- تموز/يوليو رقم 344 - المراقب المالي

خطة تصفير الديون ستُفلس بعض المصارف الخاصة تمهيدًا لتصفية أصولها

قدرّت الحكومة اللبنانية في خطتها «الإنقاذية» حجم الخسائر المالية التي مُني بها لبنان بحوالي ٢٤١ ألف مليار ليرة، فيما لم تتعد تقديرات هذه الخسائر عتبة المئة ألف مليار ليرة في أسوأ حالتها وفقاً لكل من لجنة المال النيابية ومصرف لبنان وجمعية المصارف. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو المغزى من تضخيم رقم الخسائر في خطة الحكومة؟ ومن منطلق اقتصادي ومالي ومحاسبي، هناك بعض التساؤلات التقنية التي ينبغي الوقوف عندها:

١- هل طبقّت الحكومة المعيار الدولي التاسع لإعداد التقارير المالية IFRS٩ في تقديرها لحجم الخسائر المالية للمصارف والذي يضمن الخسائر المتوقعة للمصارف جراء القروض المتعثرة من خلال الضمانات التي يقدمها المستفيد من القرض؟ هذا بإعتبار أن المصارف التجارية اللبنانية مُلتزمة في تطبيق هذا المعيار في ما يتعلق بالتصنيف والقياس للأدوات المالية لناحية توقع الخسائر ونموذج انخفاض القيمة وفي آلية الاحتساب للموجودات والمطلوبات المالية في البيانات المالية أضف الى كيفية تصنيف الموجودات المالية وغيرها.

٢- لماذا لم تقدم المصارف اللبنانية الخاصة بعد نتائجها المالية للعام ٢٠١٩ عملاً بالقواعد المصرفية المعروفة، كما جرت العادة في السنوات السابقة وذلك تعزيزاً لمبدأ الشفافية والحوكمة؟ وما هو سعر الصرف الذي تعتمده في تقييم أصولها راهنصا؟

٣- لقد أرست لجنة «بازل» معدلاً موحدًا لكفاية رأس المال في المصارف من خلال ربط تقييم ملاءة البنوك في مجال المعاملات الدولية بمدى استيفائها لحدود معيار «بازل». هل المصارف اللبنانية ممتثلة لهذا المعيار؟ ماذا عن ادارة المخاطر في هذه المصارف، هل التزمت بشروط «بازل» للاقراض و٧٠ بالمائة من أصولها المصرفية (Centric Exposure) ذهبت الى جهة مدينة واحدة هي المصرف المركزي؟

٤- لماذا تُسابق الحكومة الزمن وتفترض أن المصرف المركزي سوف يتعثّر في سداد إلتزامات الدولة التي ستستحق في العام ٢٠٤٠ وتدرجه تحت بند الخسائر؟!

٥- لماذا لم تحتسب الحكومة قيمة الضمانات التي تغطي القروض الممنوحة الى عملاء المصارف الخاصة في تقديرها لحجم خسائر المصارف؟ وما الهدف من إدراج كل هذه القروض بوصفها ديوناً معدومة وبالتالي خسائر، ما يضعف المكانة المالية للمصارف على غير ما هي عليه فعلياً، حيث أن الضمانات المصرفية كفيلة بتخفيض قيمة التعثر.

٦- هل يُعقل أن يحتسب موجودات المصرف المركزي وفق سعر صرف ١٥١٥ ليرة للدولار، فيما تحتسب خسائره وفق سعر صرف يتجاوز الـ ٤٠٠٠ ليرة؟

٧- لماذا الإصرار على شطب الديون أو تصفيرها بالكامل في الخطة الحكومية؟ هل هناك بلد في العالم خال من الديون؟

٨- هل هناك نية الى التصفية الذاتية من قبل بعض المصارف الخاصة المتعثرة؟ وإن كان الجواب نعم، وفق أي سعر صرف؟

ثمة أخطاء محاسبية كبيرة في الخطة الحكومية، حيث اختلفت المقاربات واتسمت الخطة بخلل بنيوي من خلال استنداها الى آليات ومفاهيم غير واضحة، اضافة الى مفارقة القيمة الفعلية للخسائر وكيفية تسجيلها ونسبة توزيعها على كل طرف معني بالخسائر، فبدل مفاوضة حاملي الأسهم والدائنين لإعادة هيكلية الدين، نر الحكومة اللبنانية تخطط الى تصفير الدين السيادي – دون اعلان افلاس –، الأمر الذي يخالف القوانين العالمية والمعايير المحاسبية.

وبدل من التركيز على الإصلاح المالي والاقتصادي وسد قنوات الهدر والفساد، تضع الحكومة اللبنانية جهوداً كبيرة لتصفير ديونها «ولو محاسبيًا» من خلال عملية الاقتطاع المالي عبر اقتراحها ممارسات غريبة على المشهد المصرفـي اللبناني وحتى العالمي. فالحكومة تتطلع في خطتها الى المودعين اللبنانيين وفق نظام الشرائح أو ما يعرف بـ Slab System، حيث أنها ترّفع نسبة الاقتطاع مع ارتفاع قيمة الوديعة!.

ونرى بأن الخطة الإقتصادية الجديدة تطلب أموالاً لقطاعات الاتصالات والكهرباء وإنشاء السدود بعشرات مليارات الدولارات، وهو الأمر الذي لن يخدم في تحويل طبيعة الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي الى اقتصاد منتج، بل على العكس سيزيد من تراكم الدين كما حصل في السابق. وبالحديث عن مؤسسة كهرباء لبنان مثلاً، فإن قيمة العجز تتصاعد حيث يُتوقع أن تصل الى ٤٠ مليار دولار في العام ٢٠٢٠، في حين كان عجزها لا يتجاوز عتبة الـ ١،٢ مليار دولار فقط في العام ١٩٩٠ أي بعد انتهاء الحرب الأهلية.

إن مثل هذه الممارسات في شطب الديون سيضع القطاع المصرفـي اللبناني في مهب الريح. ونضرب مثالاً على ذلك بأن دولة آسيوية قد قامت فقط بتحويل ودائع مواطنيها بالدولار الى عملتها الوطنية منذ عام ١٩٩٨، ما «هشّل» المودعين ولا يزال قطاعها المصرفـي يعاني من هذه الخطوة حتى يومنا هذا أي بعد مرور ٢٢ عاماً.

وتفقد هكذا خطوات الثقة التي هي أساس أي علاقة بين المصارف والمودعين، في وقت كان القطاع المصرفـي يحافظ على معدلات نمو ايجابية لكل الفترة الماضية فيما ضاقت مصادر التمويل أمام الدولة اللبنانية، وارتفعت مخاطرها في كل القطاعات باستثناء هذا القطاع المنتج.

وتنظر الخطة الحكومية الى المودعين على أنهم الحلقة الأضعف، حيث تحرق أية جسور ثقة معهم مستقبلاً وتغفل عن حقيقة أنهم المصدر المستدام لسد عجز ميزان المدفوعات منذ ستينات القرن الماضي. وما من جهة ستعيد ترميم الاقتصاد اللبناني غير المغتربين ومع ذلك هناك اصرار غير مبرر على هدر حقوقهم لرؤية اقتصادية لا تؤمن بالاقتصاد الحر والملكية الفكرية.

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة