- شباط/فبراير 339 - المراقب المالي

من الصناعة التقليدية إلى الصناعة الإبداعية

في ظروف يتسمر فيها عدد كبير من مواطنينا اللبنانيين أمام شاشاتهم لمتابعة عن كثب تنبؤات بعض المنجمين أو الدعاة المشهورين، ومن ثم يناقشون القلق والخوف من هذه الرؤى والتوقعات الوهمية، سنحاول ان يكون لدينا مقاربة أكثر موضوعية وتقنية مع السعي الى بناء مستقبلنا على إستراتيجيات بناءة جديدة، واقتراح خطط إنقاذ قطاعية جديدة مع تنفيذ سريع وفعّال، بهدف إعادة هيكلة اقتصادنا الذي هو مرهق بالتأكيد ولكنه قادر على الإنتعاش.

لطالما كانت الصناعة اللبنانية إحدى الركائز الأساسية لاقتصادنا، هذا القطاع الأساسي الذي يعمل به أكثر من ١٤٠،٠٠٠ شخص (حوالي ٢٥٪ من إجمالي القوى العاملة المحلية) والذي يساهم في أكثر من ٨٪ من الناتج المحلي الإجمالي الوطني. ليس سرًا أن صناعتنا المحلية عانت بالفعل منذ عدة سنوات من العديد من الأمراض المزمنة وهي الآن محاصرة ما بين أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ونقص في المواد الخام، وتراجع السيولة بشكل مثير للقلق وانخفاض في معدل رقم الأعمال ومعدل دين الصعب الملء وتكاليف ثابتة ثقيلة من الصعب تخطيها، إضافة الى قائمة طويلة من المشاكل المعقدة التي ليس هدفنا التغلب عليها ولكننا سنحاول إقتراح بعض الحلول المحتملة على الصعيدين العام والخاص لإعادة تنشيط هذا القطاع الإنتاجي.

بادئ ذي بدء، لا بدّ من تشجيع عمليات الإستحواذ والإندماج لهذه الشركات الصناعية، ليس فقط لتخفيض التكاليف التشغيلية ولكن أكثر من ذلك بكثير من أجل تعزيز هياكلها الأساسية، وجعلها أقل عرضة للأزمات وللتغيرات. ستتيح لها عمليات الدمج هذه مجال عمل أوسع من أجل التنمية، للتصدير إلى أسواق جديدة، وتنويع المنتجات. لم يعد خيارًا أو ترفًا بناء تحالفات إستراتيجية أو تآزر مثمر أو تعاون فعّال بل أصبح حاليًا واجبًا لإعادة هيكلة ناجحة وزيادة فرص البقاء والمثابرة ضمن هذه البيئة غير المستقرة والمتقلبة.

من ناحية أخرى، فإن الحوكمة الرشيدة والشفافية والإدارة الجيدة للمخاطر في شركاتنا هي العناصر الأساسية التي ستسمح أن يراها رادار بعض المستثمرين الذين يرغبون في تنويع إستثماراتهم النقدية أو تقليل تعرضهم للمخاطر المالية أو تقسيم مخاطرهم المختلفة. إنها فرصة رائعة لهذا القطاع لتخفيض ديونه عن طريق فتح رأسماله وذلك من خلال ضخ سيولة جديد.

يجب أن نكون جميعًا مقتنعين بأنه سيكون من الصعب، بل من المستحيل، أن ترتكز معاملنا على صناعة جماهيرية بوجه منافسة إقليمية هائلة، منظمة تنظيمًا جيدًا ومستدامة مع اقتصاد ذات حجم متطور جيدًا وغالبًا ما يكون مدعومًا. لذلك من المهم التركيز على الصناعات والمنتجات المتخصصة، حيث تكمن القيمة المضافة في الذوق والجودة والمرونة في الإنتاج وبكميات صغيرة وفي شبكات التوزيع، وفي قوة المبيعات وفي الإبداع ومن خلال التسويق والتواصل وإنشاء هويات ينظر إليها المستهلكون الدوليون بطريقة متميزة.

أخيرًا، أمام هذه التغييرات الهيكلية، وبوجه إعادة الهيكلة الجديدة الجوهرية، حان الوقت لتطوير صناعتنا التقليدية وجعلها تتطور نحو صناعة إبداعية وثقافية ومعرفية.

ان الصناعات الإبداعية هي لاعب رئيسي في اقتصاد المعرفة وتظهر كصناعات مبتكرة. تطورها السريع هو انعكاس لمساهمة الاقتصاد غير المادي في النمو الاقتصادي بشكل متزايد. يجب أن تصبح هذه الصناعات الإبداعية أدوات لإدارة وإبراز هوية بلدنا لبنان. لن يكون لسياسة الصناعة الإبداعية أي معنى ونطاق إلا عند دمجها في سياسة ابتكار أوسع. كما أنها متوافقة وتهدف إلى أن تكون الرابط والمظلة بين سياسات القطاعات.

تتعلق هذه الصناعات بإنشاء وإنتاج وتسويق محتوى إبداعي ذي طبيعة ثقافية وغير ملموسة. تشمل الصناعات الثقافية المنشورات المطبوعة والوسائط المتعددة والإنتاج السينمائي المرئي والمسموع والفوتوغرافـي، بالإضافة إلى الفنون الحرفية والتصميم والهندسة المعمارية والإعلان الذين يتميز بهم لبنان بكل فخر. انها صناعات واعدة من حيث النمو، علاوة على ذلك، هي تشكل أدوات للهوية الثقافية قادرة على تحفيز التنوع الثقافـي في لبنان مع إنتاج روابط رمزية (مثل الهوية، الخبرات، الصور) ذات قيمة كبيرة ومع عائد على الاستثمار جذاب للغاية . دعونا لا نهرب، ولا نقاوم التغيير، ولا ننسى أن «أفضل دفاع عن النفس هو الهجوم».

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة