الموازنة العامة ليست صكًا محاسبيًا لشركة أو سوبرماركت، وبالتأكيد، ليست مباراة في الشتائم وتحميل المسؤوليات والتهرب من الوقائع والأرقام بين الوزراء والنواب، بل انها تجسّد الخيارات الإقتصادية والاجتماعية للدولة لعام مقبل. انها أداة مالية واقتصادية رئيسية تمكنها من استنهاض الموارد المالية وخلقها وضخها في مشاريع حيوية وضرورية لبناء اقتصاد منتج ومستدام وتوفير حاجات المجتمع والعمل من أجل نموه ورفاهيته. فمن خلال الموازنة تحدّد الدولة ماهية النظام الضريبي وعدالته، وتموّل الخدمات العامة الأساسية للمواطنين وتنفق على الحماية الاجتماعية الضرورية المكفولة ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتحدّث البنية التحتية وتستثمر في الأبحاث والتكنولوجيا والتعليم لبناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل الكافية لإستيعاب القوى العاملة بما يحد من هجرة الطاقات الشابة والأدمغة.
معظم النقاشات التي دارت في لبنان نظرت إلى الموازنة من منظار محاسبي ضيّق، بدلاً من النظر إلى تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية التي يجب أن تُعطى الأولوية. لا بل فإن «المنظار» صوّب في إتجاهات راعت الكثير من المحسوبيات والمحميات والأطر الضيقة، فجاءت النتائج مخيبة للآمال والتوقعات.
موازنة ٢٠١٩ أقرت بعد سبعة أشهر من التأخير والمماطلة، والعبرة تبقى في التنفيذ، حيث الدلائل تشير إلى إرتفاع في النفقات وتراجع الإيرادات وزيادة العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات… والخزينة العامة.
الموازنة أقرّت «وحكومة إلى العمل» عاطلة عن العمل، بفعل «حادثة البساتين»، التي يخوض أطراف السلطة من أجلها «حرب داحس والغبراء» متناسين ان الظروف الاقتصادية والمالية والنقدية في البلاد بلغت حدود الخطر. فالزعامات في نظرهم أهم من البلاد والعباد، بعدما استنزفوا خيرات البلاد وثرواتها وحولوها إلى حساباتهم المتخمة في الخارج.
تتجنّب وزارة المالية اللبنانية نشر أرقام النفقات والواردات المتعلقة بالعام الجاري، تخوفًا من سلبيات تأثيراتها العامة على الأرجح. وتغيب تحليلات مراكز الدراسات والأبحاث المحلية في ظل تراجع أو غياب المعطيات الأولية والأرقام الكافية. لكن صندوق النقد الدولي لا يتردد إطلاقًا في عرض الوقائع والاستنتاجات.
حذّر صندوق النقد الدولي مصرف لبنان من الإكتتاب بسندات بفائدة واحد في المئة، معتبرًا ذلك بمثابة تخلّف الدولة عن السداد (DEFAULT). الحاكم رياض سلامه إستخدم هذا التحذير كسلاح لإبلاغ الحكومة الإعتذار عن القيام بهذه الخطوة، وإن كان قد تحدّث لاحقًا عن هندسات مالية تؤدي الغاية نفسها.
خبراء صندوق النقد الدولي توقعوا أن تتهاوى موجودات النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان من ٣٦،٥ مليار دولار العام ٢٠١٨ إلى ١٥ مليارًا العام ٢٠٢٤ (بإستثناء الذهب والأصول المحمّلة بالتزامات). ووفق سيناريو«خط الأساس» الذي وضعته بعثة المادة الرابعة الأخيرة، ستتراجع تغطية هذه الموجودات لفاتورة الإستيراد من ١٢،٧ شهر العام الماضي إلى ٦،١ شهرًا العام ٢٠٢٣، ولن تغطي بعد ٥ سنوات سوى ١١،٥ في المئة من الديون الخارجية قصيرة الأجل و٩،٦ من الودائع بالعملات الأجنبية لدى القطاع المصرفـي.
قدرات لبنان المالية والنقدية تتراجع، الهجرة تتفاقم، الاقتصاد ينكمش… وأصحاب القرار غارقون في السمسرات والسرقات والفساد «وحادثة البساتين».

