يؤكد رئيس مجلس إدارة جمعية مصارف البحرين والرئيس التنفيذي لمجموعة البركة المصرفية الأستاذ عدنان أحمد يوسف وجود الأنظمة والقوانين والتشريعات المتطورة لديمومة ونمو القطاع المصرفـي في البحرين، مؤكدًا أن التعاون كان ولا يزال قويًا بين القطاع المالي والحكومة، حيث تستمع السلطات الرقابية دائمًا إلى آراء وملاحظات المسؤولين العاملين في المؤسسات المالية، بما يؤدي الى تطور عمل هذا القطاع بشكل دائم.
ويشير يوسف إلى العمل الذي بذل على امتداد عقود من الزمان منذ انطلاقة الحركة المصرفية الإسلامية في العقد السابع من القرن العشرين، لافتًا إلى القاعدة الصلبة التي استمدت الحركة المصرفية الإسلامية منها قدرتها في الابتكار، والصمود والنمو على حد سواء، مشيرًا إلى أن مجموع الأصول في المصارف الإسلامية العالمية بلغ ما يقارب ٣ تريليونات دولار.
الأستاذ عدنان أحمد يوسف ركنٌ من أركان العمل المصرفـي الاسلامي والعربي على حد سواء، له حضورٌ مميزٌ وفاعل في جميع المحافل المصرفية والمالية العربية والعالمية.
* أخبرنا عن نشأة المصارف الإسلامية في البحرين
في العام ١٩٧٩ تأسس أول مصرف إسلامي في مملكة البحرين وهو بنك البحرين الإسلامي، أي أننا نحتفل اليوم بمرور أربعين عام على بدايات العمل المصرفـي الإسلامي في البحرين. لكن نقطة التحول الرئيسية حدثت في منتصف الثمانينات عندما عمل محافظ مصرف البحرين المركزي حينها (مؤسسة نقد البحرين آنذاك) عبد الله سيف على وضع التشريعات المصرفية المتكاملة لانطلاقة العمل المصرفـي الإسلامي وتسهيل إجراءات تأسيس المصارف الإسلامية. ونجحت البحرين آنذاك في احتضان المصارف الإسلامية، وفتحت تلك الخطوة المجال أمام تلك النوعية من المنتجات المصرفية، ولو تأخرت تلك المبادرة لكان من الممكن أن تذهب المصارف الإسلامية الى بلد آخر.
لقد أصبحت مملكة البحرين اليوم مركزًا عالميًا في قطاع الخدمات المالية الإسلامية، والدولة المضيفة لأكبر تجمّع من المؤسسات المالية الإسلامية في الشرق الأوسط. وتضم منظمات وهيئات هامة لتطوير الخدمات الإسلامية كما تضم ٦ مصارف إسلامية في قطاع التجزئة و١٥ مصرف اسلامي في قطاع الجملة و١٤ نافذة تابعة للمصارف التقليدية و٦ شركات تأمين تكافلي وشركتان لإعادة التكافل تمارس نشاطها في المملكة. كما أصبحت البحرين أيضًا سوقًا رائدة للسندات الإسلامية (الصكوك)، تشمل الصكوك الحكومية قصيرة الأجل وصكوك الإجارة. وقد لعب المصرف المركزي دورًا أساسيًا في طرح هذه المنتجات المبتكرة.
لقد كان النمو في قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية كبيرًا، حيث قفزت الموجودات الإجمالية في هذا القطاع من ١،٩ مليار دولار أميركي في العام ٢٠٠٠ إلى ٢٨ مليار دولار أميركي في ٢٠١٨ أي بزيادة فاقت أربعة عشر ضعفًا. كما ارتفعت حصة المصارف الإسلامية من السوق من ١،٨٪ من مجموع الموجودات المصرفية في العام ٢٠٠٠ إلى ١٤،٥٪ في ٢٠١٨.
وبالإضافة إلى المؤسسات المالية الإسلامية الكثيرة في القطاع المالي البحريني، تستضيف مملكة البحرين أيضًا عددًا كبيرًا من المنظمات والهيئات الهامة لتطوير الخدمات الإسلامية، منها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية والسوق المالية الإسلامية الدولية والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية والوكالة الإسلامية الدولية للتصنيف ومعهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية – مركز دراسات التمويل الإسلامي.
* كيف تساند المؤسسات المهنية المصرفية النظام المصرفـي في البحرين؟
ان جمعية مصارف البحرين هي أحد الواجهات الرئيسية المساندة لتمثيل مصالح المصارف والمؤسسات المالية لدى البنك المركزي والوزارات الأخرى المعنية. والجمعية لها ميزة تواجد مجموعة من الأجانب في مجلس إدارتها، وهذا الأمر قد لا يكون موجوداً في معظم البلدان، حيث أن الأعضاء لأية جمعية مصرفية في أي بلد يكونون من أبناء البلد ذاته. أما في البحرين فإن التمثيل في مجلس إدارة الجمعية يتضمن عددًا من مسؤولي المصارف الموجودة في البحرين. وهذا يعطي الجمعية بعدًا ملائمًا لتمثيل مصالح البنوك الأجنبية العاملة في البحرين.
*ماذا عن مستقبل المصارف الإسلامية وقدرة منتجاتها على المنافسة؟
لدينا نظرة تفاؤلية عن مستقبل المصارف الإسلامية بأنواعها المختلفة في البحرين، لكون تطور هذه البنوك تم على مدى أربعة عقود وبطريقة شبه منظمة، حيث بدأت كما ذكرنا بتأسيس أول مصرف إسلامي عام ١٩٧٩، تلاها دخول المصارف العالمية ومنها مصارف الأوفشور الإسلامية، ثم توسع تأسيس المؤسسات والبنوك التجارية الإسلامية وبنوك إدارة الأصول والمحافظ الاستثمارية. ولذلك كانت المصارف الإسلامية تنمو بنفس طريقة نمو المصارف التقليدية. وطوال هذه الفترة استطاعت البنوك الإسلامية وبدعم تام من مصرف البحرين المركزي من مواكبة كافة التطورات المصرفية المحلية والعالمية وتكييف كافة أوضاعها المالية والرقابية وفقًا للتشريعات الحديثة، وفي الوقت نفسه باتت منافسًا رئيسيًا في سوق المنتجات والخدمات المصرفية القائمة على التكنولوجيا الحديثة مما رفع من حصتها في السوق المصرفـي المحلي كما سبق إن أشرنا.
ويبلغ مجموع الأصول في المصارف الإسلامية جول العالم ما يقارب ٣ تريليونات دولار، بينما مجموع أصول كل المصارف العربية يبلغ القيمة نفسها، وهذا يعني أن المصارف الإسلامية استطاعت أن ترفع ميزانياتها بصورة مقاربة لميزانيات المصارف العربية في فترة قصيرة نسبيًا.
* كيف تنظرون الى قرار مصرف المركزي البحريني بخصوص تخفيض الفائدة؟
ان قرار مصرف البحرين المركزي بتخفيض سعر الفائدة الأساسي، والذي جاء متمشيًا مع قرار الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض سعر الفائدة الأميركية، انعكس إيجابًا على القطاع البنكي بشكل خاص، وساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في هذا القطاع.
إلا أننا لو نظرنا على المستوى العالمي، فإننا نجد أن تخفيض سعر الفائدة أسهم في تنشيط الحركة التمويلية وزيادة القروض، إلا أن باقي القطاعات في الاقتصاد العالمي لم تستفد بشكل كبير من هذا التخفيض. لذلك، نحن نرى إن تخفيض سعر الفائدة لا يعتبر الحل السحري لوحده لتحريك الاقتصاد العالمي، إنما يتطلب الأمر استراتيجية اقتصادية متكاملة. ومن الضرورة بمكان الاستفادة من التجارب السابقة في التعامل مع الأزمات، حيث إن الأزمات المالية جعلت بعض الدول تعمل على حلول ترقيعية وجزئية لتلك المشكلة، الأمر الذي لا يحقق الأهداف المنشودة، لذلك لم تشهد الدول الغربية أي نمو ملحوظ خلال الفترة الماضية بسبب غياب الحلول الجذرية لأساس المشكلة، والاعتماد على حلول يمكن وصفها بالترقيعية. في حين أن أساس المشكلة هو وجود قصور في رؤوس الأموال، وتراكم الديون المتعثرة في ظل وجود مشاكل اقتصادية وسياسية أخرى كالحرب التجارية بين الصين وأميركا وتشتت السياسات من قبل البنوك المركزية، مما يدفع رجال الأعمال والشركات إلى النظر للازمات بمداها القصير مع انعدام قدرتهم لرؤية انعكاسات تلك الأزمات بمداها البعيد.
*بالانتقال من واقع البحرين الى المنطقة، هل تعتقدون ان الوضع الاقتصادي لمنطقة الخليج العربي مازال يبعث على التفاؤل؟
أن النظرة الإيجابية تجاه الاقتصاد الخليجي واضحة ومنعكسة في كافة التقارير التي اثبتت استمرار النمو الاقتصادي لدول منطقة الخليج، ومن المتوقع أن تحقق المصارف والمؤسسات المالية في المنطقة أداء أفضل العام ٢٠٢٠ خاصة مع الاستقرار النسبي في أسعار النفط. كما إن دول المجلس عازمة في مواصلة تنفيذ برامج الإنفاق على المشاريع الضخمة وهي محرك رئيسي للاقتصاديات الخليجية في ظل توفر مستويات جيدة من السيولة من القطاع الخاص أيضًا، الذي بدوره سوف يواصل تحريك الاقتصاد بصورة أكبر مدفوعًا بانخفاض إسعار الفائدة والإصلاحات الاقتصادية الهيكلية.
* ما هو انعكاس الأحداث السياسية على المجتمعات العربية؟ وهل للاستقرار المالي علاقة بالاقتصاد؟
كان للأحداث السياسية انعكاسات خطيرة على المجتمعات العربية، حيث أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والأمية واضطرابات أمنية كبيرة،
وأثرت سلبًا على المنطقة العربية بأكملها. كما أدت هذه الأحداث إلى إيقاف العديد من المشروعات بسبب تقلبات أسعار الصرف في الدول، مما دفع إلى هروب الكثير من الاستثمارات الأجنبية، بما يستدعي تفعيل جهود التنمية المستدامة وتعزيز الدور المالي والمصرفـي لأغراض التنمية في جميع انحاء المنطقة العربية. حيث ان المصارف الإسلامية لاتزال رائدة في تمويل المشاريع التنموية والخيرية، كذلك تلعب البنوك التقليدية دورًا كبيرًا في ابتكار منتجات جديدة لدعم وتنمية المجتمع.
تتطلب المرحلة القادمة ترسيخ حالة الاستقرار المالي من خلال فتح الأسواق العربية بين بعضها البيعض، مما يصب في مصلحة القطاع المصرفـي العربي ويجعل المصارف العربية مواكبة للتطورات المالية الدولية.
هناك علاقة وثيقة بين الاستقرار المالي والاقتصادي، حيث ان انضباط البيئة الاقتصادية الكلية يعزز الاستقرار المالي والادخار المحلي.
* بالانتقال الى مجموعة البركة المصرفية، ما هي أبرز ما شهدته مؤخرًا من تطورات؟
تعبيرًا عن صلابة الأوضاع المالية للمجموعة، فقد نجحت مؤخرًا في تسديد جميع التمويلات المشتركة والصكوك التي تتبع فئة (٢)، وذلك بقيمة بلغت ١،١ مليار دولار. ونحن نعنبر ذلك أيضًا تعبيرًا عما تتمتع به المؤسسات المصرفية في مملكة البحرين من تميز وقوة بالمقارنة مع العديد من البنوك الخارجية.
*ما رأيكم بالتحول الرقمي وتطوره داخل المجموعة؟
ركزت مجموعة البركة المصرفية دائمًا على التحول الرقمي كأولوية قصوى ولديها الفضل في تحقيق العديد من الإنجازات، حيث حصلت المجموعة على أحدث جائزة إسلامية كأفضل بنك إسلامي مبتكر في ٢٠١٨FinX. ومن الإنجازات المهمة الأخرى إطلاق موقع البركة العالمي لواجهة برمجة التطبيقات (API) كخطوة نحو الابتكار في مجال الخدمات المصرفية المفتوحة. كما إن البنك الإسلامي الرقمي «إنشاء» هو البنك الوحيد المعترف به على نطاق واسع في ألمانيا ويقدم حاليًا خدماته للسوق الألماني، حيث يشهد إقبالاً كثيفًا من قبل السكان المحليون والمغتربون الذين يتوقون إلى الاستفادة من الخدمات المصرفية الإسلامية الرقمية التي يقدمها. وأخيرًا، تفتخر المجموعة، من خلال وحدتها المصرفية في تركيا، بإنشاء شركة تقنية معلومات جديدة «alneo» في تركيا، وهي تركز على المدفوعات الإلكترونية.
ويعتبر التحول الرقمي أحد اهم الركائز والأهداف الاستراتيجية للمجموعة خلال السنوات الثلاث القادمة.
* ما هي خططكم وتوقعاتكم المستقبلية للمجموعة؟
كما ذكرت في الجواب السابق، لدينا خطة استراتيجية للمجموعة للتحول الرقمي خلال الأعوام الـ٣ القادمة بميزانية مرصودة بلغت ١٠ ملايين دولار. وفي الوقت نفسه تعمل المجموعة على الاستمرار في تطوير المنتجات الحالية ومنها تطوير منتجات وكالة الاستثمار والمرابحة.
كما تواصل المجموعة تطوير الوحدات البنكية التي افتتحتها في عدد من الدول، ومنها المغرب التي وصل عدد فروع وحدتنا المصرفية هناك إلى خمسة فروع، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى عشرة فروع خلال عام ٢٠٢٠.
ونتوقع أن يكون العام ٢٠٢٠ أفضل للمصارف الخليجية مقارنة بعام ٢٠١٩ نظرًا للاستقرار النسبي في أسعار النفط، ما سينعكس بشكل إيجابي على أداء البنوك والمؤسسات المالية من جانب وعلى المشاريع التي تقوم الحكومات بضخها في الاقتصاد من جانب آخر.



