- العدد السنوي كانون الثاني/يناير 2021- المراقب التأميني

دعوى جزائيّة ضد الجرّاح وشقير والخرافـي

أعيد إحياء قضية مبنى “تاتش” من بوابة الدعوى الجزائية التي تقدّم بها المساهم وسيم منصور. يتّهم منصور كلاً من إدارة “تاتش” والوزيرين محمد شقير وجمال الجراح، إضافة إلى أصحاب المبنى بتهم تصل عقوبتها إلى سنوات من السجن، وتشمل «صرف النفوذ والرشوة وإساءة استعمال السلطة وتبييض الأموال». في الدعوى قرائن وأدلة على إجراء «هندسات» مالية وقانونية هدفت للاستيلاء على المال العام، وأدت في النهاية إلى دفع ١٠٠ مليون دولار ثمناً لمبنى تُقدر قيمته بـ٢٢ مليون دولار.

قضية مبنى تاتش، الذي دُفع ثمنه أموالاً طائلة، لم تمت. حتى بعدما حاول وزير الاتصالات السابق محمد شقير تغطية فضيحة سلفه المتمثّلة بدفع إيجار هائل وغير مستحق ثمنًا للمبنى، ذهب إلى فضيحة أكبر، من خلال تحويل عقد الإيجار إلى عقد شراء بثمن باهظ أيضًا. إيحاؤه أنه قام بعمل بطولي في توفيره على الدولة ٩٤ مليون دولار، كان يفترض أن يُستكمل بالادّعاء على من كان يريد تبديد هذا المبلغ، لكنه لم يفعل، مفضّلاً التستّر على فعل هو نفسه شكّك في صوابيته.

أُقفل الملف حينه على «إنجاز» شراء المبنى من دون أن يحقق أحد بأسباب هدر نحو ١٠٠ مليون دولار من المال العام. حتى الوزير الحالي لم يحرك الملف. لكن أخيرًا أعاد المُساهم في شركة «تاتش» وسيم منصور إحياء القضية من الباب العريض، رافعًا دعوى جزائية، أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت، ضد كل من: رئيس مجلس إدارة «ميك ٢» بدر الخرافـي، المدير العام لشركة إمري غوركان، رئيس مجلس إدارة شركة «سيتي ديفلوبمنت» (مالكة العقار) سمير كرم، رئيس مجلس إدارة شركة Realty Group AC (الشركة التي كانت شريكاً في الصفقة) حسين عياش، الوزيرين جمال الجراح ومحمد شقير، «إضافة إلى كل من يظهره التحقيق فاعلاً ومتدخلاً أو محرضًا». كما طالب المدعي بإدخال الدولة اللبنانية ممثلة بهيئة القضايا في دعوى «صرف النفوذ والرشوة وإساءة استعمال السلطة وتبييض الأموال» التي قدّمها.

في ١٣ تموز/يوليو ٢٠١٨، وقّعت شركة «تاتش» عقد إيجار مبنى جديد مع شركة «سيتي ديفلوبمنت»، بقيمة ٦،٤ ملايين دولار للسنة الأولى، على أن ترتفع قيمة الإيجار بنسبة ١،٥ في المئة سنويًا، بما يُشكّل ما مجموعه ٦٨ مليونًا و٥٠٠ ألف دولار خلال ١٠ سنوات (يمكن بعدها فضّ العقد بدون تعويضات).

لم يكن المبنى منجزًا عندما بدأ التفاوض بشأنه (على العظم). لكن «تاتش» تكفّلت بإنجازه من خلال عقد مع شركة SEG وصلت قيمته إلى ٢٢،٦ مليون دولار. لم يُحسم هذا المبلغ من الإيجار، بل على العكس ساهم في رفع قيمة المبنى. فبدلاً من أن تستأجر الشركة العقار بوصفه غير منجز، دفعت ثمن إنجازه ثم استأجرته بعقد «Core and Shell» (المبنى منجز مع الأقسام المشتركة، على أن تُترك المساحات الداخلية لتنجز من قبل المستأجر). فدفعت فارقًا بالإيجار يُقدر، بحسب حسابات الشركة، بـ ٥٨ في المئة، من دون الأخذ في الاعتبار أن «ميك ٢» هي التي أنجزت المبنى بأموالها. وإضافة إلى ذلك، لم يتم التمييز بين إيجار الطوابق السفلية وبين الطوابق الأرضية، بما يتعارض مع تقارير الخبراء الذين عاينوا المبنى.

من الملاحظات المشار إليها في نص الدعوى أن «مجموع بدلات الإيجار على مدى ١٠ سنوات تبلغ ٦٨،٥ مليون دولار، أي المبلغ نفسه الذي حُدد ثمنًا للبيع لاحقًا. بمعنى أن بدل إيجار مبنى قيد الإنجاز وصل إلى نحو ١٠ في المئة من ثمن مبيعه بعد إنجازه، وهي نسبة طائلة تتجاوز ستة أضعاف وضع السوق (من دون احتساب المبلغ الذي دُفع لإنجازه). كذلك، كان لافتًا أن «عقد الإيجار لم يحظ بموافقة الجمعية العمومية لـ«ميك ٢» ولا بموافقة ديوان المحاسبة، كما لم يثبت قط موافقة لجنة المالكين عليه».

فصل جديد في القضية فتحه محمد شقير بعد تسلّمه حقيبة الاتصالات خلفًا للجراح. في ٣١ تموز/يوليو ٢٠١٩، تم توقيع عقد البيع بين «سيتي ديفلوبمنت» و«ميك ٢». وقد حُدد ثمن المبيع بــ ٦٨ مليونًا و٦٠٠ ألف دولار (كلفة الإيجار لـ١٠ سنوات). كما اتُّفق على دفع ٢٣ مليونًا و٦٠٠ ألف دولار فور توقيع العقد، فيما الدفعات الباقية قُسّمت على ثلاث دفعات (١٥ مليون دولار تُدفع بتاريخ ١٥ كانون الثاني/يناير لأعوام ٢٠٢٠ و٢٠٢١ و٢٠٢٢، ويضاف إليها فوائد بقيمة ٥،١ ملايين دولار).

وفيما جاء في عقد البيع أن عقد الإيجار يُعتبر مفسوخًا ابتداءً من توقيعه الحاصل في ٣١ تموز/يوليو، لم تتم الإشارة إلى كيفية استرداد المبالغ التي تم تسديدها سلفًا سواء لاستكمال العقار أو بدل إيجار السنة الأولى، التي بدأت في ١/٤/٢٠١٩، والبالغ ٦،٤ ملايين دولار، علمًا أن «ميك ٢» استفادت من الإيجار عمليًا مدة ٤ أشهر من أصل سنة، ما يعني أنها دفعت قيمة إيجار الأشهر الـ ٨ المتبقية من السنة والبالغ ثمنها ٤،٢٦٧ ملايين دولار، من دون الاستفادة منها. وبحسب نص الدعوى لم يتم إيجاد أي مستند يثبت مطالبة «ميك ٢» باستعادة أيّ من هذه المبالغ.

وبالتالي، إذا جُمعت المبالغ المسدّدة فعليًا، فإن ثمن العقار يكون قد بلغ ١٠٠،٥٦٧ مليون دولار، موزّعة كالتالي: ثمن المبيع في عقد البيع ٦٨،٦ مليون دولار، الفوائد المحددة في العقد ٥،١ ملايين دولار، المبالغ المسددة لاستكمال المبنى ٢٢،٦ مليون دولار، المبالغ المسددة بموجب عقد الإيجار عن الفترة اللاحقة للعقد ٤،٢٦٧ ملايين دولار.

في الخلاصة، يخلص الوكيل القانوني لمنصور، المحامي نزار صاغية، في الدعوى المرفوعة أمام القضاء الجزائي، إلى أن إبرام صفقتَي الإيجار واستكمال المبنى ترافق مع هندسات قانونية ومالية، يستشفّ منها وجود إرادة بضمان تقسيم الربح الناجم عن هذين العقدين على مجموعتين مختلفتين: الأولى تتمثل بآل كرم، مالكي شركة «سيتي ديفلوبمنت»، والثانية تتمثل بحسين عياش بصفته الشخصية أو بصفته اسمًا مستعارًا لأشخاص معينين.

١٠٠ مليون بدلاً من ٢٢ مليونًا

وهذه الخلاصة يتوصل لها صاغية من الوقائع التالية:

تأسيس شركتين في الوقت نفسه قبيل إبرام عقد الإيجار (٢٦/٤/٢٠١٨)، وهما تحديدًا: شركة AC Realty المملوكة من حسين عيّاش وشركة ١٥٢٦ BC المملوكة من نبيل كرم (تأسست في ٢/٥/٢٠١٨).

ضمان بيع العقار للشركتين المُنشأتين حديثًا لضمان اقتسام المنافع غير الشرعية بين المجموعات المعنية بالصفقة. وهذا ما يتحصّل من خلال محضر صدر عن مجلس إدارة شركة AC Realty بتاريخ ٢٤/٥/٢٠١٨، حيث تمت الموافقة على حصول قرض مالي بالتكافل مع شركة ١٥٢٦ BC طويل الأجل من فرنسبنك بقيمة ٢٢ مليونًا و١٧٤ ألف دولار أميركي لتمويل عملية شراء البلوكين B وC، في مقابل التنازل لمصلحة فرنسبنك عن كامل المبالغ الناجمة عن بدلات الإيجار المعقود مع شركة «ميك ٢»، مع التأمين على القرض بضمانة العقار ١٥٢٦/ الباشورة.

يُفهم من ذلك أن الشركتين أنشئتا قبل التوقيع على عقد الإيجار وبمناسبة التفاوض عليه، بحيث استُخدمتا كأداة لضمان حقوق الفرقاء المعنيين بالصفقة. ومن شأن هذا الأمر أن يشكّل شبهة على حصول شركة AC المؤسسة بمناسبة هذا العقد على أرباح طائلة من دون مبرّر.

وما يعزّز ذلك هو أن شركة AC ليس لها أي رصيد خاصّ في لبنان ولم تقدم أي رأسمال، بل إنها استخدمت عقد الإيجار ذات البدلات المضخّمة للحصول على القرض من فرنسبنك لشراء العقار. أي أن رأسمالها الوحيد للحصول على قرض بقيمة ٢٢ مليون دولار وشراء نصف العقار تمثّل في أمر واحد، هو صفقتا الإيجار (بقيمة تتجاوز ٦٨ مليون د.أ) واستكمال المبنى (بقيمة تتجاوز ٢٣ مليون دولار). وهذا الأمر إنما يشكّل دليلاً قاطعًا على إبرام الصفقة لمصلحة هذه المجموعة بشكل خاص.

من الثابت أن تحديد قيمة القرض بـ ٢٢ مليون دولار لشراء المبنيين يؤشّر إلى أنه يمثّل القيمة الحقيقية لهما قبل استكماله على نفقة شركة «ميك ٢»، طالما أنه لم يكن لشركة AC أي رأسمال في الأساس ولم يثبت استخدامها أي مبلغ إضافـي في هذا الخصوص، وعلمًا أن المبنى لم يكن منجزاً آنذاك. وهذا الأمر إنما يكشف الإجحاف الحاصل في حق الدولة سواء في عقد الإيجار أو في عقد البيع لاحقًا، حيث دفعت في الحالتين أضعاف ما عليها دفعه. وهذا ما يمكن التأكد منه من مراجعة عقد القرض المبرم بين الشركتين وفرنسبنك.

كرم «يتبرّع» لعياش بـ٢٣ مليون دولار!

أثناء انعقاد مجلس إدارة شركة «سيتي ديفلوبمنت»، بتاريخ ١١/٧/٢٠١٨، تمت الموافقة على إدخال شركتَي ١٥٢٦ BC وAC Realty Group ضمن عقد التأمين الممنوح من قِبلها لفرنسبنك (رهنية العقار لمصلحة المصرف) بحيث تضمّن جميع المبالغ المتوجّبة أو ستتوجّب بذمّتهما تجاه مصرف فرنسبنك، والمحدّدة بثمن شراء البلوكين B وC. والمفارقة أن تسجيل محضر مجلس الإدارة هذا حصل في ١٢/٧/٢٠١٨ أي قبل يوم واحد من توقيع عقد الإيجار الحاصل في ١٣/٧/٢٠١٨.

