حجم الخسائر المترتبة عن الجريمة الالكترونية الى تصاعد مستمر، في مؤشر الى انتشارها المتزايد وسرعة حدوثها وسرعة انتقال الأموال من بلد إلى آخر، ما يستدعي من المصارف اتخاذ تدابير كفيلة بمنع حصول هذه الجريمة. لبنانياً، على المصارف ان تخصص مبالغ من اجل تعزيز حماية اجهزتها وتمتينها منعًا لاختراقها، بحسب ما قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، على اعتبار ان سرعة حصول الجريمة الالكترونية تصعّب تعقّبها ما يتسبب بخسائر كبيرة على المصارف والشركات.
“نصيحة” حاكم مصرف لبنان خلال افتتاحه “ملتقى مكافحة الجريمة الإلكترونية الرابع” من تنظيم هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان ومكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية لدى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بالتعاون مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (مينافاتف) وبدعم من المفوضية الأوروبية وبالاشتراك مع مجموعة الاقتصاد والأعمال، تأتي غداة اعلان وزارة الخزانة الاميركية فرض عقوبات على ايرانييْن بتهمة القرصنة الإلكترونية بعدما ساهما في صرف فديات العملة الرقمية (البيتكوين) الى الريال الإيراني لصالح جهات فاعلة الكترونية خبيثة ايرانية متورطة في مخطط مسمى “SamSam Ransomware” استهدف أكثر من 200 من الضحايا المعروفين.
ما سبق الإشارة اليه يفسر تحذير حكام مصرف لبنان من استخدام عملة البيتكوين ومن استعمالها كوسيلة دفع إذ أنّها سلعة وأسعارها تشهد تقلّبات حادة. اما في ما يتعلق بنظام وتقنية “البلوكتشين”، فإن واحدًا من كل خمسة مصارف مركزية سيستخدمون التقنية بحلول عام 2019. وستستعمل “البلوكتشين” في مجالات ادارية مختلفة بمعزل عن استخدامها للعملة الافتراضية، كما شرح سلامه.
وفي المقابل، فإن “فريقًا من مصرف لبنان يعدّ لإطلاق العملة الرقمية، وهي تختلف عن العملات الافتراضية. فالعملة الرقمية ستكون مصدرة من مصرف لبنان وبالليرة اللبنانية واستعمالها محلي فقط. والهدف منها تسهيل أساليب الدفع وتفعيل التكنلوجيا المالية وتوفير التكلفة على المستهلك”.
ومن شأن اقرار قانون للتوقيع الالكتروني ان يفعّل مقاصة الشيكات الالكترونية ويعدل مفهوم المقاصة التقليدية فتجري حينها هذه المقاصة بين المصارف من دون الوسطاء.
اما في موضوع “قانون الحماية العامة للبيانات الشخصــية” الصادر عن البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي في العام 2016، فقد اصدر مصرف لبنان التعميم الأساسي رقم ١٤٦ تاريخ 13/09/2018 الى المصارف والمؤسسات المالية المتعلق بأصـول التعامـل مـع هذا القــانون الذي “لا يتعرض ولا يؤثر على عملية مكافحة تبييض أموال وتمويل الإرهاب”.
اما المعاملات الإلكترونية، فقد اصبحت واقعاً يومياً، الا انها في الماضي كانت تتم في ظل فراغ تشريعي حتى شهر أيلول/سبتمبر ٢٠١٨ حيث صدّق مجلس النواب قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي الوارد بالمرسوم رقم 9341 تاريخ 17/11/2012 كما عدلته اللجان النيابية المشتركة ومجلس النواب.
في ختام كلمته، وجه سلامه رسالة الى المصارف بالاشارة الى ان “تزايد العمليات والتقنيات الالكترونية سوف يؤدي الى إرتفاع نسبة المخاطر وعمليات القرصنة والإحتيال، وعلى العاملين في القطاع الإعداد لهذه الخطوة المُرتقبة وعدم انتظار القوانين والتعاميم”.
مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، شرح ان مؤسّسة قوى الأمن الداخلي، بدأت من ضمنِ خطتها الاستراتيجية، بمكننة مختلف القطاعات، وانها قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجالِ، متمنيًا ان تصل الى مكننة كاملة خلال السنوات القليلة القادمة.
وقال “لتأكيدِ أهمّيةِ الأمنِ السيبراني في لبنان، اتّخذَ دولةُ رئيسِ مجلس الوزراء سعد الحريري قرارًا بإنشاءِ هيئةٍ وطنيةٍ للأمنِ السيبراني، ممثلة بمختلفِ الوزاراتِ والقطاعات والأجهزة الأمنية والعسكرية، لإعدادِ خطّة وطنية لتأمين الفضاءِ السيبراني، في المستوى العالمي، ولحماية المواطنين والتبادلات الاقتصادية والتجارية كلّها، من أيّ تهديدٍ محتمَل”. وأوضح ان هناك أهمية كبرى لحماية مختلفِ قطاعات الدولة والمؤسّساتِ العامة والخاصة، والمواطنين كافّة، حيث تمّ استحداث قطعات جديدة عدة لمكافحةِ مختلفِ أنواعِ الجرائم التي تطال هذه القطاعات. “لكن خلال العام 2018، لا تزال الشركات التجارية اللبنانية تتعرّض لأنواع عدة من القرصنة الإلكترونية، ولاسيّما بواسطةِ البريد الإلكتروني، الأمر الذي تسبب بخسائرَ مادّيةٍ كبيرة، وإفلاسِ العديد من المؤسّساتِ التجارية. وبيّنت الإحصاءات أنّ هذه الجرائم ما زالت تحصل وبوتيرة عالية، وتخطّت الأربعين شكوى، وتقدّم بها المتضرّرون خلال العامِ 2018 حتّى تاريخِه، رغمِ الجهد الذي بذلناها للحدِّ منها”. كما شرح عثمان ان مؤسسة قوى الأمن شاركت في درسِ المواد في مشروع قانون المعاملات الإلكترونية، والبياناتِ ذات الطابعِ الشخصي الذي تمَّ إقرارُه في مجلسِ النواب، “وهذا يضعُنا أمام تحدّيات جديدة، إذ أنّ إقرار هذا القانون، سيؤدّي الى ظهور أنواعٍ جديدةٍ من الخدماتِ عبر شبكة الإنترنت في مختلف المجالات، ممّا يفتح الباب أمام المجرمين لارتكابِ جرائم معلوماتية والكترونية جديدة، وهذا من شأنه أن يؤدّي الى ارتفاعِ وتيرة هذه الجرائم”.
وانتقل عثمان الى الحديث عن مسألة حرية التعبير، فقال ان لدى قوى الأمن القانون رقم 17 لحماية أمن المجتمع والذي تنصّ صفحته الأولى على مهام قوى الأمن في اطار الضابطة الإدارية لحفظ الأمن والنظام والممتلكات والحريات التي “هي غير مطلقة” ولا يجب أن تأتي في اطار مخالفة القانون والمسّ بهيبة الدولة. اضاف “صحيح اننا ضابطة عدلية لكن حفظ الأمن هو من واجباتنا في اطار الضابطة الإدارية. ويمكن ان نتدخل فورًا في كل ما يؤدي الى التهديد بالأمن والسلم الأهلي… لا يحوز التطاول على بعض رموز الدولة او الشهداء الرموز وهذا سيؤدي الى فتنة وانا لن أسمح بحصول ذلك، ولذا فإن كل من يخالف القانون في كل المجالات سيكون مصيره السجن”.
الأمين العام لهيئة التحقيق الخاصة عبد الحفيظ منصور فسر ان الوقاية والتوعية على المخاطر من هذ النوع تبقى العلاج الأفضل، “ولأجل ذلك اطلقنا المؤتمر الأول للحماية من الجرائم الإلكترونية في العام 2015 للتعريف بها والتوعية على مخاطرها، وتلا ذلك مؤتمرات سنوية تعقد لهذا الغرض منذ العام 2015. وكان من نتائج ذلك الجهد المتواصل أننا اصدرنا خلال المؤتمر السنوي الثاني الدليل الإرشادي للوقاية من هذه الجرائم.. ونتيجة لمتابعة ودراسة احصائيات القضايا الواردة للهيئة، تبيّن لنا تراجعًا في عدد حالات الانخداع بواسطة البريد الالكتروني التي تتعرّض لها المصارف، من 32 حالة في الأشهر التسعة الأولى من العام 2017 الى 23 حالة في الفترة عينها من العام 2018”. اضاف “في المقابل، لاحظنا تراجعاً مماثلاً في الحالات التي يتعرّض لها الأفراد للخديعة بواسطة الرسائل الإلكترونية المزوّرة، من 95 حالة في التسعة أشهر الاولى من العام 2017 الى 89 حالة في الفترة عينها من العام 2018”. واوضح ان نتيجة الجهود افضت الى تلمس نلمس نتائج ايجابية حيث ان الأرقام الإجمالية لحالات القرصنة بواسطة البريد الإلكتروني أخذت تشهد استقراراً وتراجعاً في حالات المصارف. فبعد ان وصلت نسبة الزيادة الى 65 في المئة بين عامي 2014 ـ 2015 تراجعت الى ما نسبته 60 في المئة بين 2015 ـ 2016 والى 23 في المئة بين ٢٠١٦ ـ 2017 ومن ثم الى 15 في المئة في الأشهر التسعة الأولى بين عامي 2017 ـ 2018.
وختم منصور متحدثًا حول تطبيق قانون المعاملات الإلكترونية فقال: “لقد كانت مخاطر الجرائم الإلكترونية في لبنان محصورة نسبياً بما تكلمنا حول انتهاك البريد الإلكتروني، الا ان لبنان وبعد اقرار قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي الذي سيفتح الباب واسعاً للمعاملات الإلكترونية، سوف يكون معرّضاً لأنواع جديدة هي قديمة بالنسبة للدول الأخرى. ولذلك، وإن كان القانون الجديد يفتح فرصاً جديدة للأعمال الإلكترونية، إلا انه يفتح الباب واسعاً على مخاطر جديدة، الأمر الذي يتطلب العمل سريعاً على وضع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني والعمل اكثر على الحد واقول الحد من المخاطر القادمة التي لن يكون لبنان بمنأى عنها مستقبلاً”.
الأمين التنفيذي لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الوليد آل الشيخ قال ان الجريمة الإلكترونية تعدّ إحدى أخطر أنواع الجرائم التي تواجهها الدول والمجتمعات في ظلّ الانتشار السريع والمتزايد لاستخدام الإنترنت والتطور المستمر في تقنيات الاختراق والقرصنة والاحتيال الإلكتروني، إذ تفوق الخسائر السنوية الناجمة عن هذه الجرائم 500 مليار دولار، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود لمكافحة هذا النوع من الجرائم من خلال التوعية وسنّ التشريعات واتخاذ التدابير لتطوير أنظمة حماية تقنية وتشغيلية.

