- تشرين الاول/أكتوبر رقم 347 – المراقب المالي

محاولة تدمير المرفأ… هي محاولة تدمير جذورنا وتاريخنا

إن محاولة تدمير مرفأ بيروت هي محاولة لتدمير جذورنا وتاريخنا. أن أصلنا الفينيقي، وبكل فخر، إبتدأ من خلال إنفتاحه على العالم عبر البحر المتوسط، حيث دار حول العالم بأسطوله المبني من خشب الأرز اللبناني، الذي لا يلين ولا يغرق، والذي صدّر هذا الخشب إلى العالم، وصُدّرت معه معرفة الفينيقيين وثقافتهم، والكلمة والحرف، ونجاحاتهم إلى العالم عبر المرافىء الساحلية ولا سيما مرفأ بيروت الذي تحوّل في ما بعد إلى مرفأ العاصمة اللبنانية.

إن محاولة تدمير المرفأ هي محاولة تدمير الاقتصاد الأبيض، وهو أسس إقتصادنا المتمثل بالإستيراد والتصدير، والصناعة والتجارة، والخدمات والزراعة والصناعة والسياحة بإعتبار أن هذه القطاعات هي الأسس الاقتصادية في لبنان التي تُصدَّر عبر المعابر الشرعية والتي يمتلكها لبنان ولا سيما مرفأ بيروت، والتي تترجم إنفتاحنا على حوض المتوسط. لذا إن محاولة تدمير الاقتصاد الأبيض هو محاولة تدمير نجاحات وإبتكارات اللبنانيين. إن أساس نجاح الاقتصاد اللبناني يكمن من خلال التصدير والإستيراد المنتج حيث بُني إقتصادنا.

إن محاولة تدمير المرفأ يعني محاولة تدمير بيوتنا، حيث دخل الإجرام إلى صُلبها، إذ أوقع تفجير المرفأ نحو ٢٠٠ قتيل ضحية وزهاء ٦ ألآف جريح وترك ٣٠٠ ألف شخص مشردًا من دون مأوى أو بيت يحويه، في ظل عجز أكثر من نصف عدد الشركات اللبنانية الموجودة في لبنان التي لم يعد بمقدورها متابعة عملها من مواقعها الطبيعية.

إن محاولة تدمير المرفأ هي محاولة تدمير ذكائنا وإرادتنا، إذ يُحاول المجرمون أخذ صُلب الموضوع إلى ما أشعل النيران، عوضًا عن التركيز على المادة المتفجرة والكيميائية التي أشتعلت وإنفجرت، وهنا أساس المشكلة. فالأولوية القصوى يجب أن تبدأ من: كيف أدخلوا إلى المرفأ نحو ٢٧٥٠ طن من نيترات الأمونيوم المتفجرة ووضعوها تحت بيوتنا ست سنوات وصنعوا من هذه المواد قنبلة نووية، مدمّرة عن معرفة أو عن عدم معرفة.

في حال هذا الإجرام كان عمدًا فهو إجرام كبير لا يُغتفر، أما في حال هذا الإجرام كان من دون معرفة او جهل فهو إجرام أكبر مما نتصوره، إذ مرة أخرى يدفع المواطنون الأبرياء والاقتصاد وكل اللبنانيين في لبنان والعالم ثمن هذه الكارثة المدوية.

كلّنا نعلم أن مَن أشعل النيران هو الفساد المستشري وعدم المحاسبة والاقتصاد الأسود. إن هذا الإنفجار دمّر الاقتصاد الأبيض وفجّر الاقتصاد الأسود الذي هو إقتصاد الفساد وعدم المحاسبة وعدم الشفافية والمحاصصة وتوزيع المكاسب، هذا هو الذي إنفجر وأشعل النيران.

يُمكن أن يدمّروا المباني، ويُحطّموا الزجاج، حيث سنُعاود بناءهما بكل تأكيد، لكن الأهم من كل ذلك والأكيد الذي لا يُمكن أن يُدمّر وهي الإرادة اللبنانية، وحبّنا للحياة والحماس حيال إعادة الإعمار على اسس جديدة ومتينة.

رسالتنا تكمن حول حبّنا للحياة وإعادة الإعمار حيث لا يُمكن أن ينتهي، لذا أؤكد أن إنفجار المرفأ أدى إلى «إنفجار» (بالمعنى الإيجابي) إرادتنا وحبّنا للبنان واقتصاده. بناءً عليه، لا ولم نهرب أو نتهرّب من مسؤولياتنا، بل سنبقى في بلدنا وسنعود إلى بناء كل مبانينا وشركاتنا ولا سيما مرفأ بيروت، وذلك على أسس من الشفافية، وعلى ركائز الاقتصاد الأبيض وليس على ركائز الاقتصاد الأسود، لأن إعادة بناء المرفأ على أسس الاقتصاد الأسود يعني أننا سنُعرّضه إلى الإنفجار مرة ومرتين وثلاث وأربع مرات وأكثر. إن حلنا الوحيد هو إعادة بناء المرفأ على أسس الاقتصاد الأبيض والبنّاء والشفاف والمنتج.

إن الذي يدوم هو حقيقة بلدنا وإقتصادنا ونجاحنا اللبناني الذي إنتشر في كل أنحاء العالم، والذي لا يُمكن أن ينتهي. كما السفينة الفينيقية، التي كانت تخرج من هذا المرفأ ومن أي مرفأ فينيقي آخر، حيث صدّرت الحرف إلى العالم، لذا فإن سفينة الاقتصاد اللبناني ستخرج من كل لبنان ولا سيما من كل معابره لتصدير معرفتنا وحبّنا للحياة، وإعادة إعمار ما دُمّر، حيث عُرفنا أننا من رواده، ولا يُمكن أن نتنكّر لهذه المعرفة المتعلّقة بالحياة والإزدهار والحضارة.

رسالتي إلى كل الشهداء والجرحى والمفقودين الذين راحوا ضحية هذا الإنفجار النووي بأن دماءهم لم تذهب هدرًا، فهؤلاء شهداء الوطن الحبيب لبنان، وشهداء الاقتصاد وإنفتاحنا على الحياة والحضارة، فيما أكرر أن المسبّب الأساسي هو الفساد وعدم الشفافية والمحاسبة. فإذا لم نستطع أن نُحاسب الفاسدين والمجرمين اليوم، فعلى الأكيد إن التاريخ سيُحاسبهم وسيرميهم في مزبلته، ولن ننسى هذا التاريخ المحفور في عقولنا وقلوبنا ودموعنا وقهرنا».

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة