في العام ١٩٨٧، قام الرئيس الأميركي رونالد ريغان بزيارة برلين وتلفظ بقول تاريخي: غورباتشوف، اهدم هذا الجدار! لقد سقط جدار برلين بعد ذلك بعامين فقط، حيث بدأ عصر الانفتاح والتعاون عبر الحدود والعولمة.
وبعد ثلاثة عقود، تغيّر المزاج العالمي بشكل كبير. ففي السنوات القليلة الماضية وفي العصر الذي يحكم فيها حكام بعقليات تصر على بناء جدران بمختلف أشكالها، شهد العالم عودة إلى القبلية و«عقلية الحصن». اليوم، يوجد حوالي ٦٥ دولة يوجد أسوار على طول حدودها. لقد وصل نصفهم إلى حيّز الوجود خلال العشرين عامًا الماضية. من الواضح أن اتجاه بناء الجدران هو اتجاه عالمي. وقد شاركت الحكومات في إفريقيا وآسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأميركا الشمالية في هذه الممارسة. بعض الجدران مشهورة جدًا، مثل الحدود التي تفصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.
على مرّ القرون والقارات، يمكن أن تكون الجدران حقيقية أو مجازية. اليوم، العالم يخلق جدرانًا طوعية والجميع يرحب بها، انها «الجدران الصحية» لاحتواء فيروس كورونا.
قال باراك أوباما أمام جمهور في أثينا خلال زياراته الخارجية الأخيرة كرئيس للولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٦: «إذا كان عليك اختيار لحظة في التاريخ لتولد، فستختار الآن». هل كان أوباما مفرطاً في التفاؤل وخارجًا عن محيطه؟ فإن شُرطة مكافحة الشغب كانت قد انشغلت في كبح الآلاف من المتظاهرين اليونانيين، حيث أعلن أوباما ذلك الاعلان. فهل العالم اليوم أكثر ثراءً وأفضل تعليمًا وأكثر صحة وأقل عنفًا مما كان عليه بالأمس؟! أترك الجواب للقارئ ليقرر بنفسه.
فالجدران التي تفرضها المتطلبات الصحية اليوم جدران ايجابية هدفها تطهير العالم من احدث الفيروسات الذي أطل برأسه من الشرق. وتنقَلَ، عن طريق رذاذ الفم والاسطح الملوثة والمصافحة ولمس الأعين والأنف والفم، من شخص لآخر، ومن دولة لأخرى، قافزًا فوق الجدران غير آبه بمدى ارتفاعها ومن خلفها ليصل دون تأشيرات دخول «حتى ساعة كتابة هذا المقال» الى أكثر من ١٠٤ دول.
قطاعنا الصحي بمختلف مكوناته قطاع ناجح. قدرة القطاع على احتواء حالة فيروس الكورونا ترفع معنوياتنا وتؤكّد لنا أننا بخير. تعاون مختلف القطاعات مع بعضها البعض ومع الحكومة في هذه المرحلة الحرجة على مستوى العالم أمر مطلوب. تعاون الشعب بمختلف مكوناته سيساعد بلدنا في تخطي هذه الفترة بنجاح. كل يوم نرى خطوة صحيحة بالاتجاه الصحيح نحو العمل المؤسسي الذي سيمكّننا من تخطي هذه المرحلة، وتَقبُل آخر جدار فرض لمصلحتنا ومصلحة البشرية جمعاء.
من المبكر جدًا الخروج بعبرة أو بدرس من تجربة فيروس كورونا. الا أن الدرس الواضح الذي يمكن أن نخرج به ولو مبكرًا هو تقوية اقتصادنا بالمزيد من الاعتماد على الذات، وخاصة في غذائنا وملبسنا. أعرف أنه لا توجد مشكلة لدينا في الأمن الغذائي وفي المخزون الغذائي، الا أن الدرس الذي يجب أن نقرأه مبكرًا، هو المزيد من تشجيع قطاع الزراعة وتشجيع اقامة التعاونيات والمشاريع في الريف والقرية والبادية والمزيد من اللامركزية ليس في حرية إبداء الرأي وانما في اتخاذ القرار.

