وجّه رئيس تجمّع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم الدكتور فؤاد زمكحل «رسالة صريحة ومن القلب إلى الدولة اللبنانية التي هدرت دماء شعبها وأبنائها»، فقال: «بدءًا أتقدمُ بالتعازي من كل قلبي إلى عائلتنا اللبنانية الكبيرة، إلى كل عائلة خسرت شهيدًا، وإلى كل عائلة تبكي وتتعذب، وأفكر بكل الجرحى، من أخوة وأخوات، يُصارعون الموت والوجع، جرّاء هذه الكارثة التي أصابت لبنان ككل.
أتحدثُ اليوم في هذا الجو المؤلم، المفعم بالقهر والحزن و(القرف)، الذي نعيشه راهنًا، وفي الوقت عينه، لا نستطيع الصمت، وتفادي هذه الأزمة الكارثية، هذه المعركة الكبرى، والتي نحن في خضمّها.
أُذكّر من دون أن أُوجّه أصابع الإتهام إلى أحد محدد عن الفاعل – المجرم بالقول: إن الإتهام الأكبر هو للدولة والسياسيين بطريقة مباشرة وغير مباشرة بالمعرفة او بالجهل، وإنجازاتهم في السنوات الأربعين الأخيرة. وأُذكّر بصوت عال، بأن الأشخاص الموجودين في الحكم هم أنفسهم الذين خاضوا الحرب الأهلية في ما بينهم، وأوقعوا ما يزيد عن ٢٥٠ ألف شهيد لبناني، ومن ثم إتفقوا، ليس من أجل السلام، إنما إتفقوا كيف يُمكن أن يجتمعوا من أجل أن يتحاصصوا ويوزعوا بين بعضهم البعض كل المشاريع الوهمية والمساعدات الدولية وان يُدمّروا لبنان إقتصاديًا وإجتماعيًا، لمدة ٣٠ عامًا.
نعم لقد إتفقوا في ما بينهم ضد الشعب اللبناني، كما أنهم قاموا بحرب اجتماعية ضد ابنائهم، ونهبوا الشعب بفسادهم، وبإدارتهم غير الحكيمة من دون أي شفافية واي محاسبة، كما هدروا أموال اللبنانيين ونهبوا المساعدات الدولية التي وصلت لبنان بإسم اللبنانيين والموجهة أصلاً لبناء البنى التحتية. إنها الطبقة السياسية نفسها التي هي اليوم قامت بإنجاز كبير جدًا عندما صنعت بيديها بمعرفة وبغير معرفة قنبلة نووية ضخمة، في حين نحن البلد الوحيد الذي صُنّعت فيه هذه القنبلة النووية، وفُجّرت في قلبه، وبين مواطنيه ومنازلهم وأحيائهم المكتظة، الذين أُصيبوا في الصميم جراء إنفجار مرفأ بيروت.
نعم هذا هو إنجاز السياسيين في لبنان، لكن بالنسبة إلينا، نحن اللبنانيين، إن ما حدث، يشكل جريمة ضد الإنسانية، وضد لبنان ككل، وللأجيال المقبلة، وستذكر أسماء هؤلاء السياسيين في التاريخ المظلم، الذي لن يرحمهم، بإعتبار أن هذه الكارثة التي تسببوا بها ضد الشعب اللبناني، سيتحمّلون عواقبها هم وأولادهم وأحفادهم ومَن يليهم، حيث لن يجدوا أحدًا يرحم ذكرهم أو يستطيع أن ينسى آثار هذه القنبلة النووية التي عاشت بيننا أكثر من ست سنوات، ولم يكن أحدًا يعلم بها وبمدى خطورتها على عاصمتنا وشعبنا الشريف والبريء.
أُذكّر بأن مرفأ بيروت هو أرض مملوكة للدولة اللبنانية، وتحت سلطتها ورقابتها، حيث وقع هذا الإنفجار الضخم، كما أن هذه السلطة نفسها التي لم تهدر أموال اللبنانيين بفسادها خلال السنوات الثلاثين الماضية وحسب، إنما لم تستطع أن تُعمّر بُنية تحتية واحدة ملائمة، حيث لم نزل «نشحذ» ونستجدي دول العالم من أجل أن يكون لدينا كهرباء، ومياه، وطرقات، وهاتف وغيرها.
إنها الدولة نفسها، التي أعلنت تعثرها المالي في ٧ آذار/مارس ٢٠٢٠ في بيروت، عندما لم تستطع أن تُسدد إلتزاماتها المالية بالأوروبوندز. إنها الدولة ذاتها التي منذ نحو سنة لم تستطع أن تُخمد الحرائق التي نشبت في لبنان، لأنها لم تكن تُجري صيانة لطائراتها المتخصصة بإطفاء الحرائق، أو لم يكن لديها مياه أصلاً، كي تُخمد النار وتحمي المواطنين من إمتداداتها على أرواحهم وأراضيهم وممتلكاتهم. في حين نجد أن البلدان المفلسة مثل قبرص واليونان هبّت بإرسال الطائرات المتخصصة بإطفاء الحرائق كي تُخمد حرائق لبنان عوضًا عن الدولة.
إنها الدولة نفسها التي هدرت وسرقت أموال اللبنانيين وحجزتهم، وحتى تاريخه ليس بمقدورهم الحصول عليها. هذه هي الدولة المسؤولة بطريقة مباشرة وغير مباشرة عن إنفجار بيروت. ورغم أني لستُ محققًا، لكن من البديهي القول: إن أي مجرم لا يُمكن أن يفتح تحقيقًا مع نفسه أو مع عائلته، أو مع شركائه، أو مع أصدقائه، لذا نحن اليوم نطالب وبإلحاح بالتحقيق الدولي من أجل أن نعرف الحقيقة، وما حدث تحديدًا بإخوتنا وأصدقائنا.
أذكّر مرة أخرى، إن هذا الإنفجار النووي الذي وقع في قلب العاصمة بيروت، ظهر من مقر عام، من أراض مملوكة للدولة، وتحت سيطرتها ورقابتها، وأمام موظفيها، وهذا الأمر ضرب قلب لبنان ولا سيما كل عائلة لبنانية، مما أدى إلى دمار كل بيت، حيث وقعت الفاجعة بوقوع الضحايا الشهداء والجرحى من كل بيت، وحيث عمّت الفاجعة كل الأراضي اللبنانية.
أذكّر اليوم، أن مرفا بيروت الذي يُعد قلب التبادل التجاري والاقتصادي للبنان، ومرافئنا البحرية هي أساس لبنان منذ الفينيقيين، من حيث الإستيراد والتصدير وغيرها من الأمور التجارية، وهو علامة مضيئة عن الاقتصاد الحر – الأبيض، حيث بنينا مؤسساتنا ونجاحاتنا.
لكن يا للأسف، إن مرفأ بيروت نفسه تحوّل في وقت غير بعيد، إلى قلب التهريب والفساد وفي صلبهما، في حين نحن نعلم أن التهريب من أصغر سلعة إلى أكبرها، حيث السلطات الدولية، إضافة إلى اللبنانيين الشرفاء يعرفون هذه الحقيقة، هو نتيجة الفساد، وعدم الإدارة، وعدم الرقابة والمحاسبة وعدم المسؤولية والإستهتار.
رسالتي اليوم إلى اللبنانيين، ليس من أجل البكاء على الأطلال، إنما من أجل أن أوصل إلى الجميع رسالة القهر والألم الذي يُعانيه كل اللبنانيين، ليس في لبنان وحسب، إنما في كل دول العالم، حيث يتألم اللبنانيون في لبنان والعالم، ولا سيما في بلدان المهجر حيث يستعيدوا ذاكرتهم عن السبب الذي دفعهم أو دفع أجدادهم لكي يتركوا لبنان، ويعيشوا في بلدان الإغتراب.
إن مطالبنا واضحة جدًا، وهي كالآتي:
أولاً: إجراء التحقيق الدولي عن الأسباب التي أدت إلى هذا الإنفجار النووي، وعندما أتحدث عن التحقيق الدولي، فإن ذلك لا يعني أننا لا نستطيع أن نُجريه في لبنان، لكن لأنه ليس لدينا أي ثقة بأي تحقيق يجري في لبنان، علمًا أنه لدينا أهم محققين، لكن لسوء الحظ يُمكن أن ينقلب التحقيق لمصلحة المنفّذين، المجرمين الذين تسببّوا بالإنفجار، وتاليًا يُمكنهم عندها الهروب من الجريمة والعقاب. لذا، إن مطالبتنا بالتحقيق الدولي ضرورية، كي لا تذهب هدرًا دماء ضحايانا من الشهداء والجرحى، من عائلاتنا وأخوتنا.
ثانيًا: أُوجه رسالتي إلى المجتمع الدولي: إن أي مساعدة ستأتي إلى لبنان، ينبغي أن تصل مباشرة إلى المستشفيات والشركات المتضررة، وإلى كل فرد تأذى من الحادث الأليم. لأن أي مساعدة ستمر من «الخط العام» وعبر الدولة نعرف مسبقًا أنها ستُهدر وستُسرق، وستذهب إلى تمويل الأحزاب، كما هو حاصل ويحصل على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة.
وأطالب المجتمع الدولي، ليس بالتحقيق الدولي والمساعدات الإنسانية فحسب، بل بتجميد حسابات كل السياسيين، الذين إجتمعوا على الباطل وتقاسموا الحصص منذ نحو ثلاثين سنة، حيث لم نعد نقبل بأن كل لبناني سيشحذ كل دولار، تعب عليه من عرق الجبين، في حين كل سياسي لبناني هدر أموال الدولة يعيش كالملوك خارج لبنان، لأنه إستطاع تهريب أمواله. إنها جريمة في حق الشعب اللبناني تُوازي بل تفوق القنبلة النووية التي أصابت قلبنا جميعًا وأدمته.
كما أطالب المجتمع الدولي، الذي يقدر، بمعاقبة السياسيين اللبنانيين ومحاربة الفساد، وفق قانون ماغنيتسكي وهوَ مشروع قانون قُدّم في الكونغرس الأميركي، وصادقَ عليه الرئيس السابق باراك أوباما في كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٢. وينصُ القانون على مُعاقبة الشخصيات الروسية المسؤولة عن وفاة محاسب الضرائب سيرغي ماغنيتسكي في سجنه في موسكو في العام ٢٠٠٩. ومنذ العام ٢٠١٦ والقانون مُفعّل على مستوى كل دول العالم، مما يُخوّلُ الحكومة الأميركية فرضَ عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم من خلالِ تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة وقد تمتدُ العقوبات إلى أمور أخرى.
ثالثًا: لقد حان الوقت لإجراء الإنتخابات النيابية المبكرة، لكن ليس بالطريقة عينها التي جرت سابقًا، إنما المطالبة بإجرائها تحت رعاية الأمم المتحدة ورقابتها. فقد حان الوقت كي يقول الشعب كلمته، ليس في الشوارع، إنما في صناديق الإقتراع. من هنا يبدأ التغيير الحقيقي من صلب الدستور، من دون أن نحمل الحجر أو السلاح، إنما سلاحنا هو صوتنا، وإعادة هيكلة دولتنا وإعادة بناء بلدنا واقتصادنا.
رابعًا: آسف بأن أقول هذا الكلام، لكن يجب قول الحقيقة: لا بد أن يكون لبنان تحت الوصاية الدولية، من قبل الأمم المتحدة، تحت حكم الفصل السابع وغيره لمدة معينة وبأهداف واضحة ومحددة ايضًا، لأننا كلبنانيين لم يعد بمقدورنا القيام بمتطلبات قيام الدولة. فمجتمع الأعمال الذي لا يريد خوض الحروب الأهلية وتخريب البلاد، يُطالب اليوم الأمم المتحدة بالوصاية الدولية، من أجل بناء الدولة التي نحلم بها. رغم الدمار، لدينا فرصة تكاد لا تُعوض (أو الفرصة الأخيرة) من أجل بناء الدولة الحقيقية والمتينة. ولن تمر هذه القنبلة النووية مرور الكرام، لأن مرورها بسهولة يعني نهاية لبنان.
في المحصلة، لدينا فرصة تاريخية من أجل أن نكون يدًا واحدة وصوتًا واحدًا، وأن نكون لبنانيين كلنا معًا، كي نُعيد بناء الدولة، حيث فشل السياسيون في إعمارها، ولا سيما في السنوات الثلاثين الأخيرة. فلم يعد لدينا شيء نخسره، فقد خسرنا شركاتنا، وأولادنا وعائلاتنا، ويحاولون أن يُوصلوننا الى خسارة كرامتنا وذكائنا، جرّاء ما يدور من تبادل للتهم وتصاريح سخيفة لا تُغني ولا تُثمن. نعم ليس لدينا ما نخسره، لكن لدينا الكثير لكي نربحه، وهو إعادة بناء بلدنا واقتصادنا».

