قال الدكتور أشرف جمال الدين الرئيس التنفيذي لمعهد “حوكمة”: “إن اقتصاد الإمارات يحقق نسب نمو متميزة؛ رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية”، وأكد أن الإمارات تقود الطريق حالياً في مجال تحسين الحوكمة بالمنطقة العربية على مستوى الشركات المدرجة بالبورصة والبنوك؛ لكن هذه الجهود والنجاحات كما يرى لا تنفي وجود فروق بيننا وبين بعض الدول المتقدمة في تطبيقات الحوكمة، وأن الطريق مازال أمامنا طويلاً.

ولفت الى أهمية التركيز في المرحلة القادمة على الشركات العائلية والخاصة غير المدرجة بأسواق المال؛ نظراً لضخامة بعض هذه الشركات، وتأثيرها الاقتصادي الملحوظ، وقال: “إن الدولة تحتاج كذلك الى المزيد من التشريعات الخاصة بالحوكمة في الشركات المملوكة للدولة لكونها المحركات الرئيسية في التنمية بالدولة”.

وقال:“إن التقديرات الحديثة تشير الى أن نسبة الالتزام الفعلي للشركات المدرجة في الأسواق المحلية بمعايير الحوكمة، تتراوح بين 60 الى 70% في الوقت الحاضر، مقابل نسبة لا تزيد على 18% للشركات غير المدرجة”.

 

^ كيف ترون الوضع الاقتصادي في الإمارات والمنطقة وعلى المستوى العالمي؟ وما تأثير ذلك على ممارسات حوكمة الشركات؟

 

ـ تُظهر الكثير من المؤشرات في الإمارات، أن القطاع الاقتصادي يحقق نسب نمو متميّزة على الرغم من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتشير توقعات البنك الدولي الى أن الإمارات ستسجل أعلى معدل نمو اقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2020، بنسبة تصل الى 3.2%، لتتجاوز بذلك المتوسط المتوقع لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كافة، والمرجح أن يكون بحدود 2.8%.

أما على الصعيد العالمي، فتمثل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أهم العوامل، التي ستلعب دورها في رسم مسيرة الاقتصاد العالمي، وستلقي بظلالها على حجم التجارة العالمية، وهي ـ إضافة الى أسعار النفط ـ، تشكّل محوراً أساسياً من محاور التأثير في الاقتصاد المحلي والعالمي.

وعلى صعيد المنطقة، فإن الظروف الجيوسياسية؛ تلعب دوراً أساسياً في رسم مستقبل اقتصادات المنطقة، والواقع أن الإصلاحات الاقتصادية، هي مفتاح معالجة المشكلات الجوهرية، التي تثقل كاهل الكثير من بلدان المنطقة منذ وقت طويل، ولذلك يجب تأكيد الدور الحيوي، الذي تلعبه ممارسات الحوكمة الجيدة في تحفيز النمو الاقتصادي؛ فالاقتصاد السليم يحتاج الى شركات فاعلة بممارسات صحيحة، لما لذلك من أهمية في استقطاب الاستثمارات والسيولة الأجنبية الى الأسواق المحلية، كما يحمي حقوق حملة الأسهم، وحقوق مساهمي الأقلية في الشركات.

 

^ هل تلمسون أي تغيّر في ثقافة الحوكمة على مستوى الشركات في الإمارات؟ وما الذي نحتاج إليه لترسيخ ثقافة الحوكمة؟ وهل تلمسون تحسناً في مستوى الشفافية والحوكمة على مستوى الشركات المُدرجة في أسواق الإمارات؟

 

ـ على مستوى الشركات المدرجة بالبورصة والبنوك، فإن الإمارات تقود الطريق حالياً في مجال تحسين الحوكمة بالمنطقة العربية، ويظهر ذلك جلياً في مؤشر الحوكمة والبيئة والمسؤولية الاجتماعية، الذي أطلقه معهد “حوكمة” بالشراكة مع مؤسسة “ستاندرد آند بورز” منذ عشر سنوات، الذي يؤكد التزام الشركات المدرجة بالإمارات، لكن هذه الجهود والنجاحات لا تنفي وجود فروق بيننا وبين بعض الدول المتقدمة في تطبيقات الحوكمة، وأن الطريق مازال أمامنا طويلاً. وتشير التقديرات الى أن نسبة الالتزام الفعلي للشركات المدرجة في الأسواق المحلية بمعايير الحوكمة، تتراوح بين 60 الى 70% في الوقت الحاضر، مقابل نسبة لا تزيد على 18% للشركات غير المدرجة.

وقد اكتسبت حوكمة الشركات المساهمة العامة أهمية كبيرة في الآونة الأخيرة، نظراً لدورها في إرساء قواعد الشفافية والمساءلة لإدارة الشركة حول كفاءة استخدام الموارد المتاحة وفقاً للأهداف المنشأة من أجلها. ولا يخلو أي حديث عن التطوير والتحديث لأي شركة من الحديث عن رفع مستويات الحوكمة بها. وقد أسهم التزام الدولة بمبادئ ومعايير الحوكمة في تحفيز الشركات العامة، وتشجيعها على النمو، ما أدّى الى تطور القطاعات الاقتصادية المختلفة مع الحد من الصعوبات التي تواجهها الشركات عندما تخطط للتوسع والدخول الى أسواق أخرى.

 

^ هل يمكن القول إن تطبيق معايير الحوكمة، يتحسن محلياً في كل عام أكثر من سابقه؟

 

ـ على مدار 12 عاماً من عمر معهد “حوكمة”، نستطيع القول: إن هناك فروقاً نوعية بين ما كان وما وصلنا إليه اليوم؛ ما يعني أن رحلة 12 عاماً من العمل والمؤتمرات، وتدريب الكفاءات والتعاون مع الشركات والجهات التنظيمية والرقابية، حقّقت بعض ما نصبو إليه. فالحوكمة اليوم، كمفهوم وواقع وتطبيقات في المنطقة العربية لها حضورها الحقيقي الفاعل، وقد لعب معهد “حوكمة” دوراً كبيراً في تشكيل رصيد من المعارف والخبرات؛ يؤهلنا للقول: إننا حققنا النجاحات، التي نرضى عنها؛ لكن ذلك لا يعني التوقف والاكتفاء. إن مثل هذه النجاحات، تفرض علينا الاستمرار، وبذل المزيد من الجهود والأعمال، من أجل المزيد من النجاح والتطور والاستمرار في العمل الدؤوب.

اليوم تغيّرت الصورة العامة للحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد أصدرت الجهات الرقابية والتنظيمية قوانين ومعايير حوكمة الشركات في المنطقة للشركات المقيّدة بالبورصات، وقد روجعت بالفعل هذه القوانين، وتم تحسينها، كما تطورت أيضاً ممارسات الشفافية والإفصاح للشركات المقيّدة في البورصات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل ملحوظ على مدار السنوات القليلة الماضية، وقد انعكس ذلك على مستوى جودة التقارير السنوية والإفصاحات التي تصدرها هذه الشركات.

 

^ ما أبرز التحديات أو المعوقات المؤثرة في مسار الحوكمة في الإمارات والمنطقة؟

 

ـ ما من شك أن هناك تحديات في مجال الحوكمة وتطبيقها. هناك تحديات ذات طابع دولي، وتحديات يمكن القول إنها ذات طابع محلي أو إقليمي. وتختلف التحديات: التي تواجهها الدول المتقدمة، التي قطعت شوطاً كبيراً في الحوكمة عن التحديات، التي نواجهها في المنطقة العربية والشرق الأوسط. وما يعنينا هنا؛ التحديات، التي تواجهنا، وكيفية التعامل معها، والتصدي لها. والتحديات، التي نواجهها ترتبط على سبيل المثال بثقافة وطبيعة عملية اتخاذ القرار لدينا، التي تتمحور في بعض المؤسسات حول الفرد، بينما الحوكمة تتحدث عن المؤسسية، وتفويض السلطات بين المستويات الإدارية المختلفة.

كذلك يأتي مفهوم الإفصاح والشفافية، بمعنى أن كثيراً من الشركات والمؤسسات تخشى من/أو لا ترغب في الإفصاح عن الكثير من المعلومات؛ بحجة سريتها أو أنها استراتيجية. وكثيراً ما يتعارض ذلك مع ثقافة الشفافية المطلوبة للحوكمة. كما تمثل الكوادر البشرية تحدياً لا يستهان به؛ فتصميم نظام حوكمة ممتاز، لا يعني أننا سننجح؛ فهذا النظام بحاجة الى الكوادر البشرية، القادرة على تطبيقه وتطويره بشكل مستمر، وأن يكون لديها القناعة بأهميته في نجاح المؤسسة ككل. كما لا يمكن تجاهل فكرة؛ أن من يشغل المناصب القيادية العليا في المؤسسات والشركات، هم أنفسهم أعضاء مجالس الإدارة في شركات أخرى، ما يعني ضخامة العبء المُلقى عليهم؛ ما قد يؤثر سلباً في اضطلاعهم بمسؤولياتهم في مجالس الإدارة.

 

^ تمّ خلال الفترة الماضية، إعلان العديد من التشريعات الجديدة… كيف ترون تأثيرها على النمو؟

 

ـ في الوقت، الذي تُعدّ فيه الإمارات بلداً صديقاً للاستثمار، فإن اللوائح التنظيمية صارمة، وتماثل تلك المطبقة في الدول المتقدمة؛ حيث أدركت الحكومة الإماراتية مبكراً أن تحقيق التقدم الاقتصادي؛ يستند الى وجود بنية تشريعية اقتصادية متطورة وعصرية، الى جانب التشريعات والنظم الأخرى، التي تنتهجها الدولة. ومن هذا الجانب، تنفرد دولة الإمارات بمزايا تنافسية عززت من مكانتها بين المراكز التجارية في المنطقة والعالم، وأسهمت في جذب الاستثمارات نظراً لمعدلات النمو، التي تحققها سنوياً ونظراً لمواكبتها لمختلف المتغيّرات والتطورات العالمية من خلال حزم المبادرات والقرارات والتشريعات المرنة التي تجعل من دولة الإمارات بيئة استثمارية من الطراز الأول، وهناك العديد من التشريعات والقوانين التي صدرت مؤخراً، التي أسهمت في تعزيز النمو الاقتصادي في دولة الإمارات، وكان أهم هذه القوانين هو قانون الاستثمار الأجنبي، الذي عزز من مكانة الإمارات على خريطة الوجهات المفضلة للاستثمار على الصعيد العالمي، خاصة أنه شكل ركيزة مهمة لتطوير البيئة الاستثمارية في الدولة، والارتقاء بالمكانة العالمية لها على مؤشرات التنافسية العالمية الخاصة بالاستثمار وسهولة ممارسة الأعمال.

 

^ وما التشريعات التي ما زلنا بحاجة إليها لتحسين مستويات الحوكمة؟

 

ـ إن الإمارات تتصدر المراكز الأولى إقليمياً في نشر الوعي عن أفضل الممارسات في حوكمة الشركات والشفافية، فيما تواصل تعزيز وتطوير الإطار التنظيمي بما يلبي الحاجة الى حماية حقوق المستثمرين بشكل أفضل، وتحتاج الدولة في المرحلة القادمة الى التركيز على الشركات العائلية، والخاصة غير المدرجة بأسواق المال نظراً لضخامة بعض هذه الشركات وتأثيرها الاقتصادي الملحوظ، كذلك تحتاج الدولة للمزيد من التشريعات الخاصة بالحوكمة في الشركات المملوكة للدولة لكونها المحركات الرئيسية في التنمية بالدولة.

 

^ على مستوى تطبيق التشريعات ومتابعة الالتزام بمتطلبات الحوكمة.، ما الآلية الأمثل برأيكم  لتحفيز الشركات على الالتزام؟ وهل فرض الغرامات والعقوبات الخيار الأكثر فاعلية على هذا المستوى؟

 

ـ إن الالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية والإفصاح ضروري لحماية حقوق حملة الأسهم، وحقوق أصحاب المصالح الآخرين في الشركات المدرجة، وله أهمية كبيرة في زيادة ثقة المستثمرين بالشركات الأكثر التزاماً بهذه المعايير لذلك يجب أن يدرك مجلس الإدارة أهمية ذلك، بغض النظر عن الضغوط الرقابية أو الجوائز والكؤوس وشهادات التقدير، فمن المهم إدراك قيمة تفعيل القوانين، اللازمة لمنع أية تجاوزات مثل: التداول بناءً على معلومات داخلية في تعزيز مصداقية الشركة. ويجب رفع التقارير، الخاصة بتطبيق معايير الحوكمة، بما يكفل متابعة درجة التزام كل شركة بالمعايير الخاصة بها. ومن المهم وجود نص واضح يحدد مسؤولية أعضاء مجالس الإدارة في الشركات المدرجة، بما يسهم في حماية حقوق الأقلية من المساهمين وأصحاب المصالح بالشركة.

 

نجاح الحوكمة

 

منذ بدأت الإمارات في التحول الى مركز عالمي للمال والأعمال، فقد بدأت أيضاً ببلورة وتطبيق فكرة ومفهوم “حوكمة الشركات” وقد حرصت على السعي الحثيث من أجل استقدام وتطويع وتبني أفضل الممارسات العالمية في مجال الحوكمة بهدف توفيرها ليس فقط للدولة، وإنما للمنطقة العربية عموماً.

وقد كان معهد “حوكمة” من الأدوات المهمة في تحقيق ذلك؛ من خلال خدمات وأنشطة عديدة. ويشمل ذلك تنظيم المؤتمرات والندوات، وتقديم محاضرات تعريفية بالحوكمة وأهميتها وقواعدها وأسسها الرئيسية. وقد قام المعهد بالتركيز على مختلف القضايا والقطاعات، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى الشركات سواء العائلية، أو الشركات المدرجة بأسواق المال، أو البنوك والمؤسسات المالية أو المؤسسات الحكومية.

كما أولى المعهد اهتماماً كبيراً بأنشطة وبرامج التدريب لكبار التنفيذيين بالحكومة والشركات وذلك كي يمتلكوا ناصية المعرفة والحقيقة والكيفية، التي يمكن من خلالها تطوير وتنفيذ وتطبيق قواعد وأسس الحوكمة في مؤسساتهم. كما قام المعهد، بتقديم الاستشارات للكثير من المؤسسات والشركات؛ من أجل مساعدتها في تقييم وتطوير منظومة الحوكمة في ضوء ظروفها والقوانين، التي تخضع لها.

 

أوجه القصور

 

لعل من أهمّ أوجه القصور هي: الحوكمة بالشركات العائلية والخاصة غير المدرجة، فدرجة الإفصاح بتلك الشركات منخفضة جداً، وكذلك لا يوجد بها أُطر حوكمة قوية، ويعرّض ذلك تلك الشركات وأصحاب المصالح بها للخطر حال وفاة مؤسس الشركة أو حدوث نزاع بين الأبناء، لذا سيركز المؤتمر السنوي لمعهد “حوكمة” في نيسان/ابريل القادم على حوكمة الشركات غير المدرجة لكي يحث المسؤولين والشركات على حد سواء على مواجهة تلك التحديات.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة