يتحدّث السيد سعد أزهري، رئيس مجلس إدارة ومدير عام بنك لبنان والمهجر، عن اداء القطاع المصرفي خلال العام ٢٠١٨ على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية، مشيراً الى التزام هذا القطاع بالتدابير  والإجراءات التي تحول دون استخدامه في عمليات تبييض الأموال والتهرّب الضريبي ومؤكّدًا على أهمية التكنولوجيا التي دخلت بقوة الى عالم المصارف فلعبت دورًا كبيرًا في نموّه وتوسّعه.

السيد سعد أزهري، الذي يقود بنجاح أكبر مصرف في لبنان، يشير الى دور المصارف العربية في عملية النمو والتنمية، إضافة الى نشاطاتها في مجال المسؤولية الاجتماعية التي تساهم في رفع مستويات الرفاهية في المجتمع، مؤكّداً من جهة أخرى أهمية العمل المصرفـي  فـي ظل اوضاع اقتصادية صعبة.

ويتحدّث السيد أزهري أخيراً عن سياسة مصرف لبنان والدور الذي يعلبه في خدمة الاقتصاد الوطني قبل ان يختم بالإشارة الى أهم انجازات المصرف خلال العام  ٢٠١٨.

 

 

^ كيف تلخّصون العام 2018 مصرفياً، على المستويات العالمية، الإقليمية والمحلية؟

 

ـ ينعكس الأداء المصرفي من خلال الواقع الإقتصادي، وعليه فإن الأداء المصرفي كان جيّداً في الولايات المتحدّة ولا بأس به في أوروبا ولكنه كان ضعيفاً نسبيّاً في الدول الناشئة. على صعيد المنطقة، جاء أداء عام 2018 أفضل من العام السابق بسبب الإرتفاع النسبي لأسعار النفط والنموّ القوي في مصر، وأمّا في لبنان فقد حافظت المصارف اللبنانية على أداء معقول في ظلّ الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة.

 

^ إستمرّت حكومات ومؤسسات دولية ومصارف مركزية ومراكز قرار سياسي ومالي واقتصادي… في التشديد على مواضيع تتعلّق بمحاربة الإرهاب وتبييض الأموال والتهرّب الضريبي… ما مدى إنعكاس مثل هذه الأوضاع وعمليات التشدّد فيها على العملية المصرفية ككلّ؟

 

ـ هذه الإجراءات والقوانين ضرورية للحفاظ على نظافة وسلامة القطاع المصرفي وإرتباطاته في الأسواق المالية العالمية. وأعتقد أن إنعكاساتها على العملية المصرفية إيجابية لأنها ترفع من منسوب الثقة والسمعة الطيبة للمصارف، مع العلم أنها ترفع كلفة العملية المصرفية بسبب التكاليف التي تتكبّدها المصارف من جرّاء الإلتزام التام بهذه الإجراءات والقوانين.

 

^ على رغم كلّ المحاولات الرسمية والخاصة، الناشطة في مكافحة عمليات غسل الأموال الناتجة عن التجارة بالمخدرات والجرائم المالية، فإن تقارير رسمية أفادت بنموّ حجم غسيل الأموال على المستوى العالمي بنسبة تتراوح بين 2 ـ 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي بما يقدّر بحوالي 1.5 و2 تريليون دولار أميركي…  ما هي الأسباب برأيكم وكيفية المواجهة؟

 

ـ برأيي ان النسبة المتّبعة يجب أن تكون كنسبة من إجمالي موجودات البنوك، ولأن موجودات البنوك تبلغ على الأقل ضعف الناتج الإجمالي العالمي، فإن هذه المبالغ تمثّل فقط 1 ـ 2.5% فقط من نسبة إجمالي الموجودات وهو رقم صغير جداً. ويعود السبب حتى لأرقام صغيرة كهذه الى أن أنظمة الإمتثال والإلتزام ليست كاملة ومثالية مئة في المئة، ومن غير المستغرب أن تشوبها بعض النواقص، ولكنها دائماً في حالة مراقبة وتجدّد لمنع مثل هذه النواقص.

 

^ يلعب التقدّم السريع في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات دوراً كبيراً في تطوّر ونموّ القطاع المالي بشكلٍ عام والمصرفي بشكلٍ خاص… ما هو تعليقكم؟

 

ـ هذا صحيح، ويتماشى هذا التطوّر مع التطوّر الحاصل في قطاع تكنولوجيا المعلومات والإتصالات بشكلٍ عام. وأعتقد أن هذا التطوّر هو إيجابي جداً  لأنه يزيد من الوصول المالي والمصرفي ويسرّع التواصل مع العملاء بكلفة أقل وبسهولة أكبر. ولكنه يتطلّب من المصارف تأهيل أنظمتها التكنولوجية بشكلٍ عصري وآمن وتوفير خدمات رقميّة متجدّدة تلبّي الحاجات المتزايدة للعملاء من الأفراد والشركات.

 

^ تتبنّى معظم المصارف، لاسيّما في الدول المتطوّرة والغنية عملية التحوّل الرقمي وتقدّم خدمات مالية مبتكرة قائمة على إستخدام التطبيقات حيث سبّبت التكنولوجيا المالية Fintech ثورة في الخدمات المالية التقليدية… كيف تنظرون الى مثل هذه التطوّرات؟ وهل تعتقدون أن المواطن العربي قادر على التعاطي الإيجابي مع المشهدية الجديدة؟

 

ـ إن شركات “Fintech” وآلية “Blockchain” خلقت عالماً جديداً للخدمات المصرفية والمالية الى جانب الخدمات المصرفية والمالية التقليدية. ولكن البنوك في كلّ مناطق العالم تمكّنت من إستيعاب هذه الآليات وإدخالها تدريجياً الى أنظمة عملها حتى تستفيد منها وحتى تحدّ من المنافسة منها. وفي المنطقة، نرى أن هذه الآليات محدودة ولا تتعدّى الخدمات المتعلّقة بوسائل الدفع ويعود ذلك ربّما الى عدم الإهتمام الكافي من قبل العملاء حتى الآن والى عدم توفّر التنظيم المطلوب لهذه الخدمات من السلطات الرقابية. ولكنني أعتقد أن هذه الآليات سيزداد إستعمالها في المدى الطويل عندما تتطوّر الظروف وأنظمة الرقابة لصالحها.

 

^ هل تعتقدون أن المصارف العربية تلعب دوراً في عمليات التنمية الإقتصادية والإجتماعية والمساهمة في بناء مجتمع سليم ومنتج؟ أم أن دورها يقتصر على تمويل العجوزات في الموازنات الحكومية وتنفيذ عدد من المشاريع التجارية المربحة؟

 

ـ ممّا لا شكّ فيه أن البنوك العربية تلعب دوراً رئيسياً في النموّ والتنمية، إذ أن تمويل العجوزات في الموازنات الحكومية وتمويل المشاريع التجارية يشكّل جزءاً من موجوداتها التي تقارب الـ 4 تريليون دولار والتي تتطلّب إستخدام بقيّة مواردها في تسهيلات  للأفراد والشركات والمشاريع الكبرى التي تخدم التنمية الإقتصادية والإجتماعية. هذا بالإضافة الى نشاطاتها في مجالات المسؤولية الإجتماعية التي تساهم في رفع مستويات الرفاهية في المجتمع.

 

^ تشهد منطقة الخليج بشكلٍ خاص عمليات إندماج مصرفية كبرى بما يؤدّي الى قيام وحدات مصرفية عملاقة… هل تؤيّدون مثل هذا التوجّه؟ ولماذا؟

 

ـ إن بعض أسواق الخليج المصرفية، وخصوصاً في الإمارات، هي أسواق مصرفية مشبعة (saturated) وإن أيّة عمليات دمج في هذا الإطار هي عمليات تهدف الى زيادة الكفاءة والإستفادة من وفورات الحجم والنطاق. هذا بالطبع شيء مرغوب، وفي المناسبة يتلاءم مع سياسة مصرف لبنان التي تحبّذ الإندماج بين البنوك الصغيرة والمتوسطة الحجم للغرض نفسه.

 

^  أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرباً تجارية على المستوى العالمي عبر فرض رسوم عالية على المستوردات من دول معينة… بما ينذر بتسعير الحرب التجارية والعودة الى منطق الحمايات. ما هو تأثير ذلك برأيكم على الواقع الاقتصادي العالمي؟ وهل من تداعيات سلبية له؟

 

ـ أعتقد أن هذه الإجراءات سلبية إذ تحدّ من التدفقات التجارية بين البلدان التي تتوافق مع القدرة التنافسية لكلّ بلد، كما تؤدّي الى زيادة غير ضرورية في الأسعار وتوزيع غير مناسب للموارد وعناصر الإنتاج. إضافةً، إنها تمثّل خطوة الى الوراء في مسار العولمة الإقتصادية والإندماج الإقتصادي في العالم الذي برهن عن قدرته في رفع معدّلات النموّ خصوصاً في البلدان الناشئة، وإذا كان قد أدّى في بعض الدول المتقدّمة الى بعض المشاكل كسوء في توزيع الدخل،  فإن مثل هذه المشاكل تُحَلّ من خلال سياسات إجتماعية ومالية مباشرة وليس من خلال سياسات تقلّص التبادلات التجارية. ونتمنّى ان تكون هذه “الحرب” مرحليّة ولا تتضمّن دولاً كبيرة أخرى كأوروبا واليابان وبقيّة دول البريكس.

 

^ تشهد معدّلات الفوائد إرتفاعاً في معظم الأسواق العالمية، ويبدو أن إتجاهاتها للعام 2019 مستمرّة على هذا النحو. ما تأثير ذلك على الواقع الإقتصادي بمجمله؟

 

ـ إن الإرتفاع في أسعار الفوائد ينبع في الأغلب من إرتفاع أسعار الفوائد في الولايات المتّحدة بسبب عجلة الرواج الإقتصادي هناك، الأمر الذي أدّى الى إرتفاع في الفوائد العالمية خصوصاً في البلدان التي تثبّت سعر صرفها تجاه الدولار الأميركي. إن تداعيات هذه السياسة ستكون غير جيّدة وستزيد من عدم التوازن في أداء الإقتصادات العالمية، حيث ستتأثر سلباً الدول التي تعاني ركوداً اقتصادياً من جرّاء الإرتفاع في أسعار الفوائد وتشهد مزيداً من الضعف في  نموّها كبعض الدول الأوروبية والعديد من الدول الناشئة.

 

^ تعرّضت عملات عدد من الدول لتراجعات، بعضها تدريجي (مثل مصر، تركيا…) والبعض الآخر دراماتيكي (الأرجنتين، فنزويلا..) ما الأسباب برأيكم وهل من تأثيرات معيّنة على الإستقرار النقدي والمالي للدول المعنية خصوصاً والإقتصاد العالمي بشكلٍ عام؟

ـ إن الأسباب التي أدّت الى تدهور هذه العملات، خصوصاً في حالات البلدان كالأرجنتين ومصر وتركيا، يعود سببها، من جهة أولى، الى إرتفاع أسعار الفائدة في البلدان المتقدّمة  وإنتقال رؤوس الأموال  نتيجة  لذلك  الى هناك، ومن جهة ثانية،  الى العجوزات الكبيرة في الحسوبات الجارية في الدول المعنية التي لا تتوافق مع أسعار صرفها السائدة. ويترك التدهور في أسعار الصرف أثاراً سلبية بسبب شحّ التدفقات الرأسمالية وإرتفاع التضخم والحدّ من النموّ، ولكنها قد تخفّض سعر الصرف الى مستويات ملائمة تزيد من القدرة التنافسية للإقتصادات المعنية. وبالطبع، ستؤدّي الى إنخفاض في معدّلات النموّ العالمي لأن معدّل نموّ الإقتصادات الناشئة يمثّل أكثر من نصف ذلك النموّ.

 

^ أوقفت المصارف اللبنانية منح قروض عقارية، كما أنها باتت تتشدّد في منح قروض لغايات إستهلاكية متعدّدة… ما هي الأسباب والنتائج؟

 

ـ في الحقيقة، وصل إجمالي القروض الى 58.94 مليار دولار حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2018  بإنخفاض 1% منذ بداية العام بسبب الأحوال الإقتصادية المُتردّية، ومن ضمنها القروض العقارية للسبب نفسه وحالة الكساد في السوق العقاري. كذلك وضع مصرف لبنان سقفاً على نسبة القروض بالليرة الى الودائع  بالليرة لا يفوق الـ 25% للحدّ من الإستهلاك وإنعكاساته السلبية على ميزان المدفوعات من خلال زيادة الواردات. وهذه التطوّرات هي نتيجة الأوضاع السياسية غير المستقرّة والغياب الحكومي وأيّة سياسات ومبادرات اقتصادية تُعيد الثقة والنموّ.

 

^ ما هي قراءتكم للوضع المالي في لبنان؟ وما هي الحلول الواجب إعتمادها للحؤول دون حصول إنفجار مالي أو نقدي؟

 

ـ بالطبع، إن الوضع الإقتصادي والمالي صعب بالرغم من ثبات الوضع النقدي والمصرفي، وهذا ما نراه من خلال الإنخفاض في معدّلات النموّ وأسعار الأسهم والسندات  ومن  خلال  العجوزات  في المالية  العامة وميزان المدفوعات. وبما أن السياسة النقدية هي السياسة الفعّالة الوحيدة الآن،  تتطلّب الحلول تفعيلاً للسياسات الإقتصادية الأخرى ضمن برنامج  إصلاحي مُستدام (وفي الحقيقة، غير صعب) يهدف الى إصلاح المالية العامة عبر ترشيد الإنفاق ووقف الهدر وتحسين الجباية الضريبية وتعديل نظام معاشات التقاعد، والى إصلاح في مرافق الدولة والحوكمة الرشيدة فيها حتى ترفع من إنتاجياتها وتخفّض من كلفتها، إضافةً الى إصلاح في المناخ الإستثماري وبيئة الأعمال بهدف زيادة الإستثمار والقدرة التنافسية للإقتصاد . كلّ هذا سيؤدّي الى إعادة الثقة والنموّ في الإقتصاد ويخفّف من حدّة الإختلالات فيه، كما سيؤدّي الى توفير الشروط للإستفادة من القروض والهبات التي وُعدت في مؤتمر “سيدر”.

 

^ هل تؤيّدون الإجراءات التي قام بها مصرف لبنان في إطار سعيه لدعم القطاع المصرفي؟ وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية وتحقيق الإستقرار النقدي؟

 

بكل تأكيد، فإن ما يفعله مصرف لبنان هو ما يجب أن يفعله كونه الحامي للإستقرار النقدي والمصرفي في البلد، وتصبّ سياساته كلّها في تحقيق هذه الأهداف ومن ضمنها تثبيت سعر الصرف. وفي الحقيقة، إن مصرف لبنان تحمّل أعباءً إضافية تعدّت مسؤولياته في السياسة النقدية بسبب غياب السياسات والمبادرات الإقتصادية الأخرى من جانب الحكومة والتي آن الأوان أن تعود لتلعب دورها الضروري في تحديث وإنعاش الإقتصاد اللبناني.

 

^ ما هي أهمّ إنجازات مصرفكم خلال العام 2018؟

 

ـ أعتقد أن أهمّ الإنجازات هو المثابرة على الأداء الجيّد والربحية في ظلّ الظروف الإقتصادية والسياسية الصعبة التي تمرّ بلبنان والمنطقة. فقد إرتفعت الأرباح حتى نهاية شهر أيلول/سبتمبر  2018 الى 382.95 مليون دولار بزيادة 7.29% عن الفترة نفسها من عام 2017، ونتج عنها أعلى معدّلات الربحية بين البنوك المُدرجة حيث بلغ المردود على متوسط الموجودات 1.5% والمردود على متوسط الأسهم العادية 16.49% ، كذلك إرتفعت الموجودات الى 35.69 مليار دولار بزيادة 12.26%. كما حافظ البنك على موقع مالي سليم تمثّل بنسبة عالية لكفاية رأس المال بلغت 18.5% (مقابل 14.5% كنسبة مطلوبة) ونسبة سيولة أولية بلغت 80.5%. ونتوقّع أن يستمرّ هذا الأداء في الأغلب على الوتيرة نفسها حتى نهاية العام.

ومن الإنجازات الأخرى هو المثابرة أيضاً في التحوّل الرقمي للبنك من خلال إعتماده لآليات ومنتجات تعزّز من التواصل الرقمي مع العملاء ومن الصيرفة الإلكترونية بمختلف مجالاتها. نذكر هنا خدمة BLOM PAY التي تخوّل العملاء دفع فواتيرهم عن طريق الهاتف الذكي، وخدمة eBlom Corporate التي توفّر للشركات إدارة عملياتها المصرفية بشكلٍ فعّال وعصري عبر موقع آمن وسهل الإستعمال.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة