فتح أكثر من باب للمصارف، ومن هذه الأبواب السماح لها باستخدام عقارات (المتملكة استيفاء لديون موقوفة او مشكوك بتحصيلها عملاً بأحكام المادة ١٥٤ من قانون النقد والتسليف)، وإعادة تقييم عقاراتها وزيادتها إلى الأموال الخاصة (الرساميل)، كما سمح لهم بإجراء سوابات لبعض الودائع الطويلة الأمد لتعزيز رساميلهم.

لا يبدو حمود قلقاً على قدرة المصارف تنفيذ التعميم ١٥٤. فمعظم المصارف انجزت عملية زيادة رساميلها، إذ وفق ما قال «كل المصارف التزمت بالتعميم في ما عدا عدد قليل جداً منها لا يزال قيد الدرس». ولكن، المشكلة الأساسية برأيه ليست في تطبيق التعاميم، بل بعدم لحظها حقوق المودعين.

وكان الأجدى لو لم يتم تخصيص ١٪ من سيولة الـ٣٪ التي فرض على المصارف تأمينها ليكون في مقدور المودعين سحبها بالدولار خلال مدة سنة، أو على الأقل ايداعها «Fresh Money» والاتفاق لاحقاً على تنظیم سحبها من خلال القانون.

وبعيدًا عن الاجراءات التي قامت بها المصارف بغية الالتزام بمندرجات التعميم، يری حمود ان الأزمة لم تعد أزمة مصارف لكي يعول على التعاميم، بل أصبحت أزمة نظام. فالبنك المركزي في أزمة وكذلك خزينة الدولة، لذا لن تنفع التعاميم لإعادة هيكلة القطاع المصرفـي. وثمة أسئلة طرحها حمود عن الايجابية التي انعكست على المصارف بزيادة الرساميل فيما ودائع المصارف محتجزة في البنك المصرفـي، و«لمن السيولة التي استطاعت المصارف تأمينها؟، وهل يمكن أن نعتبرها Fresh Money؟ ولمن تعود ملكية الأموال التي كونتها المصارف في الخارج والتي تصل قيمتها إلى نحو ٣،٣ مليارات دولار؟. الى ذلك، ثمة مصارف استطاعت تأمين السيولة عبر بيع سندات خزينة بالدولار وأخرى عبر بيع موجوداتها في الخارج، والسؤال «الدولارات التي أمنوها ملك من؟» ليختم أن الأولوية يجب أن تكون للمودعين وليس للمصرف.

وإذ رأى أن القطاع المصرفـي لم يعد موجوداً، بدليل أن المصارف لا تسلف أحداً ولا تعطي الدولار، قال «المطلوب اليوم قوانين لفصل الدولار القديم عن الدولار الجديد لحماية المصارف من قانون الإفلاس رقم ٢/٦٧ واعادة تنظيم القطاع المصرفـي رسملة وسيولة وادارة وربحاً وملكية».

ولكن الانتقادات التي يسوقها حمود لا تعني انه يعارض التعميم الـ١٥٤، وإن كان هذا التعميم وغيره من التعاميم هدفهم تنظيمي لا علاجي، فالمشكلة برأيه تتجاوز التعاميم خصوصاً وإن الأزمة ليست أزمة مصرف، بل أزمة قطاع وأزمة نظام مصرفـي..

واكثر، فإن حمود يتطلع الى تعاميم أخرى لتعزيز وضع المصارف من حيث السيولة والملاءة. ولكن هل سيكون في مقدور المصارف الالتزام بتعاميم أخرى مشابهة؟ لا یری حمود صعوبة في ذلك إذ يمكن للمصارف ان تجذب مساهمين جدد او شركاء استراتيجيين، ولكن لكي تستطيع المصارف استعادة ثقة المودعين واستقطاب مودعين جدد يجب أن يكون هناك قانون لمعالجة الأزمة ككل».

وفيما أكدت مصادر مصرفية أن دخول رساميل جديدة الى لبنان يحتاج على الأقل سنة أو أكثر بعد استتباب الوضع ومباشرة تنفيذ الاصلاحات وضخ سيولة من صندوق النقد، أكد حمود بدوره أن عودة القطاع المصرفـي تتطلب دخول رساميل وودائع جديدة بدولار جديد، وتسليف جديد بدولار جيد، وسيولة جديدة وادارات جديدة وربما الى ملكية جديدة واسم جديد. فالقطاع المصرفـي اللبناني يحمل كتلة نقدية جامدة بنحو ١٠٥ مليارات دولار يصعب تذويبها أو تسييلها وفق الآليات التقليدية المعروفة، وهي تمثل إجمالي الودائع المتجمدة فعلياً، وتالياً لا يمكن تذويبها الا بـ٣ اتجاهات إما سحبها وإيداعها في المنازل، وإما تحويل الدولارات الى الخارج، أو تسديد الديون».

واعتبر أن ثمة مبالغة بالتركيز على التحويلات الى الخارج، فهي تقدر بـ١٢ مليار دولار بما فيها الأموال التي وضعت في المنازل والتي سحبت بالتجزئة. ولكن هذا المبلغ وفق ما يقول هو من أصل الـ١٤٠ مليار دولار، فيما لا يزال هناك ١٠٥ مليار دولار عالقين في الداخل.

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة