تشكل موازنة ٢٠١٩ منعطفًا مفصليًا لما سيكون عليه الوضع اللبناني خلال الأعوام المقبلة، ليس اقتصاديًا وماليًا فحسب، بل في التركيبة السياسية التي يسعى البعض لإخضاعها لجراحات تؤسس لممارسة جديدة من الحكم لا تشبه الحياة السياسية التي نشهد تقلباتها وأزماتها اليوم، حيث يتراجع البعض لحفظ مصالحه، فيما يسعى البعض الآخر لتعزيز مواقعه ومراكز القوة لديه. وها هو مضمون الحركة الإعتراضية ضد بنود في الموازنة تؤشر إلى توازنات القوى الجديدة، وعلى ماذا سترسو الأمور سياسيًا، إلى الصراع على الامساك بالمؤسسات والمرافق بين القوى الطائفية وداخل الطوائف ذاتها، وحتى داخل البيت الواحد نفسه.
بعد جلسات ماراتونية لمناقشة الموازنة، بدا واضحًا وجود مشروعين سياسيين لكل منهما رؤية اقتصادية مختلفة، وغياب نظرة واحدة لمستقبل المالية العامة الواقعة تحت ضغوط «سيدر» لضبط العجز المتنامي وخفضه بمعدل ١٪ على مدى خمس سنوات. ويبدو جليًا أيضًا، أن النظرة إلى الإصلاح تختلف بين وزير المال علي حسن خليل الذي قدم مشروعًا حسابيًا خاليًا من اية رؤية اقتصادية، وبين وزير الخارجية جبران باسيل الذي سعى لإقرار إستراتيجية شاملة للحكومة تطرح الأمور من منظار اقتصادي – مالي أوسع، علمًا أن البعض يقول أن استراتيجيته هذه لا تتعدى مجموعة أفكار تم ترتيبها على عجل، في حين عمل رئيس الحكومة سعد الحريري للمّ شمل التوافق الحكومي تجنبًا لانفراط عقد «سيدر» وقروضه الإصلاحية.
وفي الإستغلال السياسي للموازنة، ترتفع أصوات مسؤولين ونواب ومراجع مؤيدة أو معارضة بحسب مصالحها الإنتخابية أو الوظيفية والانتفاعية، من دون الأخذ في الاعتبار الوقائع المالية الصعبة. في حين يندفع القطاع العام، بكل وقاحة، للإضراب والتظاهر والإعتصام، رفضًا لإقتطاع من هنا وتشذيب من هناك… وكم كنا نأمل لو انه أبدى الحماس ذاته للعمل والإنتاج لكانت الأوضاع الاقتصادية والمالية، على غير ما هي عليه الآن، من تراجع وتقهقر وفساد وانحلال فوضى وسوء إدارة ورشوة وإنحطاط…
ولعل أكثر الأصوات نشاذًا وإنحطاطًا وسفالةً أصوات الفاسدين والسارقين والعاهرين، وهي تدعو إلى العفة !!!
الدين العام وصل إلى ١٥٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ثالث أعلى نسبة في العالم. الليرة عند حدود الخطر. القطاع الخاص يتراجع فيما القطاع العام مترهل، فاسد وغير منتج. كل الأرقام تؤشر إلى خطر عظيم يتهدد البلاد… وحدها موازنة معقولة ترسم طريق العودة من الإنهيار الكبير.
الموازنة ستؤدي إلى زيادة الواردات بعد رفع الضرائب على الفوائد المصرفية من ٧ إلى ١٠٪ وإقرار بعض الضرائب الأخرى وزيادة رسوم معيّنة، كما انها ستحدث تراجعًا في الإنفاق بنسبة أقل مما هو متوقع، في حين أن خطة الكهرباء الجديدة، في حال تنفيذها، ستؤدي الى وقف الدعم عن قطاع الطاقة… في المحصّلة قد يتقلص العجز من ١١،٢٪ من الناتج المحلي (العام ٢٠١٨) إلى ٧،٦٪ العام الجاري، مما يساعد في إستعادة الثقة ويسهل الطريق نحو مشاريع «سيدر» ويخفف من الضغط على المالية العامة.
يدرك الجميع أن السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي اعتمدتها حكومات ما بعد الطائف وحتى الآن، بمختلف جوانب الهدر والفساد والسرقات والسمسرات وحشو مؤسسات الدولة بالازلام والمحاسيب قد اوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه. المطلوب اليوم قراءة علمية للواقع وموقف شجاع ومسؤول للمعالجة… وفيما عدا ذلك فإن التراجيديا اليونانية ستكون أشد ايلامًا على أرض الواقع اللبناني.

