«كورونا يغلق العالم»
ثلاث كلمات تختصر واقع العالم بقاراته ودوله وقدراته وإنجازاته… التي عجزت عن إيجاد العلاج لجرثومة لا تُرى بالعين المجردة.
جرثومة تخاطب الواطئين أرض القمر والذاهبين إلى المريخ والمبحرين في أعالي المحيطات. جرثومة تتحدى أقوى اقتصادات العالم فتجعلها تترنّح تحت ضرباتها المتلاحقة. جرثومة أقفلت المدن وحاصرت الدول. أقامت الحواجز بين الأمم والشعوب ودفعت الإنسان للإحتماء والإختباء والتقوقع داخل جدران الخوف والذلّ والإستسلام. حتى القادة والرؤساء والعظماء باتوا أصواتًا تناجي العلماء لقاحًا يعيد ترتيب الأولويات والأدوار.
كل طائرات العالم جثمت بلا حراك في مطارات مُقفرة. أساطيل البحر توقفت في مرافئها. شاشات البورصات العالمية تلونت بالأحمر. حركة الأسهم في إتجاه إنحداري واحد. أسعار النفط في الحضيض… اقتصادات العالم تتهاوى. الإنسان يعلن عجزه في مواجهة جرثومة لا تُرى حتى بالعين المجردة.
في والتوقعات والأرقام.
توقعت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، «أن يؤثر تفشي وإنتشار فيروس كورونا سلبًا في تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر العالمي، موضحة أن إنتشار الوباء الذي يراوح بين الإستقرار على المدى القصير والإستمرار على مدار العام، سيكون الضغط النزولي على الإستثمار الأجنبي المباشر بين ناقص ٥ في المئة إلى ناقص ١٥ في المئة، مقارنة مع التوقعات السابقة التي رأت نموًا هامشيًا في إتجاه الإستثمار الأجنبي المباشر للفترة ٢٠٢٠– ٢٠٢١. وسوف يتركز الأثر على الإستثمار الأجنبي المباشر في الدول الأكثر تضررًا من الوباء، على الرغم من أن صدمات الطلب السلبية والأثر الاقتصادي لاضطرابات سلسلة العرض سيؤثران في آفاق الإستثمار في دول أخرى».
وأضافت المنظمة «لقد أثّر فيروس كورونا على حركة النفط العالمية وخفّض الطلب على مصافـي التكرير الصينية بشكل خاص. وأثار تفشي الفيروس حالاً من الهلع بين الدول المنتجة للنفط التي تعتمد بشكل خاص على نمو الاقتصاد الصيني وبالتحديد أعضاء منظمة أوبك المصدرة للنفط، حيث أدت الإجراءات الوقائية التي إتخذتها الصين للحد من إنتشار الكورونا، وبالتحديد تلك المتعلقة بوسائل النقل الجوي والبري والنهري، إلى إنخفاض كبير في واردات النفط، لأن الصين هي أول مستورد للنفط وثاني مستهلك له عالميًا».
الوباء ألحق ضررًا كبيرًا في صناعة السيارات في الصين وحول العالم، حيث قررت الشركات تصنيع سيارات عالمية وقف الإنتاج بمصانعها في الصين بسبب تفشي فيروس كورونا. وتشير الإحصاءات إلى أن مقاطعة «هوبي» الصينية والتي هي الأكثر تضررًا من تفشي الفيروس، يتم فيها إنتاج نحو مليوني سيارة سنويًا في نحو ۱۰ مراكز إنتاج، وهو ما يعادل نحو ٨٪ من إنتاج السيارات في الصين. ومقاطعة «هوبي» أهم مركز في الصين لإنتاج المركبات التجارية الصغيرة بعد مقاطعة غوانغدونغ. وتشير المعلومات إلى أن توقف إنتاج السيارات غير منحصر حاليًا في مقاطعة «هوبي» فحسب، بل إمتد إلى مقاطعات أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن الصين تمثل سوقًا هامة جدًا بالنسبة لشركات صناعة السيارات الألمانية خصوصًا».
في اقتصادات الدول.
الصين، ثاني قوة اقتصادية في العالم مع ناتج محلي يبلغ حوالي ١٤ تريليون دولار أميركي، ما يمثل ١٦٪ من حجم الاقتصاد العالمي و١٢٪ من إجمالي الصادرات السلعية للعالم… تواجه تحديًا قويًا سيؤدي إلى تراجع في النمو قد يطيح ما أنجزته خلال العقود الماضية.
الولايات المتحدة الأميركية أعلنت عن حوافز للشركات وتيسير مالي وخفض أسعار الفائدة إلى الصفر… في محاولات لكبح تأثيرات الفيروس على الاقتصاد الأول في العالم.
الدول الأوروبية المنقسمة بين الإقتناع بضرورة تفشي الوباء بين السكان لإكتساب المناعة والمتصدية له، متأخرة، بإجراءات متعددة، خفّضت توقعات نموها بنسب تتراوح بين نصف وواحد في المئة، تختلف بإختلاف مدة إنتشار الوباء وتأثيراته المتنوعة.
تراجع أسعار النفط في شكل دراماتيكي سيترك آثارًا سلبية على اقتصادات الدول العربية، التي تعاني أصلاً من مشاكل جيوسياسية واقتصادية عدة.
يؤكّد البنك الدولي في تقاريره الحديثة أن الاقتصاد العالمي يواجه أسوأ أزمة منذ العام ٢٠٠٨، ولا يشير إلى أرقام ونسب محددة في إنتظار تطورات الوباء وتأثيراته.
*******
عبر القرون، نشأ شيء عُرف بـ «أدب الأوبئة». منها ما سمّي «الموت الأسود» و«الموت الأحمر» وكتب الأدباء روائع تؤرخ لتلك المراحل.
أعادنا كورونا إلى أحزان القرون الوسطى وملاحم الإغريق وأساطير الآلهة الغاضبة والمجهول القادم من علم الأرقام والتنبؤات…

