يرسم الدكتور مروان بركات، مدير عام مساعد ورئيس قسم الأبحاث لدى بنك عوده، صورة متكاملة عن الواقع المصرفي خلال العام ٢٠١٨ على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية، ويقدم أجوبة حول اسئلة عدة تتعلّق بطرق مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي.
ويتحدّث الدكتور بركات عن التقدّم السريع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وآثاره على القطاع المالي بشكل عام والمصرفي بشكل خاص، كما يشير الى عمليات التحوّل الرقمي الحاصلة في مصارف عدة والخدمات المالية المبتكرة القائمة على استخدام التطبيقات الجديدة.
ويشير الدكتور بركات الى الدور الذي تلعبه المصارف العربية في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمساهمة في بناء مجتمع سليم ومنتج، قبل ان يعرّج على عمليات الاندماج المصرفي والحرب التجارية ومعدلات الفوائد كما الواقع المصرفي اللبناني واجراءات مصرف لبنان… خاتماً بإنجازات بنك عودة خلال العام ٢٠١٨.
^ كيف تلخّصون العام 2018 مصرفيّاً، على المستويات العالميّة، الإقليميّة والمحليّة؟
ـ خلال العام 2018، بدأت المصارف المركزيّة حول العالم في العمل على إعادة سياساتها النقديّة تدريجيّاً من نمطها التيسيري الى نمطها الاعتيادي في ضوء ارتفاع معدّلات الفوائد الأميركيّة، ممّا ولّد بعض التحدّيات على الاقتصاديّات الناشئة نجم عنها تراجع في أسعار صرف العملات في عدد كبير منها ترافق مع ارتفاعات في معدّلات الفوائد في معظم تلك الأسواق. أضف الى ذلك أنّ ظروف تفاقم الضغوطات على النشاط التجاري العالمي، لا سيّما مع توتّر العلاقات التجاريّة بين الصين وأميركا، ناهيك عن بعض التراجع في زخم النمو الاقتصادي العالمي في ظلّ تنامي المخاوف الجيوسياسيّة في عدد من بلدان العالم، كان لابدّ لها أن تشكّل بعض الضغوطات على القطاعات الماليّة والمصرفيّة العالميّة بشكل عام وعلى الأسواق الناشئة بشكل خاصّ.
أمّا القطاعات المصرفيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد بقي أداؤها متماشياً مع الأوضاع الاقتصاديّة الواهنة نسبيّاً فيها بشكل عام، لاسيّما في ضوء الصراعات الإقليميّة القائمة. فالنشاط المصرفي الإقليمي، المقاس بإجمالي الموجودات المجمّعة، شهد نموّاً متواضعاً بنسبة 2.7 % في أيلول/سبتمبر 2018 بالمقارنة مع نهاية العام 2017. كذلك، سجّلت كلّ من الودائع المصرفيّة نموّاً بنسبة 3.2% والتسليفات المصرفيّة نموّاً بنسبة 2.8% منذ بداية العام 2018. هذا وبقيت المردوديّة المصرفيّة رازحة تحت الضغوط بشكل عام، وذلك في ظلّ ظروف تشغيليّة صعبة بالإجمال، بحيث اتّسمت بضغوط على هوامش الفوائد ونمو بطيء في الدخل من العمولات والإيرادات الأخرى، بالإضافة الى ازدياد متطلّبات اتّخاذ المؤونات بشكل عام.
في موازاة ذلك، فإنّ القطاع المصرفي المحلّي، وعلى الرغم من التباطؤ المسجّل في نمو نشاطه في سياق ظروف تشغيليّة أكثر صعوبة، لا يزال يسجّل نموّاً مقبولاً نسبيّاً في ظلّ مكانة ماليّة قويّة تبقي المصارف اللبنانيّة في وضعيّة متينة تؤهّلها لتحمّل الضغوط الناجمة عن المناخ التشغيلي اللانمطي المحيط بها في لبنان أو في أسواق التواجد في الخارج. في هذا السياق، تجدر الإشارة الى أنّ الودائع المصرفيّة قد نمت بقيمة 4.6 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام 2018، وهو أقلّ من نمو الفترة المماثلة من العام السابق إنّما ما زال كافياً لتمويل الحاجات الاقتراضيّة للاقتصاد الوطني. أمّا التسليفات المصرفيّة الممنوحة للقطاع الخاصّ فقد تقلّصت بقيمة نصف مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2018 في سياق ندرة الفرص التسليفيّة والسياسات الأكثر تحفّظاً لدى المصارف اللبنانيّة في ظلّ اقتصاد محلّي بطيء بشكل عام.
^ استمرّت حكومات ومؤسسّات دوليّة ومصارف مركزيّة ومراكز قرار سياسي ومالي واقتصادي في التشديد على مواضيع تتعلّق بمحاربة الإرهاب وتبييض الأموال والتهرب الضريبي. ما مدى انعكاس مثل هذه الأوضاع وعمليّات التشدّد فيها على العمليّة المصرفيّة ككلّ؟
ـ في ظلّ الاتّجاه العالمي لتشدّد الدول، لاسيّما في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرّب الضريبي، برهن لبنان ولا يزال بقطاعه المصرفي والمالي باستمرار عن التزام أساسي بالمعايير والإجراءات الدوليّة، بدءًا من التزام المصارف اللبنانيّة بقواعد الامتثال العالميّة المطبّقة عليها، ناهيك عن التزامها التام بالإجراءات الدوليّة التي تفرض عدم التعامل مع مؤسّسات أو شخصيّات تشملها العقوبات. كما قامت المصارف اللبنانيّة بالامتثال التامّ لقانون FATCA وتنفيذ مضمونه بالتواريخ المحدّدة حرصاً منها على احترام كافّة المتطلّبات الدوليّة. وقد نجح لبنان بقطاعه المصرفي والمالي لغاية الآن في التوفيق بين الحفاظ على السريّة المصرفيّة وبين إيجاد آليّات قانونيّة لرفع السرّية المصرفيّة عند الضرورة بهدف منع وقوفه عائقاً أمام تبادل المعلومات. في هذا السياق، تجدر الإشارة الى أنّ المصارف اللبنانيّة تلتزم بالتعاميم الخارجيّة عندما تكون معتمدة من قبل الجهات الرقابيّة اللبنانيّة في تعاميمها وقراراتها (مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصّة وهيئة الأسواق الماليّة). ويمكن للمصارف اللبنانيّة الالتزام ببعض الممارسات الفضلى (best practices) المعتمدة عالميّاً وتبنيها في سياساتها الداخليّة شرط ألاّ تتعارض مع القوانين وأنظمة الجهات الرقابيّة اللبنانيّة.
^ على رغم كلّ المحاولات الرسميّة والخاصّة، الناشطة في مكافحة عمليّات غسل الأموال الناتجة عن التجارة بالمخدّرات والجرائم الماليّة، فإنّ تقارير رسميّة أفادت بنمو حجم غسيل الأموال على المستوى العالمي بنسبة تتراوح بين 2 ـ 5% من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي، أي بما يقدّر بحوالي 1.5 و2 تريليون دولار أميركي. ما هي الأسباب برأيكم وكيفيّة المواجهة؟
ـ اتّخذ لبنان عام 2015 تدابير عدّة لضمان ارتباطه بالشبكة المصرفيّة العالميّة وضمان تطبيقه للمعايير الدوليّة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار، تمّ إقرار قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44/2015، الذي حلّ محلّ قانون 318/2001، ليتلاءم مع المعايير الدوليّة التي ترعى هذا الموضوع. فقد عدّل مجلس النوّاب في لبنان قانون مكافحة تبييض الأموال وأصدر سلسلة من القوانين الإضافيّة المرتبطة بمكافحة تبييض الأموال، أهمّها قانون مكافحة التهرّب الضريبي وتوفير الأرضيّة اللازمة للتقيد بـ “معايير التقارير المشتركة” المنبثقة عن منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي ترمي الى الإفصاح عن الحسابات بحسب البلد الضريبي للأفراد والشركات، كما تمّ إصدار قانون رقم 42/2015 لغاية التصريح عن الأموال المنقولة عبر الحدود.
وعام 2016 تمّ إقرار عدّة قوانين ضريبيّة تعزّز التزام لبنان بالمعايير الدوليّة لمكافحة التهرّب الضريبي والتي تفصل كالتالي: قانون 60/2016 عرف مفهوم الإقامة الضريبيّة للأشخاص Tax Residency، قانون 55/2016 التزم بموجبه لبنان دوليّاً بتطبيق التبادل التلقائي للمعلومات لغايات ضريبيّة (Common Reporting Standard) وأجاز تبادل المعلومات لغايات ضريبيّة مع دول أجنبيّة، وذلك بناءً على طلب هذه الأخيرة أو تلقائيّاً نتيجة اتّفاقيّات مع هذه الدول. تبعاً لذلك، أصدرت وزارة الماليّة مرسوم رقم 1022/2017 كما أصدر مصرف لبنان تعميم أساسي رقم 139/2017 حدّدا عناصر تطبيق التبادل التلقائي للمعلومات لغايات ضريبيّة. ويلعب في هذا المجال مصرف لبنان دوراً رياديّاً في تأمين التزام المصارف بهذه المعايير عبر إصدار كافّة التعاميم والمراسيم في هذا الخصوص ومراقبة تطبيق المصارف لها من خلال إصدار العديد من الأنظمة التي تعزّز شروط الامتثال لدى المصارف اللبنانيّة، بالتماشي مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) وأفضل الممارسات الدوليّة. في هذا السياق، تقوم المصارف اللبنانيّة بكافّة الأعمال اللازمة لتنفيذ وتطبيق القوانين الآنفة الذكر، لاسيّما عبر تعديل نموذج أعرف عميلك (KYC) وتوسيع نطاقه بحيث يشمل جنسيّات العميل ومحلّ إقامته ومكان تكليفه الضرائبي، إضافةً الى جنسيّة أصحاب الحصص الأساسيّين في الشركات الأجنبيّة.
^ يلعب التقدّم السريع في تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات دوراً كبيراً في تطوّر ونمو القطاع المالي بشكل عام والمصرفي بشكل خاصّ. ما هو تعليقكم؟
ـ في ضوء التقدّم السريع في تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات وبهدف تلبية حاجات العملاء المتزايدة للحصول على خدمات ومنتجات ماليّة أكثر تطوّراً ومواكبةً لمتطلّبات العصر، تواكب المصارف اللبنانيّة باستمرار الثورات التكنولوجيّة من خلال مجاراتها للتطوّر التكنولوجي والابتكار والمعرفة واقتناء التقنيّات والتطبيقات الحديثة لوسائل الاتّصال ونظم المعلومات المصرفيّة. وقد كان بنك عوده رائداً في هذا المجال، حيث استحدث مروحة واسعة من الخدمات المصرفيّة الجديدة والمبتكرة جدّاً لزبائنه والتي كان أبرزها مؤخّراً المنصّة الإلكترونيّة “Audi Supply Chain Finance (Audi SCF)“بالاشتراك مع “مرساكو ش.م.ل.”، الشركة الأولى التي تستفيد من خدمات هذه المنصّة لخدمة عملائها. إنّ منصّة Audi SCF، التي هي وسيلة إلكترونيّة تسهّل العلاقة بين المورّدين والمشترين، ترمي الى تحسين رأسمالهم التشغيلي وتحرير سيولة مؤسّساتهم. تقدّم هذه المنصّة خدمات تحصيل الفواتير، ما يسهّل عمليّة الدفع بين المشتري والمورّد، وتمويل المشترين عبر الحصول على حدّ ائتماني بمعدّل فائدة تنافسي من بنك عوده، وتمويل صغار المورّدين من خلال الـ reverse factoring الذي يساعد المورّدين ذوي حجم العمل الصغير على النفاذ السريع الى استحقاقاتهم المقبلة فيما يسدّدها المشتري للمصرف عند تاريخ الاستحقاق أو بتاريخٍ مؤجّل.
الى جانب ذلك، أطلق بنك عوده خدمة (Novo) وهي عبارة عن أوّل قناة تواصل تفاعليّة في المنطقة تقدّم للزبائن تجربة مصرفيّة جديدة تعتمد على مفهوم “المصرف الطليعي”، يضاف اليها خدمة الصرّاف الآلي الذكي (ITM)، ناهيك عن روبوت الذكاء الاصطناعي وهو “بيبر روبوت” (Pepper Robot) على شكل إنسان يتولّى الترحيب بالعملاء وتوجيههم داخل فروع بنك عوده والترويج لخدمات المصرف ومنتجاته، ويلعب أيضاً دوراً رئيسيّاً في رفع درجة الوعي حول المعرفة الماليّة في المدارس والجامعات والمؤتمرات والأحداث المعنيّة. أمّا على صعيد الخدمات المصرفيّة للشركات، يقوم المصرف حاليّاً بإطلاق عدد من المبادرات الذكيّة تشمل أحدثها توفير حلول إلكترونيّة كاملة لدعم عملائنا في احتياجاتهم التشغيليّة اليوميّة، إضافةً الى إطلاق خدمات سلسلة التوريد على الإنترنت للتمويل من خلال منصّات B2B الآلي.
^ تتبنّى معظم المصارف، لاسيّما في الدول المتطوّرة والغنيّة، عمليّة التحوّل الرقمي وتقدّم خدمات ماليّة مبتكرة قائمة على استخدام التطبيقات، حيث سبّبت التكنولوجيا الماليّة Fintech ثورة في الخدمات الماليّة التقليديّة. كيف تنظرون الى مثل هذه التطوّرات؟ وهل تعتقدون أنّ المواطن العربي قادر على التعاطي الإيجابي مع المشهديّة الجديدة؟
ـ لا شكّ بأنّ الوسائل أو القنوات الرقميّة تعدّ ثورة في عالم الخدمات الماليّة التقليديّة بحيث توفّر للزبائن مرونة غير مسبوقة في إجراء معاملاتهم المصرفيّة البسيطة في أيّ مكان وزمان. فهذه القنوات تلبّي رغبة وميل الزبائن نحو عالم التكنولوجيا من الخدمات المصرفيّة عبر الإنترنت الى التطبيقات الخلويّة، ويعزّز يوماً بعد يوم من عمليّة تحويل بعض العمليّات المصرفيّة من الفروع التقليديّة نحو تلك التطبيقات الحديثة. وقد ساعدت تقنيّات الإنترنت والتطبيقات الخلويّة الزبائن على إجراء المعاملات المصرفيّة البسيطة مثل التحويلات داخل حساباتهم، والتحويلات الى عملاء آخرين، إضافةً الى التحويلات الخارجيّة ومدفوعات بطاقات الائتمان. تجدر الإشارة hgD أنّ استخدام العملاء للتكنولوجياً أثّر على عدد العمليّات المنفّذة في الفروع، ما يشير الى أنّ دور الفرع يتحوّل من مركز للعمليّات الى مركز للاستشارات والخدمات المصرفيّة والماليّة. لكن هذا لا يعني أنّ العميل فقد رغبته في التعامل مع الفروع التقليديّة على الإطلاق، إذ لا يزال الفرع في عالمنا العربي نقطة الاتّصال الرئيسيّة بالنسبة للمعاملات المعقّدة وأيّ خدمات واستشارات مصرفيّة أخرى لا تلبّيها تلك التطبيقات الحديثة. ومن أهمّ مميّزات الفروع وجود العنصر البشري الذي يؤمّن للعميل التواصل الشخصي الذي يعزّز علاقته مع المصرف ويعطيه الشعور بالمزيد من الثقة ويوفّر له بيئة أكثر راحة. كما أنّ هناك عدداً من العمليّات المعقّدة التي لا تزال تنفّذ في الفروعhgD حين يتمّ تطويرها لتصبح متوفّرة عبر الأجهزة الإلكترونيّة الأخرى ويتمّ تحضير العملاء لاستعمالها كافّة. وعليه، فمن الضروري المتابعة بالاستثمار في التكنولوجيا الماليّة الرقميّة كما في انتشار شبكة الفروع من أجل استقطاب عملاء جدد وتعزيز الشمول المالي.
^ هل تعتقدون أنّ المصارف العربيّة تلعب دوراً في عمليّات التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمساهمة في بناء مجتمع سليم ومنتج؟ أم أنّ دورها يقتصر على تمويل العجوزات في الموازنات الحكوميّة وتنفيذ عدد من المشاريع التجاريّة المربحة؟
ـ لا شكّ أنّ المصارف العربيّة تلعب دوراً هامّاً في عمليّات التنمية المستدامة بأشكالها المختلفة، وذلك من خلال حشد مواردها الماليّة لتمويل وتطوير البنى التحتيّة الاقتصاديّة، والتي لطالما كان القطاع العام يقدّمها منفرداً، ما يساهم في إعطاء زخم للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. كما تتبنّى المصارف العربيّة مبدأ التحوّل الى مجتمع رقمي وتحفيز وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكترونيّة الحديثة كأحد الدعائم لتحقيق التنمية. وتسعى الى تفعيل دور القطاع المالي عبر تكاتف الجهود بين الحكومات والبنوك المركزيّة والمصارف لتعزيز الشمول المالي من خلال دعم وتطوير وتبنّى ابتكارات التكنولوجيا الماليّة لتسهيل وصول كافّة شرائح المجتمع خاصّةً الفقيرة منها، والمشروعات الصغيرة والمتوسّطة والمتناهية الصغر الى القنوات الماليّة الرسميّة، كأحد الدعائم لتحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة. كذلك، تعمل المصارف العربيّة على دمج قضايا البيئة وتغيّر المناخ وندرة الموارد الطبيعيّة في فكرها وممارساتها، وتبادر الى تشجيع الابتكار والإبداع وريادة الأعمال. من هنا، فإنّ دور المصارف العربيّة ليس محصوراً بتمويل القطاع العام أو بعض المشاريع التجاريّة المدرّة للربح فحسب، بل يتّسع نطاق دورها ليشمل عمليّة تحفير التنمية الاقتصاديّة وإرساء الاستقرار الاجتماعي.
^ تشهد منطقة الخليج بشكل خاصّ عمليّات إندماج مصرفيّة كبرى بما يؤدّي الى قيام وحدات مصرفيّة عملاقة… هل تؤيّدون مثل هذا التوجّه؟ ولماذا؟
ـ شهد القطاع المصرفي في منطقة الخليج في السنوات الأخيرة الماضية منافسة قويّة بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وانحسار هوامش الربح جرّاء تراجع الإنفاق الحكومي، وتراجع نمو الائتمان، ما دفع بعض المصارف الى اللجوء الى عمليّات الدمج. فقد اكتسبت عمليّات الاندماج داخل القطاع المصرفي في منطقة الخليج أهميّة في الوقت الراهن لغايات عدّة منها: خفض التكاليف وترشيد النفقات، رفع كفاءة التشغيل، زيادة قوّة التسعير لدى الكيان المصرفي الجديد، توسيع قاعدة الإيرادات، خفض تكلفة التمويل التي باتت مرتفعة خصوصاً مع ارتفاع سعر الفائدة الأميركيّة، وحسر الضغوط التنافسيّة للإقراض في فترة اتّسمت بانخفاض فرص التسليف، ممّا يحسّن من قدرة هذه المصارف على تلبية متطلّبات الامتثال والتحوّل الرقمي والمعايير المحاسبيّة الجديدة. من هنا، فإنّ عمليّات الاندماج المصرفي ظهرت كضرورة في الوقت الراهن لمواجهة التحدّيات المستجدةّ وتعزيز قوّة النظام المصرفي والتأسيس لمصارف كبرى قادرة على المنافسة. ونحن ممّا لا شكّ فيه نؤيّد هذا التوجّه لما له من مكاسب مثمرة خصوصاً إذا توفّرت شروط الجدوى الاقتصاديّة والماليّة لهذه العمليّات بشكل عام.
^ أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرباً تجاريّة على المستوى العالمي عبر فرض رسوم عالية على المستوردات من دول معيّنة… بما ينذر بتسعير الحرب التجاريّة والعودة الى منطق الحمايات. ما هو تأثير ذلك برأيكم على الواقع الاقتصادي العالمي؟ وهل من تداعيات سلبيّة له؟
ـ إنّ الحرب التجاريّة بين الولايات المتّحدة والصين والتي تزامنت مع رفع تدريجي للفوائد الأميركيّة وهروب الرساميل من الأسواق الناشئة، سيكون لها بلا شكّ ارتدادات على نمو الاقتصاد العالمي خلال عامَي 2018 و2019. فمنظّمة التجارة العالميّة توقّعت في أيلول/سبتمبر 2018 أن ينخفض نمو حجم التجارة العالميّة من 4.7% في العام 2017 الى 3.9% في العام 2018 مقابل توقّعات سابقة بنسبة 4.4%، على أن يتابع هذا النمو منحاه التراجعي ليصل الى 3.7% في العام 2019، ذاك أنّ فرض رسوم جمركيّة عالية على المستوردات من شأنه رفع أكلاف الإنتاج، خفض القدرة الشرائيّة، خفض الاستهلاك والاستثمار، تقليص التوظيف، وتحقيق تباطؤ في النمو في كبرى اقتصادات العالم. من هنا، خفّض صندوق النقد الدولي مؤخّراً توقّعاته لنمو الاقتصاد العالمي من 3.9% في العام 2018 و2019 الى 3.7% لكلّ من العامَين، مواصلاً تحذيراته من التبعات الاقتصاديّة للحروب التجاريّة.
^ تشهد معدّلات الفوائد ارتفاعاً في معظم الأسواق العالميّة، ويبدو أنّ اتّجاهاتها للعام 2019 مستمرّة على هذا النحو. ما تأثير ذلك على الواقع الاقتصادي بمجمله؟ تعرّضت عملات عدد من الدول لتراجعات، بعضها تدريجي (مثل مصر، تركيّا…) والبعض الآخر دراماتيكي (أرجانتين، فينيزويلا..). ما الأسباب برأيكم وهل من تأثيرات معيّنة على الاستقرار النقدي والمالي للدول المعنيّة خصوصاً والاقتصاد العالمي بشكل عام؟
ـ تعرّضت الأسواق الناشئة مؤخّراً لضغوط كبيرة على أثر رفع الفوائد من قبل الاحتياطي الفدرالي الأميركي لثلاث مرّات خلال العام 2018 وارتفاع سعر الدولار، ما أدّى الى هروب الرساميل من بعض هذه الأسواق وخفض أسعار عملاتها وتراجع احتياطيّاتها من النقد الأجنبي وزيادة مخاطرها ولا سيّما في ظلّ اعتماد البعض منها على التمويل الخارجي. وقد دعا ذلك عدداً من البلدان الناشئة الى اتّخاذ سلسلة من التدابير في محاولة لاحتواء تبعات الأزمة، كزيادة معدّلات الفوائد وخفض الإنفاق الحكومي وغيرها من التعديلات للسياسات النقديّة والماليّة. وقد أدّى وهن الآفاق لبعض الاقتصادات في البلدان الناشئة بسبب السياسات النقديّة المتشدّدة والتوتّر الجيو ـ سياسي والفاتورة المرتفعة للنفط، وبالإضافة الى تصاعد التوتر التجاري بين الولايات المتّحدة والصين، الى خفض التوقّعات بشأن النمو الاقتصادي العالمي بشكل عام.
^ أوقفت المصارف اللبنانيّة منح قروض عقاريّة، كما أنّها باتت تتشدّد في منح قروض لغايات استهلاكيّة متعدّدة… ما هي الأسباب والنتائج؟
ـ شهدت محفظة التسليفات المصرفيّة في لبنان تقلّصاً خجولاً نسبته 0.4% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 في ظلّ اقتصاد داخلي متواضع مع بقاء محرّكات النمو الرئيسيّة وهنة في الإجمال، وهيمنة مناخ الترقّب والانتظار على المستثمرين عامّةً، ونفاذ رزمة القروض السكنيّة المدعومة في بداية العام 2018 نتيجة الطفرة في الإقبال على القروض السكنيّة إثر إقرار سلسلة الرتب والرواتب. زد على ذلك توجّه المصارف اللبنانيّة الى تقليص حجم محفظتها للتسليفات بالليرة اللبنانيّة بعد أن أصدر مصرف لبنان مؤخّراً تعميماً يقضي بأن لا يزيد صافي التسليفات الممنوحة من المصرف للقطاع الخاص بالليرة اللبنانيّة عن 25% من مجموع ودائع الزبائن لديه بالليرة اللبنانيّة في مهلة أقصاها نهاية العام 2019. على ضوء ذلك، ونتيجة العلاقة العضويّة الوثيقة بين النمو الاقتصادي الفعلي ونمو محافظ التسليف، فإنّ التباطؤ في موجات التسليف لا بدّ وأن ينعكس على أداء الاقتصاد الحقيقي الواهن أصلاً، إنّما دون الوقوع في فخّ الركود أو النمو السلبي الفعلي في الاقتصاد.
^ ما هي قراءتكم للوضع المالي في لبنان؟ وما هي الحلول الواجب اعتمادها للحؤول دون حصول إنفجار مالي أو نقدي؟
ـ في حين أنّنا لا نتوقّع اضطرابًا ماليًا في العام ٢٠١٩ في ظلّ المكانة الجيدة لعناصر الحماية أو خطوط الدفاع الماليّة والنقديّة في لبنان، والمرتبطة بالموجودات الخارجيّة لدى مصرف لبنان التي تعادل اليوم نحو 78% من الكتلة النقديّة بالليرة ووفرة السيولة الأوّليّة لدى المصارف بالعملات الأجنبيّة والتي تمثّل أكثر من 45٪ من الودائع بالعملات الأجنبيّة، إنّ التحدّي الأكبر لدى الحكومة اللبنانيّة هو معالجة الاختلالات الماليّة والتي تشكّل اليوم عنصر الهشاشة للاقتصاد اللبناني، فيما يشكّل الدين العام 150% من الناتج المحلّي الإجمالي (ثالث أعلى نسبة على مستوى العالم) ويبلغ العجز المالي 10% من الناتج المحلّي الإجمالي (وهو من أعلى المستويات عالميّاً)، تبرز الإصلاحات كضرورة اليوم لتحقيق الهبوط الآمن في أوضاع الماليّة العامّة. وتضمّ هذه الإصلاحات إرشاد الإنفاق عبر تدابير تقشفيّة صارمة، وزيادة نسبة تعبئة الموارد وتحسين تحصيل الضرائب ومكافحة التهرّب الضريبي وإصلاح قطاع الكهرباء، إضافةً الى سلسلة من التدابير المحفّزة للنمو والتي تهدف الى تحسين مناخ الأعمال بشكل عام في لبنان. في حين أنّ المخارج لا تزال متوفّرة وهي تتطلّب خيارات اقتصاديّة صارمة من قبل واضعي السياسات، إلاّ أنّ ليس بمقدور لبنان تأخير الإصلاحات التي طال انتظارها. عليه، فإنّ إحراز تقدّم ملموس على هذه المستويات كما أنّ تنفيذ تعهّدات مؤتمر “سيدر” بشأن تمويل الإنفاق للبنى التحتيّة من شأنه أن يمهّد الى نقل لبنان من حقبة المخاوف الماكرو ـ اقتصاديّة الى حقبة الاحتواء التدريجي للمخاطر والتهديدات كحاجة أساسيّة لعمليّة تحقيق النهوض الاقتصادي وتقليص الفجوة بين الناتج المحلّي الإجمالي الحالي والناتج المحلّي الممكن تحقيقه.
^ هل تؤيّدون الإجراءات التي قام بها مصرف لبنان في إطار سعيه لدعم القطاع المصرفي؟ وتثبيت سعر صرف العملة الوطنيّة وتحقيق الاستقرار النقدي؟
ـ أطلق مصرف لبنان العديد من الهندسات الماليّة عندما كانت البلاد في حالة مراوحة سياسيّة على كافّة المستويات، من فراغ رئاسي لأكثر من سنتَين، الى برلمان ممدّد له لا يجتمع ولا يشرّع، وصولاً الى أزمة التشكيل الحكومي الراهنة. أتت هذه الهندسات كخطوات استباقيّة لتغيير الواقع الضاغط سوقيّاً بدءاً من العمليّات التي أطلقها مصرف لبنان في منتصف العام 2016 والتي أعطت للمصارف اللبنانيّة شروط مغرية بالليرة اللبنانيّة في سياق حسم شهادات إيداع وسندات خزينة بالليرة اللبنانيّة تملكها المصارف. وهذا ما خوّل بعض المصارف، التي ارتأت أن تتشارك بهذا المردود مع زبائنها وتعزيز قاعدة ودائعها، أن تقدّم شروط استثمار مغرية للمودعين في الخارج. وكان حجم العمليّات المشمولة بهذه الهندسات يناهز 14 مليار دولار.
وفي حزيران/يونيو 2017، قام مصرف لبنان بعمليّات أتاحت للمصارف توظيف سيولتها بالليرة لدى المصرف المركزي بفوائد تزيد بنسبة 1% عن منحنى المردود شرط أن تودع أيضاً لدى المركزي مبالغ مساوية بالدولار بفوائد أعلى بنسبة 0،5% عن معدّلات السوق. ثمّ أنّ عمليّات المصرف المركزي في أيلول/سبتمبر 2017 أتاحت للمصارف الاستفادة من تسهيلات بالليرة بفائدة 2% مقابل ودائع بالنقد الأجنبي طويلة الأجل لدى مديريّة القطع في المصرف المركزي (استحقاق 5 سنوات كحدّ أدني)، شرط أن تُستخدم العملات اللبنانيّة لشراء سندات دين بالليرة من السوق الأوّليّة أو الثانويّة، وقد كان حجم العمليات في العام 2017 يناهز 7 مليارات دولار.
أمّا في العام ٢٠١٨، فقد قام مصرف لبنان بعمليّة مقايضة مع وزارة الماليّة شملت 5.5 مليار دولار من سندات خزينة بالليرة كانت بحوزته واستبدالها بسندات أوروبوند أصدرتها وزارة المال على أن عاد وباع ما يناهز 3 مليارات دولار من سندات الأوروبوند الى المصارف اللبنانيّة والتي موّلتها عن طريق مقايضة شهادات الإيداع.
لقد جاءت هذه الهندسات الماليّة من قبل مصرف لبنان خلال فترات من الضغوط الاقتصاديّة والماليّة، وأدّت بالترافق مع الخطوات التي اتّخذتها المصارف التجاريّة الى تحسّن في بنية لبنان الماليّة، وبالتالي حماية العملة الوطنيّة والقطاع المالي برمّته من تداعيات تلبّد الأجواء السياسيّة في منطقة الشرق الأوسط ومن المخاطر التي يمكن أن تحملها الى لبنان، كما ساهمت في تدعيم أداء القطاع المصرفي، ولذا فإنّنا نؤيّد كلّ هذه الإجراءات ونشيد بمفاعيلها ونتائجها.
^ ما هي أهمّ إنجازات مصرفكم خلال العام 2018؟
ـ لا شكّ في أنّ أهمّ منجزات بنك عوده في العام 2018 يتمثّل في نمو الأرباح الصافية بنسبة 20% على أساس سنوي لتصل الى 410 ملايين دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018، علماً أنّ النتائج الصافية المجمّعة تواصل نموّها بشكل مطّرد وتتوزّع بصورة متوازنة على أهمّ ركائز تطوّر المجموعة، أي لبنان وتركيّا ومصر ونشاط الخدمات المصرفيّة الخاصّة، لتمثّل المكوّنات غير اللبنانيّة للمجموعة 32٪ من الأرباح غير المجمّعة في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018. هذا بالإضافة الى بلوغ نسبة حقوق حملة الأسهم العادية 11.4% (CET1) رغم الظروف المعاكسة في بعض بلدان انتشار المجموعة.
من ناحية أخرى، حقّق بنك عوده سبقاً في العام 2018 حيث وقف شاهداً على مواصلة الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد اللبناني عبر مبادرة “البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية” (EBRD) الى إتمام عمليّة استثمار في أسهم البنك في آذار/مارس 2018، والتي نوّه من خلالها بالقطاع المالي اللبناني الذي يشكّل العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي في لبنان ولسمعة البلد الدوليّة، وهو أوّل استثمار لـ”البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية” في رأسمال مؤسّسة مصرفيّة في منطقة جنوب وشرق البحر المتوسّط. وبنك عوده هو شريك قديم للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية الذي تدعم استثماراته الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم وقطاع التجارة من خلال بنك عوده مصر وأوديا بنك في تركيّا الذي استثمر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أيضاً في رأسماله.
هذا وفي إطار سعي كلّ من بنك عوده والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتّنمية الى تعزيز الطّاقة المستدامة في لبنان، خصّص كلّ منهما في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 زهاء 100 مليون دولار لفائدة المشاريع الخضراء، وتشمل هذه الجهود أوّل قرض في لبنان يُمنح في إطار آليّة تمويل الاقتصاد الأخضر للبنك الأوروبي لإعادة البناء والتّنمية. ويعالج البرنامج القضايا الحرجة بالنسبة الى التنمية المستدامة في لبنان على غرار تنويع مصادر الطاقة والحدّ من استخدام الموارد الطبيعيّة مثل الطاقة والمياه وتحسين كفاءة الطاقة للتخفيض من مستويات التلوّث والحفاظ على الموارد والمساهمة في بيئة أفضل.
يجدر الذكر أن ّبنك عوده نال جائزة “سفير الطاقة لعام 2018 عن فئة المؤسّسات اللبنانية”، وذلك في افتتاح الدورة التاسعة للمنتدى الدولي للطاقة في بيروت، وهو إنجاز جديد للبنك يبرز موقعه المتميّز كأهمّ مساهم في تمويل المشاريع المتعلّقة بالطاقة والمفيدة للمجتمع، ويشكّل دليلاً إضافيّاً على اقتناعه الراسخ بأنّ مثل هذه المشاريع المجدية من شأنها أن تنشّط الاقتصاد الوطني وأن تستقطب صيغاً تمويليّة يبدو لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يؤدّي ذلك الى استحداث فرص عمل وزيادة إنتاجيّة البلد وتحسين قدرته التنافسيّة، كما الى تنشيط الحركة التجاريّة.
أخيراً، تمّ هذا العام اختيار بنك عوده كـ”أفضل مصرف في لبنان” من قبل “Global Finance” وهي المجلّة التي تمتاز بخيرة 31 عاماً في مجال الأسواق الماليّة العالميّة، علماً أنّ المجلة اتّبعت في اختيارها معايير النمو في الموجودات والربحيّة والتوسّع الجغرافي والعلاقات الاستراتيجيّة وتطوير خطوط أعمال جديدة واستحداث المنتجات.

