يقول السيد سميح سعاده، مدير عام بنك بيمو، أن الوطن يمر في فترة حرجة للغاية تحتاج الى التوافق والعمل المشترك وتخطي الأنانيات… في محاولة لوقف التدهور الحالي، ووضع خطة إصلاحية شاملة للإنقاذ وإعادة الثقة،
يحلل السيد سميح سعاده التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان، إضافةً الى واقع القطاع وكيفية عمله في ظل هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة، متطلعًا الى ضرورة وضع برنامج إصلاحي متكامل عله يعيد الثقة الى هذا القطاع الذي خسر الكثير من مقوماته وقدراته بعدما كان جوهرة الاقتصاد الوطني.
* دعا مصرف لبنان في التعميم رقم ٥٦٧ المصارف التجارية لزيادة اموالها الخاصة ورفع رساميلها بنسبة ٢٠٪ وتكوين المؤونات مقابل محافظها من التوظيفات السيادية،،، ووضع خطة شاملة بذلك وتزويد مصرف لبنان بها،،، ضمن تواريخ محددة، تحت طائلة إتخاذ اجراءات تصل إلى سحب التراخيص ونقل الملكية إلى مصرف لبنان…
– ما هي خطة عملكم وإستراتيجيتكم في هذا المجال؟
يمر الوطن في فترة حرجة تحتاج إلى التوافق والعمل المشترك وتخطي الأنانيات في غياب تام للقيمين على البلد، ومصرف لبنان المعني مباشرة بالسياسة النقدية والمسؤول المباشر عن القطاع المالي، يحاول المستطاع لإصدار التعاميم التي تنظم وتسهل عمل المؤسسات المالية وتجعلها قادرة على الإستمرار في ظل الإنحدار والتدهور اليومي الذي نعيشه، ونشير إلى أنه لزام على القطاع المالي التقيد بتعاميم مصرف لبنان وتوجيهاته التي تنطلق مبدئيًا من نظرة شاملة ومقاربة عملية للسياسة النقدية التي تطبق.
إن التعميم ٥٦٧ هو أحد التعاميم التي تهدف إلى تعزيز القطاع المصرفـي بزيادة رؤوس الأموال ووضع خطة علمية شاملة تعكس الواقع المستجد علنا نستطيع المحافظة على استمراريتنا وإيداعات وادخارات العملاء في انتظار حل سياسي ما، كي نعيد جزءًا من الثقة التي هُدرت إذا لم نقل اغتيلت، ونحن في بنك بيمو سوف نتابع الخطة التي نعمل بموجبها، وهي العمل المصرفـي السليم وتأمين خدمات مصرفية مشخصنة مميزة للأفراد والشركات، فهدفنا لم يتغير لكنه تم تعديل الخدمات وطريقة التنفيذ لتعكس الواقع الجديد، إن كان من ناحية الرقمنة (Digitalization) أو العمل عن بعد (Telecommuting) أو لناحية الخدمات المستجدة التي يحتاجها العملاء في ظل التدهور الملحوظ في قيمة العملة وعدم المقدرة على التحويل أو الإستيراد وتأثيرها على الأعمال وحياة المواطنين، أما المقاربة الأساسية التي بدأنا التركيز عليها، فهي التزامنا بمسؤوليتنا الإجتماعية التي نعتقد أنها واجب على كل فرد ومؤسسة لكي نساعد في تخطي الأزمة ونعيد الحياة لمجتمع يعاني من التدهور والإنحدار الاقتصادي، إنه الحس الإجتماعي ومسؤوليتنا لأننا كنا وسنبقى في هذا المجتمع الذي نتشارك فيه رغد الحياة وبؤسها.
* التعميم رقم ١٥٤ الذي فرض على المصارف «حث» عملائها من المودعين والمستوردين لإعادة ١٥٪ من تحويلاتهم التي نفذت إعتبارًا من أول تموز/يوليو ٢٠١٧ ووضعها في حساب مجمد لمدة ٥ سنوات، وفرض على أعضاء مجالس اداراتها وسائر الأشخاص المعرضين سياسيًا إعادة ٣٠٪ إلى حسابات مجمدة لمدة ٥ سنوات أيضًا…
– ما رأيكم بمندرجات وأسباب هذا التعميم؟
– هل بدأتم بتنفيذه؟ وما مدى التجاوب؟
التعميم ١٥٤ هو محاولة لمساعدة المصارف في استقطاب أموال جديدة لتستطيع القيام بما يلزم وتكوين احتياطات تحتاجها، ولمساعدة الاقتصاد ولإستيراد احتياجات البلد الأساسية، وبالرغم من وجود خلاف حول قانونية هذا التعميم في ما يختص بالمفعول الرجعي وحقوق العملاء في التحويل، فإننا نقوم بالتحضير الكامل للتطبيق بحسب مندرجات التعميم ولكننا نعمل مع المصارف والبنك المركزي على التوافق على طريقة موحدة نعرضها على العملاء فتكون جميع المعايير موحدة في جميع المصارف وفي رسالة واحدة، أما مدى إلتزام وتجاوب العملاء، فلا نستطيع حتى الآن التكهن به ولكننا سنقوم بما يتوجب علينا وبما هو مطلوب.
* التعميم رقم ٥٧٣ الذي أصدره مصرف لبنان والهادف إلى تجفيف السيولة أصاب القطاع المصرفـي كما المؤسسات التجارية والمواطنين…
– ما هو تقييمكم لهذا التعميم؟ وهل أدى دورًا في الحد من المضاربات على سعر صرف الليرة؟
ليس الهدف من التعميم رقم ٥٧٣ تجفيف السيولة، ولكن العمل للحد من المضاربة والإرتفاع التدريجي في أسعار الدولار، فنحن نعيش في اقتصاد نقدي (Cash Economy) والكتلة النقدية التي تُسحب من المصارف لا تعود بسبب المضاربة أو لفقدان الثقة، لذلك ما قام به مصرف لبنان مبرَر وهو محاولة يلجأ إليها لتجنب التضخم الذي أصاب البلد بالركود وفقدان القدرة الشرائية وأتى بالفقر، مما يوجب العمل على الحد قدر الإمكان من الغلاء، عل المسؤولون يعودون إلى رشدهم ويبدأون العمل بما انتُدبوا له وما هو متوجب عليهم.
* بعد خسائر كبيرة وغير مسبوقة لحقت بالقطاع المصرفـي اللبناني خلال العام ٢٠١٩، تراجعت معدلات الخسائر خلال النصف الأول من العام ٢٠٢٠…
– ما هي الأسباب؟
– متى تعتقدون بعودة المصارف إلى تحقيق الأرباح؟
إن استثمارات المصارف المتوسطة الأجل لدى البنك المركزي وهبوط الفوائد على الودائع، كانت السبب الرئيسي وراء الأرباح التي صرحت عنها المصارف، أما خسائر عام ٢٠١٩، فلقد عكست خسائر الإستثمار في سندات الخزينة التي توقفت عن الدفع في شهر آذار/مارس الماضي والمخصصات التي اتخذتها المصارف على محافظها تحوطًا وانعكاسًا لتردي الحالة الاقتصادية وإقفال الأعمال وانعدام الثقة، إن قرار الحكومة بالتوقف عن الدفع كان له الأثر الكبير في الإنهيار الاقتصادي الذي نواجهه، ولا يمكن عكسه قبل إعادة الثقة بدءًا بالتزام السياسيين لمسؤولياتهم ضمن رؤية واضحة وخطة جدية عملية تكافح الفساد وتقوم بالإصلاحات.
* قانون تقييد حركة السحوبات والتحويلات (كابيتال كونترول) ما أهميته؟ ولماذا لم يوضع موضع التنفيذ منذ بدء الأزمة؟ وهل تعتقدون أنه سيقر؟ ووفق أية صيغة؟
الكابيتال كونترول كان لازمًا تشريعه بسرعة منذ بدء الأزمة لتوجيه العمليات المصرفية والحد من الإستنسابية التي جرت، فإقرار هذا القانون ولو متأخرًا يبقى حاجة ماسة لتنظيم وترشيد العمليات المصرفية ولكي تستطيع المصارف البدء بوضع خططها آخذة بعين الإعتبار المستجدات المالية والتي تحتاج إلى كثير من الجدية علنا نستطيع إعادة بناء ما تهدم، وهذا القانون قد يعطي الثقة وينظم التحاويل والإستثمار في لبنان لأن تدفق الأموال مجددًا لا يمكن إلا في ظل قانون ينظم هذه العلاقات، فالمستثمر يحتاج إلى تأكيد بأن القانون يحميه وإلى سلطة تحظى بالجدية والمهنية.
* هل تعتقدون ان حكومة الرئيس سعد الحريري ستعيد تصويب المعالجة مع صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان والقطاع المصرفـي خصوصًا والواقع المالي والنقدي عمومًا (…) وما هي اقتراحاتكم في هذا المجال؟
إن الإختلاف الجذري بين الخطط التي قُدمت لصندوق النقد الدولي والخلاف المستشري بين أهل السلطة كان لهما تأثير سلبي على مصداقية وجدية الحكومة، مما أدى إلى تأخير المساعدات التي نحتاج إليها، فتآكل الاقتصاد وتلاشى الأمل، ولا نزال ننتظر تشكيل الحكومة الجديدة علَنا نصل إلى قواسم مشتركة مع الصندوق والبدء بالنهوض بالبلد، إن مساعدة صندوق النقد لازمة لأي حل نريده، لقد أصبحنا في وضع اقتصادي واجتماعي ومالي لا نُحسد عليه ولا نزال نبحث عن بدء للحل بدون إعتبار لضيق الوقت وأهميته، وعدم الإتفاق على خطة موحدة للأرقام والتطورات المتتالية منذ ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ وعدم جدية أهل السلطة في مواجهة الأخطار، أدت إلى ما يمكن اعتباره بدء خسارة الثقة في القطاع المصرفـي الذي كان واجهة لبنان والرافعة للاقتصاد.
* أصيب القطاع المصرفـي اللبناني بانتكاسة كبيرة أدت الى فقدان الثقة به، كما فقدان دوره في النظام الاقتصادي.
– كيف السبيل لاعادة الثقة والدور؟
لقد كان لإقفال المصارف في ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ تأثير على ما واجهنا ونواجه، فعوضًا عن إصلاح ما حدث لم تقم السلطات بأي خطوة إيجابية لتحاشي خسارة الثقة، لا بل قمنا جميعًا بخطوات سلبية غير مدروسة واعتباطية زادت في وضعنا المتردي، فعدم تسديد الديون المترتبة في آذار/مارس٢٠٢٠ إضافة إلى تضارب الخطط وعدم الإتفاق على الأرقام والتمنع عن إصدار قانون الكابيتال كونترول وعدم وضع برنامج إصلاحي، ناهيك عن سوء الإدارة وعدم الإلتزام بالإصلاح والوعود كلها أدت إلى انهيار اقتصادي ومالي واجتماعي، وكأن هذا لا يكفي فجاء انفجار المرفأ المدمر الذي كان له الأثر الكبير على مجمل القطاعات وكشف الإهمال وعدم مبالاة المسؤولين لا بل عدم الإكتراث، فأكد المؤكد.
* ليلة الخميس ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩، بدأ سقوط النظام المصرفـي في لبنان، وإنهار بنيان الثقة الذي ارتفعت مداميكه على إمتداد العقود الماضية منذ أزمة بنك إنترا في الستينات.
– هل كان قرار إقفال المصارف في ١٧ تشرين الأول/أكتوبر قرارًا إعتباطيًا وغير مدروس؟ أم كان خطوة ضرورية؟ أو تواطؤًا سياسيًا؟
– ما هي برأيكم الأسباب التي أدت إلى مثل هذا السقوط ؟
– هل يمكن إعادة بناء الثقة؟ وكيف؟
إن إعادة بناء الثقة يحتاج إلى جهد كبير وأعوام طويلة، فكيف نستطيع أن نكسب ثقة المستثمرين والعالم إذا لم نعدها إلى أهل لبنان؟ كل يوم، لا نرى إلا الهجرة القاتلة من اللبنانيين والذين فقدوا أي أمل في بلدهم لدرجة عدم المحاولة لترميم ما يمكن وقرروا الرحيل، لقد فقدوا أموالهم وأعمالهم ومستقبلهم والمسؤولون لا يبالون فارتحل الأمل، لذلك لا أجد أنه يمكن إعادة بناء الثقة إن لم نعد النظر في مقاربتنا لمجمل المشاكل التي نواجهها.
* لطالما كان إنتشار المصارف اللبنانية في الخارج مبعث فخر للبنانيين ونقطة إرتكاز لهم في عملية انتشارهم وتواصلهم مع بلدهم الأم.
– هل تعتقدون أن الإنتشار المصرفـي اللبناني في العالم قد طويت صفحته؟
لم تقتصر خسارتنا داخليًا، بل انتكست سمعتنا وأعمالنا في الخارج والتي كانت فخرًا للبنان ونقطة الإرتكاز في التدفقات المالية، فأصبح قطاعنا مكبلًا داخليًا وفَقَدَ الأمل في الإنتعاش، إن طموحنا لنصبح مصرف المنطقة أُصيب بنكسة بينما تُبنى العلاقات بين الخليج والمصارف الإسرائيلية.
* هل تعتقدون أن لبنان قادر على جذب مصارف أجنبية للعمل فيه؟
– ووفق أي معطيات وشروط وتعاملات؟
بخصوص مقولة جذب المصارف الأجنبية، فكيف يمكن التعويل عليها في وضع مذر واقتصاد منهار وانعدام ثقة اللبناني بدولته؟ إن هذه المصارف تحتاج إلى اقتصاد ثابت وبيئة يسود فيها النظام ويحكمها العدل والمساواة، ضمن رؤية اقتصادية جدية وقيمين مسؤولين يعملون للمصلحة العامة.
* كيف تتوقعون مستقبل القطاع المصرفـي اللبناني على ضوء الوقائع والخسائر والارقام والخطط الحكومية وتوجهات مصرف لبنان؟ وهل تؤيدون حصول حركة إندماجات واسعة بين المصارف؟
إن المؤشرات قبل نهاية العام تؤكد سرعة الإنهيار الاقتصادي والمالي، إضافة إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي نسبة الربع في العام الجاري مع ارتفاع في معدل التضخم، لقد سجل ميزان المدفوعات عجزًا قارب العشرة مليارات دولار أميركي من دون الأخذ بعين الإعتبار كمية العملات الموجودة في المنازل، وقد نجم هذا العجز حتى نهاية شهر أيلول/سبتمبر عن تراجع الموجودات الخارجية الصافية لمصرف لبنان بحوالي ١٢ مليار دولار أميركي وارتفاع موجودات المصارف بحوالي ٢ مليار دولار أميركي، وهذا عجز تاريخي بالرغم من التراجع في عجز الميزان التجاري نظرًا للقيود على التحويلات المصرفية وضعف حركة الإستيراد والقدرة الشرائية للمقيمين، لذلك أعتقد أن عام ٢٠٢٠ سيكون من أسوأ ما واجهه لبنان وإذا لم نعمل بجدية وبسرعة قد لا نستطيع النهوض، فيكون هذا العام آخر الأعوام التي للأرقام فيها معنى.
ما لا أستطيع أن أفهمه هو عدم المبالاة وسوء إدارة الأزمة في ظل هذا الإنهيار التام على جميع الأصعدة الاقتصادية والثقافية والمالية والطبية، وعدم تحرك السلطة للحد منه، ففي ظل هذه الوقائع والخسائر الكارثية التي أصابت البلد، لا أرى مستقبلاً باهرًا خاصة للقطاع المصرفـي.
إننا نحتاج إلى خطة شاملة إصلاحية وتعاضد الجميع والتضحية في سبيل لبنان علنا نستطيع أن ننقذ ما أمكن، والمصارف تكون حينها الرافعة التي نحتاج إذا ما أردنا البدء مجددًا لما فيه مصلحة المواطنين، إننا بحاجة إلى مسؤولين يعملون لصالح هذا البلد الذي كان منارة، فأصبح يقبع بالفقر وشعبه يتطلع إلى الخارج عله يجد وطنًا بديلًا، فاللبناني صاحب الرؤية والنجاح لا يستحق ما وصل إليه.

