يقول الدكتور عبد الباسط أحمد الشيبي، الرئيس التنفيذي للدولي الإسلامي، أن حصيلة تطورات العام ٢٠١٩ بالنسبة للقطاع المصرفـي عالميًا معقولة جدًا وهناك وعيٌ كبير لضرورة الحفاظ على الإستقرار الاقتصادي والمالي عالميًا لما لذلك من تأثير إيجابي على مختلف الشعوب والدول، مضيفًا أن القطاع المصرفـي العربي قد تأقلم مع الأزمات الحاصلة في المنطقة وأصبح خبيرًا في التعامل مع تداعيات كل أزمة على حدة.
الدكتور عبد الباسط الشيبي يتحدث أيضًا عن مفاهيم: الحوكمة والإدارة الرشيدة والمسؤولية الاجتماعية، فيرى حراكًا كبيرًا من القطاع المصرفـي العربي في سبيل الوصول الى تطبيقها، مشيرًا ان دولة قطر وصلت الى مرحلة متقدمة في هذا المجال.
الدكتور عبد الباسط الشيبي، الذي تمكّن من قيادة الدولي الإسلامي الى مواقع متقدمة على خارطة المصارف العاملة في دولة قطر خصوصًا والعالم العربي عمومًا، بفعل إدارته الحكيمة وقدراته القيادية وتطلعاته الإستراتيجية، يشير الى أبرز إنجازات المصرف خلال العام ٢٠١٩ وأهم الجوائز التي حصل عليها.
* ما هي قراءتكم لأهم التطورات التي حصلت في عالم المصارف خلال عام ٢٠١٩؟
القطاع المصرفـي هو أحد أهم القطاعات الاقتصادية ديناميكية وتطورًا على مستوى العالم ولكنه في الوقت نفسه يتأثر بالظروف الاقتصادية العالمية وخلال العام الماضي كان هناك الكثير بالنسبة للمصارف سواء لناحية تأثرها بالحروب التجارية أو تذبذب أسعار الفائدة وتقلبات أسعار الصرف للعملات الرئيسية وتداعيات خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي والتوترات الجيوسياسية في كثير من مناطق العالم، فضلًا عن تنامي المخاطر المتعلقة بالأمن السيبراني، ولعلنا في دولة قطر من الدول القليلة المحظوظة التي تعيش في ظروف جيدة اقتصاديًا وخاصة فيما يتعلق بالقطاع المصرفـي (ونحمد الله على ذلك). وفي العموم أود أن أكون متفائلًا واعتبر أن حصيلة تطورات ٢٠١٩ بالنسبة للقطاع المصرفـي عالميًا معقولة جدًا وهناك وعي كبير لضرورة الحفاظ على الإستقرار الاقتصادي والمالي عالميًا لما لذلك من تأثير إيجابي على مختلف الشعوب والدول.
* أزمات المنطقة المتعددة، التي تضرب بلدًا تلو الآخر…
كيف تركت تأثيراتها على القطاع المصرفـي العربي؟ وهل يمكن لهذا القطاع أن يلعب دورًا إيجابيًا حيث تكثر الإضطرابات والمشاكل؟
الأزمات ليست جديدة على منطقتنا وللأسف باتت جزءًا من هذه المنطقة وقد تأقلمنا مع الأزمات وأصبحنا خبراء في التعامل مع تداعيات كل أزمة على حدة، وكما يعلم الجميع فإن القطاع المصرفـي شأنه شأن جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى يتأثر بالأزمات وبعدم الإستقرار ولسنا في وارد تعداد الدول التي تعاني في منطقتنا، ولكن يمكن ملاحظة أن ذلك يؤدي إلى تأثر القطاع المصرفـي لأن بيئة الأعمال تتضرر والمشاريع تعاني وجاذيبة الإستثمار تضعف في البلدان غير المستقرة، وعليه فإن الحل الأمثل هو أن يتم توفير الحلول للأزمات التي تعصف بمنطقتنا، وعندها يمكن الحديث عن أرضية مناسبة ليقوم القطاع المصرفـي بدوره، في ظل عدم الاستقرار من الصعب أن يكون هناك بيئة مناسبة للعمل المصرفـي أو غير المصرفـي.
* أين يمكن أن نصنّف القطاع المصرفـي العربي من مفاهيم: الحوكمة والإدارة الرشيدة والمسؤولية الاجتماعية؟
نحن في العالم العربي جزء من القطاع المصرفـي العالمي ونتأثر بكل المفاهيم والمتغيرات التي تطرأ على هذا القطاع، وهناك حراك كبير في سبيل الوصول إلى تطبيق مفاهيم الحوكمة، وفي دولة قطر وصلنا إلى مرحلة متقدمة في هذا المجال وتقوم الجهات الإشرافية على القطاع المصرفـي بدور هام في مجال تعميق مفاهيم الحوكمة وسنّ الإجراءات التنظيمية الملائمة في مجال حوكمة القطاع المصرفـي، أما ممارسات المسؤولية الاجتماعية فقد قطعنا شوطًا هامًا فيها، ونحن كبنوك إسلامية تعتبر خدمة المجتمع أحد ثوابت ممارستنا سواء من حيث نوع الخدمات المقدمة ومراعاتها لقيم المجتمع وحاجاته وعدم تركيزنا على التمويلات الإستهلاكية فقط بل نركز على غايات وأغراض التمويل التي نحرص على أن تتوجه للتنمية، مع الإهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، هذا كله يضاف إلى دعمنا ومساندتنا للأنشطة اللاربحية التي تقدم قيمة مضافة للمجتمع.
* يؤكد الخبراء على ضرورة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في البلدان العربية بهدف تحريك النمو الاقتصادي، بما يحتّم إطلاق الإستراتيجيات العربية على المستويات الوطنية لتفعيل عملية تمويل المشروعات الصغيرة التي تحتاجها الاقتصادات العربية.
ما هي الخطوات التي يقوم بها مصرفكم في هذا المجال؟
بالفعل المشاريع الصغيرة والمتوسطة لها أهمية كبيرة جدًا في مختلف دول العالم بالنظر إلى ما حققته الكثير من الدول من أرقام تنمية بنتيجة تبنّيها لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث أن دعم هذه المشاريع يؤدي إلى تنمية أفقية تنعكس على فئة واسعة من المجتمع، وهو ما يمكن أن نصفه بأنه نوع من النمو المتوازن والمستدام الذي يسهم في عدالة توزيع الدخل على المجتمع، ونحن في الدولي الإسلامي ندرك أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة ولدينا إدارة كاملة تتعامل مع تمويل هذه المشاريع وحققنا خطوات كبيرة في هذا القطاع، ونعتبر في طليعة البنوك القطرية في مجال تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة ولدينا شراكات رائدة في تمويل هذا القطاع بالتعاون مع بنك قطر للتنمية، ونحن سعداء لتراكم خبراتنا في هذا المجال ونجد أن رواد الأعمال في بلادنا يحققون الكثير من النجاحات وبالتأكيد دعم الحكومة أساسي ودورنا مساهم ومكمل للدور الحكومي.
* زاد عدد المصارف الإسلامية عن ٦٠٠ مصرف تنتشر في نحو ٥٧ دولة، أي ما يعادل ثلث دول العالم، وقد أصبح نشاطها ونجاحها ملموسًا مقارنة بالتاريخ الطويل للمصارف التقليدية…
ما هي أهم أسباب نجاح المصارف الإسلامية؟
لم تنل المصارف الإسلامية حتى الآن حصتها التي تستحقها من القطاع المصرفـي العالمي وبرغم ذلك نلاحظ أن معدلات نمو المصارف الإسلامية أكبر من المصارف التقليدية، وثمة أسواق لم تدخل إليها المصارف الإسلامية حتى الآن ولكنها مرشحة بقوة لأن تزدهر فيها الصيرفة الإسلامية لتوافر القاعدة المادية والفكرية لقبول هذه الصيرفة، وفي الحقيقة أسباب نجاح المصارف الإسلامية له جانبين الأول: جانب يتعلق بقناعات الناس وأفكارها فهي تريد خدمات تنسجم مع نظرتها للمال وطريقة إستثماره والجانب الثاني: يتعلق بما أنجزته المصارف الإسلامية من سمعة طيبة في مجال عملها، حيث أثبتت الصيرفة الإسلامية أنها الأكثر ثباتًا في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والمخاطر المختلفة، حيث أنها تتعامل بأصول ثابتة لها رصيد واقعي وليس بمشتقات مالية لا يمكن تقدير قيمتها الحقيقية غالبًا، ولا شك بأن المؤشرات التي حققتها البنوك الإسلامية خلال الأزمات المالية المتعددة التي ضربت القطاع المصرفـي العالمي يعتبر أحد أهم العوامل التي زادت الثقة بالصيرفة الإسلامية وجعل الإقبال عليها كبيرًا، حتى من المجتمعات والدول التي لم يكن لها أية خبرة سابقة بالتعاملات المالية مع البنوك الإسلامية.
* تشكو بعض المصارف الإسلامية من ضعف الدعم الحكومي تجاهها، وقلة الإعتماد عليها في الإستثمارات والتمويل، بما يعدّ مشكلة حقيقية ومستدامة، فضلاً عن صعوبة إيجاد موظفين يُحسنون الجمع بين فقه المعاملات وفقه التعامل مع المصارف الإسلامية…
ما هي أبرز التحديات التي تواجه عمل وتطور المصارف الإسلامية؟
البنوك الإسلامية هي جزء من القطاع المصرفـي بشكل عام وهي ليست منفصلة عنه ويمكننا أن نتحدث عن المشاكل نفسها بالنسبة للبنوك التقليدية والإسلامية مع فوارق تتعلق بآليات العمل، ولعل أبرز التحديات التي تواجه البنوك الإسلامية ما زالت متعلقة بالمعرفة والوعي بدور هذه البنوك وآلية عملها، صحيح أن هناك تقدمًا ولكن حتى نصل إلى ما نريده نحتاج إلى الكثير من العمل ولعل إنتشار وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي سهّل المهمة، وعلينا كبنوك إسلامية صياغة الخطاب الملائم والرسالة المناسبة المكثفة التي تخدم الهدف، وأيضًا هناك تحديات تنظيمية تتعلق بعدم وجود قوانين في بعض الدول لعمل المصارف الإسلامية وهذا تحدّ كبير إذ أن توفير بيئة قانونية وتشريعية للعمل يحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وأيضًا هناك تحدّ يتعلق بالأمن السيبراني ومخاطر الإختراق وهذا الأمر مشترك ليس بين جميع البنوك فقط بل بين جميع القطاعات في العالم، والبنوك الإسلامية مطالبة أيضًا بالتجديد والإبتكار والإستجابة للمنافسة في تقديم المنتجات والخدمات التي يحتاجها العملاء من الأفراد والشركات، أما من حيث توفر الكوادر فإنه تحدّ ليس بالقليل ولكن بات هناك الكثير من الجامعات التي تدرس تخصصات متعلقة بالصيرفة الإسلامية ونحتاج لبعض الوقت حتى يمكن سد الفجوة بين العرض والطلب على تخصصات الصيرفة الإسلامية.
أما من ناحية الدعم الحكومي فلا أعتقد أن هناك تقصيرًا (أقله في دولة قطر حيث نعمل) وآليات العمل تتيح لنا كبنوك إسلامية المنافسة على قدم المساواة مع البنوك التقليدية.
* كيف تقيمون مركز الدولي الإسلامي محليًا، إقليميًا ودوليًا؟ وهل من خطط مستقبلية في هذا المجال؟
نحن كبنك قطري متواجدون في السوق منذ أكثر من ربع قرن ولدينا مركز راسخ في دولة قطر ونحن البنك الإسلامي الثاني من حيث القيمة السوقية ونحقق نموًا مستقرًا ومتوازنًا في مختلف مؤشرات الميزانية منذ سنين طويلة ونشارك بنشاط في تمويل مختلف المشاريع المحلية ولدينا شراكات نشطة جدًا وفعّالة مع مختلف قطاعات الأعمال المحلية، أما تواجدنا إقليميًا ودوليًا فهو عبر شراكات كثيرة ممتدة على مختلف قارات العالم ولدينا سمعة عطرة وجدناها في العام ٢٠١٩، حيث قمنا بإصدارين من الصكوك تم إدراجهما في بورصة لندن، الأول مطلع العام بمبلغ ٥٠٠ مليون دولار أميركي وحظيت بإقبال واسع من المستثمرين، حيث بلغت طلبات الإكتتاب نحو سبعة أضعاف الإصدار بواقع ٣,٤ مليار دولار وتم تسعير الإصدار عند هامش ربح ١٧٥ نقطة أساس فوق متوسط سعر التبادل لخمس سنوات وبعائد نهائي بنسبة ٤،٢٦٤٪ سنويًا، وقد شملت طلبات الإكتتاب مستثمرين من مختلف أنحاء العالم، حيث بلغت نسبة المستثمرين من الشرق الأوسط ٣٠٪ وباقي المستثمرين من أوروبا وآسيا وأستراليا ودول أخرى نسبة ٧٠٪، أما الإصدار الثاني فكان في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٩ بقيمة ٣٠٠ مليون وشهد إقبالاً كبيرًا فاق التوقعات من المستثمرين وشمل أكثر من ١١٢ مؤسسة من أكثر من ٢١ دولة حيث بلغت التغطية ٩ أضعاف الاصدار بواقع أكثر من ٢،٦ مليار دولار أميركي وتم تسعير الإصدار عند سعر سنوي ثابت ٤،٨٧٥٪، هو أقل تسعير لمثل هذا النوع من الإصدارات من دول المنطقة.
* ما هي أبرز إنجازات مصرفكم خلال العام ٢٠١٩ وماذا تتوقعون من نتائج؟
لقد تم بذل جهود كبيرة خلال العام ٢٠١٩ لتحسين الإستجابة لمتطلبات العملاء والإرتقاء بالخدمات والمنتجات المقدمة لهم وفق أفضل المعايير المعتمدة عالميًا، وقد رصدنا بالفعل إرتفاع مستوى رضا العملاء وتوسع قاعدتهم وهو أمر يسعدنا ويدفعنا للمزيد من الإبتكار والإستجابة لعوامل المنافسة في السوق، وقد حصدنا بنتيجة مؤشراتنا المتميزة تصنيفًا مرموقًا من شركات التصنيف العالمية، كما بذلنا جهودًا كبيرة في مجال الإهتمام بالإتجاهات الحديثة لخدمة العملاء المتمثلة بالقنوات البديلة كالخدمات المصرفية عبر الإنترنت وعبر الهاتف المحمول والهاتف المصرفـي ومركز الاتصال لما لذلك من أهمية لدى العملاء كما أنه يوفر على البنك الكثير من النفقات التشغيلية، وقد لاقت جهودنا في مجال تحسين جودة الخدمات الإهتمام والتقدير، حيث حصل الدولي الإسلامي على جوائز عديدة تقديرًا لمركزه وانجازاته خلال العام ٢٠١٩.
أما بالنسبة إلى توقعاتنا حول نتائج مجمل أعمال العام الماضي فإننا متفائلون وذلك استنادًا إلى أن أرقامنا كانت جيدة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام ٢٠١٩، ونحن حاليًا في مرحلة رفع البيانات المالية الى الجهات الرقابية، وبعدها سيتم الإعلان عن الأرقام في إجتماعات مجلس الإدارة المقبل.