فماذا يعني أن تتحمل هذه الشركة تسديد القرض الذي استحصلت عليه شركتان أخريان لشراء عقار منها؟ وماذا يعني أن يربط التوقيع على العقد بأن تتحمل هي ضمان هذا القرض تجاه المصرف؟ فكأنها تقبض ثمن العقار لتعود وتسدد قيمته للبنك أو كأنها تتفرغ عن العقار لقاء لا شيء. وهذا الأمر لا يمكن شرحه ولا تفسيره إلا على أن الشركة وافقت على بيع المبنيين لشركتين هي تملك إحداهما (أي أنها وافقت على بيع نصف المبنيين) وتحمّل تسديد قيمة القرض كاملاً، كل ذلك من أجل الحصول على عقد الإيجار واقتسام بدلاته. وبالنسبة إلى صاغية، هذا يشكل دليلاً شبه قاطع على أمرين: فداحة الإجحاف الحاصل في عقد الإيجار طالما أن ثمنه بلغ هذه المبالغ الطائلة، والثاني، دفع مبلغ غير مستحق للحصول على منفعة غير مشروعة، وهي عبارة عن تمكين شركة AC الحصول على قرض ٢٢ مليون دولار ستتحمل «سيتي ديفلوبمنت» مسؤولية تسديده، بفعل توسيع التأمين الملقى على عقارها لهذه الغاية، فضلاً عن التنازل عن نصف ملكية البلوكين. ويشير صاغية إلى أن ثمة واقعة أخرى ذات دلالة وهي تتمثل في استقالة حسين عيّاش من مجلس الإدارة وتفرغه عن أسهمه لمصلحة آل كرم وإبراء ذمته. وهذه الواقعة إنما تعني أمرين: (١) دمج شركات AC وBC وسيتي ديفلوبمنت بشكل كامل لمصلحة آل كرم، و(٢) إبراء ذمة عياش والمجموعة التي تختفي وراءه بالكامل بما يعني إبراء ذمتها من تسديد قرض فرنسبنك بالكامل.

وفيما يؤكد هذا الأمر إنشاء الشركة لغاية واحدة وهي تغطية الحصول على المنفعة غير المشروعة الناتجة عن عقد الإيجار، فإن توقيت تسجيل انتقال شركة AC إلى آل كرم حصل بالتزامن مع عقد بيع المبنيين لشركة ميك ٢. وهذا المحضر سُجّل في السجل التجاري بتاريخ ٢ آب/أغسطس ٢٠١٩، رغم أنه ورد في المحضر أنه نُظم منذ تاريخ آب/أغسطس ٢٠١٨. ولتاريخ تسجيل هذا المحضر دلالة كبيرة، فهو حصل بعد يومين من إبرام عقد بيع البلوكين لمصلحة شركة ميك ٢ وبالتزامن مع تسديد الدفعة الأولى من قيمة عقد البيع (٢٣ مليون دولار). ويُرجح أن يكون تنازل المجموعة وراء AC عن حقها بتملك المبنيين بالشراكة مع شركة BC بعدما تقرر بيع البلوكين لشركة ميك ٢ قد ترافق مع حصولها على منفعة أخرى بديلة من عقد البيع، قد تكون تمثلت في الدفعة الأولى من قيمة المبيع والبالغة ٢٣ مليون دولار، وحان لها أن تنسحب من هذه الشركة، تاركة لـ«سيتي ديفلوبمنت» مجمل الشركات المذكورة.

لا حصانة للوزراء عن أعمالهم الجرمية

من المدعَى عليهم في القضية وزيران، محمد شقير وجمال الجراح، وهما من حيث المبدأ كانا يتمتعان بالحصانة المستمدة من مركزيهما، لكن الوكيل القانوني لوسيم منصور يعتبر في شكواه أنه من البيّن أن الأفعال المدعى بهما بحقهما لا تشملها الحصانة الدستورية. وهذا ما يتحصل بوضوح كلي من الأحكام الصادرة عن محكمة التمييز وقد ذهبت في اتجاهين:

اتجاه أول وهو الحكم الصادر في قضية شاهي برصوميان، حيث وضعت المحكمة في عام ١٩٩٩ اختصاص القضاء العدلي بأنه يبقى قائمًا لملاحقة الوزراء عن الأفعال الجرمية المرتكبة منهم في معرض ممارسة وظيفتهم الوزارية ما لم يعمد المجلس النيابي إلى وضع يده عليها. ولهذه الغاية، استندت محكمة التمييز بشكل خاص إلى التعابير المستعملة في النص الفرنسي للمادة ٧٠ من الدستور وهو النص الأصلي الذي وضع فيه قبل ترجمته إلى العربية وقبل تعديله سنة ١٩٩٠، حيث جاء ما حرفيته أنه يحق لمجلس النواب اتهام الوزراء على خلفية الخيانة العظمى أو الإخلال بواجبات الوظيفة. وقد دعمت المحكمة قرارها بالإشارة إلى نص المادة ٦٠ المتصلة بحصانة رئيس الجمهورية حيث جاء في النصين الفرنسي والعربي ما حرفيته: «لا يمكن اتهامه (أي رئيس الجمهورية) إلا من قبل مجلس النواب». وبذلك، أقرت محكمة التمييز بوضوح كلي مبدأ عدم حصرية صلاحية الاتهام والاختصاص، بمعنى أنه يكون بإمكان القضاء العادي محاكمة الوزراء ما لم يتدخل المجلس النيابي لاتهامهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

واتجاه ثان هو الاتجاه الذي انتهت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قضية الادعاء ضد الوزير السابق فؤاد السنيورة حيث قرّرت بتاريخ ٢٧/١٠/٢٠٠٠ وجوب التمييز بين الأعمال المرتكبة من الوزراء وفق طبيعتها، وتحديدًا فيما إذا كانت مرتبطة مباشرة بالوظيفة الوزارية. وقد تمثل ذلك من خلال التّفرقة بين فئتين من الأفعال التي يمكن أن يقوم بها رئيس مجلس الوزراء والوزراء. الفئة الأولى وهي التي تندرج تحتها الأفعال النّاجمة عن الإخلال بالوظيفة أو الخيانة العظمى، وتشملها الحصانة الدستورية وتعود صلاحية الاتّهام فيها للمجلس النيابي واختصاص النظر بها للمجلس الأعلى وهي تشمل الأعمال «المتّصلة بصورة مباشرة بممارسة الوزير لمهامه القانونيّة الوزاريّة» والتي تتعلق «بالطّبيعة السياسية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزاريّة كما هو مقرر في القوانين». أمّا الفئة الثّانية، فتضمّ الأفعال التي تؤلّف كافّة الجرائم الأخرى، ويعود اختصاص النّظر فيها للقضاء العادي ومنها «الأعمال الجرميّة» المرتكبة من الوزير في «معرض» ممارسته لمهامه، أو في حياته الخاصّة، والأفعال المرتكبة منه ذات الصّفة الجرميّة الفاضحة والتي تؤلّف تحويلاً للسلطة عن طريق إحلال المصلحة الخاصّة مكان المصلحة العامّة.

أربع جرائم فساد!

بحسب نص الدعوى، فإن الأفعال التي أدّت إلى استئجار ثم شراء المبنى، أسفرت عن ارتكاب أربع جرائم فساد خطيرة تخضع للقضاء العدلي الجزائي (بالإضافة إلى جرائم أخرى تخضع لديوان المحاسبة ولهيئة التفتيش المركزي ومسؤوليات مدنية جسيمة على عاتق المدعى عليهم)، وهي الآتية:

تحقق عناصر المادة ٣٦٣ من قانون العقوبات، من خلال إبرام عقود إيجار المبنيين واستكمالهما ثم شرائهما بشكل مجحف بحق الدولة، بصورة متعمّدة وبأقلّ تقدير بناءً على خطأ فادح وجسيم، ما يفرض تطبيق هذه المادة.

تحقق عناصر جرم الإهمال وإساءة استعمال السلطة (المادة ٣٧٣ من قانون العقوبات)، من خلال إهمال القيّمين على شركة «ميك ٢» المطالبة بالمبالغ المستحقة نتيجة فسخ عقد الإيجار ابتداء من آخر تموز/يوليو ٢٠١٩، والبالغة ما يقارب ٤،٢٦٧ ملايين دولار، ما يشكّل جرم إهمال عملاً بهذه المادة.

تحقق عناصر صرف النفوذ والرشوة (المادة ٣٥٧ والمادة ٣٥٢ من قانون العقوبات)، حيث تثبت الأدلة حصول شركة AC على منفعة غير واجبة من شركة سيتي ديفلوبمنت وذلك مقابل الحصول على عقد الإيجار، ويُرجح أن يكون هنالك منفعة أخرى ناجمة بعد بيع المبنيين لشركة ميك ٢. ومن الواجب التقصي عن المستفيد الحقيقي من شركة AC ومدى ارتباطه بوزير الاتصالات وبإدارة شركة ميك ٢.

تحقق جرائم تبييض الأموال (القانون رقم ٤٤/٢٠١٥) والتي تظهر من خلال الهندسة القانونية والعمليات التي سبقت ورافقت العقود كلها والتي يتبين أنها لم تهدف فقط إلى تحقيق منفعة غير مشروعة بنتيجة صرف النفوذ والرشوة وإساءة استغلال السلطة، بل أيضاً إلى إخفاء هذه المنفعة غير المشروعة بمنفعة مشروعة قوامها الحصول على القرض. وقد شكل تأسيس شركتَي AC Realty Group و١٥٢٦ BC وعقد الإيجار وعقد القرض محور عمليات تبييض الأموال هذه كما سبق بيانه تفصيليًا.

 

 

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة