في الوقت الذي شهد النصف الأوّل من العام الحالي إقرار موازنة العام 2018 مع بداية السنة لتنتظم حسابات الماليّة العامّة، وعدد من مؤتمرات الدعم الدوليّة الناجحة، ناهيك عن إنجاز الانتخابات النيابيّة، إلاّ أنّ الاقتصاد الوطني لا يزال في وهن مستمرّ، بحيث بقيت محرّكات النمو الرئيسيّة بطيئة في الإجمال، كما يشهد على ذلك الأداء الضعيف لعدد من مؤشّرات القطاع الحقيقي. في غضون ذلك، وفي ظلّ ارتفاع طفيف في التدفّقات الماليّة وفائض في ميزان المدفوعات، كان النشاط المصرفي مقبولاً في الإجمال، مع نمو مؤاتي في الودائع رافقه نمو سلبي في حركة التسليف، إذ بلغ نمو الودائع المصرفيّة 3.7 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2018، وذلك على غرار الفترة المماثلة من العام الماضي، غير أنّ توزّع هذه الزيادة تبقى لصالح الودائع بالليرة اللبنانيّة التي حقّقت نموّاً بما نسبته 3.3% في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2018 مقارنةً مع تراجع طفيف في الفترة الموازية من العام المنصرم. إضافةً الى ذلك، لقد سجّل أجل الودائع بالليرة اللبنانيّة ازدياداً ملحوظاً من متوسّط يقارب 40 يوماً في تشرين الأوّل/اكتوبر 2017 الى ما يفوق 120 يوماً حاليّاً، ما يعزّز مناعة الوضعيّة النقديّة واستقرار العملة الوطنيّة.
أما في مصر وتركيا حيث لبنك عوده تواجد مهم، فقد كان الأداء الاقتصادي متفاوتا، اذ اقترب الاقتصاد المصري نسبياً من دائرة الاستقرار الماكرو اقتصادي وتعززت ثقة السوق بشكل تدريجي. عليه، من المتوقع ان يرتفع النمو الاقتصادي في مصر الى ٥،٣٪ في السنة المالية ١٧/١٨ في ظلّ انخفاض تدريجي في معدل التضخم الأساسي. من ناحية أخرى، استهلّت تركيّا الأشهر القليلة الأولى من العام 2018 بأداء اقتصادي مؤاتٍ مدعوم بتحسّن الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، قبل أن تظهر الضغوط على الليرة التركيّة وعلى أسعار المستهلكين في أيّار/مايو، نتيجة تنامي العجز في الحساب الجاري جرّاء نسب النمو المرتفعة في سياق تقلّص اهتمام المستثمرين في الأسواق الناشئة وحركة الرساميل الى تلك الأسواق. غير أنّ هذه الخلفيّة لم تمنع وحداتنا في مصر وتركيّا من الاستمرار في تطوير نشاطاتها وتحقيق نتائج مرضية.
في الواقع، سجّل بنك عوده ش م ل أداءً جيّداً في النصف الأوّل من العام 2018 نتيجة تحسين الظروف التشغيليّة وتعزيز إنتاجيّة الموارد المستخدمة، إضافةً الى الإدارة المتوازنة والحكيمة لمختلف المخاطر. وعليه، بلغت الأرباح الصافية المجمّعة لبنك عوده في النصف الأوّل من العام الحالي 265 مليون دولار أميركي، أي بنمو نسبته 25% مقارنةً مع الأرباح المتكرّرة في الفترة ذاتها من العام 2017. وقد وصلت مساهمة الوحدات العاملة في الخارج في تكوين هذه الأرباح الي 95 مليون دولار أميركي منها 39 مليون دولار عائدة الى أوديا بنك في تركيّا و33 مليون دولار أميركي عائدة لبنك عوده مصر. وقد افضى ذلك تعزيزاً إضافيّاً للمكانة الماليّة والفعاليّة الإجماليّة للمجموعة، كما تدّل على ذلك نسبة السيولة الأوّليّة من ودائع العملاء والبالغة 70.1% ونسبة الملاءة وفق “بازل 3” (18.3%)، ونسبة إجمالي القروض المشكوك بتحصيلها من القروض الإجماليّة (4.1%)، ونسبة العائد على متوسّط حقوق المساهمين العاديّة (14.7%).
وفي التفاصيل:
بلغت الموجودات المجمّعة لبنك عوده 44.9 مليار دولار أميركي في نهاية حزيران/يونيو 2018 مقابل 43.8 مليار دولار أميركي في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017، مسجّلةً نموّاً بنسبة 2.5%. وعليه، تكون هذه الموجودات قد ارتفعت بما قيمته 1.1 مليار دولار أميركي وهي زيادة إسميّة تأخذ بالحسبان تراجع سعر صرف العملة التركيّة. فلو اعتمدنا سعر الصرف الثابت (كما في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017)، تكون الزيادة الحقيقيّة بقيمة 1.9 مليار دولار أميركي. في المقابل، ارتفع إجمالي الموجودات المدارة خارج الميزانيّة، لا سيّما الودائع الائتمانيّة وحسابات الأسهم وحسابات الأموال المدارة، من 11.0 مليار دولار أميركي في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017 الى 12 مليار دولار، بحيث بلغ مجموع الموجودات المجمّعة وإجمالي الأموال المدارة 56.9 مليار دولار أميركي في نهاية حزيران/يونيو 2018. إنّ حجم مجموعة بنك عوده يجعلها المصرف اللبناني الوحيد المصنّف ضمن قائمة أكبر 20 مجموعة مصرفيّة عربيّة.
وصلت ودائع العملاء المجمّعة الى 31.3 مليار دولار أميركي في نهاية حزيران/يونيو 2018، في حين بلغ صافي التسليفات المجمّعة 14.6 مليار دولار أميركي في الفترة ذاتها، بحيث سجّلت هذه المجاميع تراجعاً مقارنةً مع نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017 ناجماً بشكل أساسي عن السياسة المعتمدة والرامية الي تحفيز تجميع النشاط في الأسواق الرئيسيّة لتواجد المجموعة من خلال الاستغناء عن ودائع غير مستقرّة عالية الكلفة في موازاة عدم تجديد بعض التسليفات التي استحقّت والتي تُعتَبَر مساهمتها غير أساسيّة في بناء الشهرة.
حافظ إجمالي الديون المشكوك بتحصيلها على المستوى ذاته كما في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017 ليصل الى 624 مليون دولار أميركي في نهاية حزيران/يونيو 2018. في موازاة ذلك، شكّل إجمالي الديون المشكوك بتحصيلها نسبة 4.1% من إجمالي التسليفات في نهاية حزيران/يونيو 2018 مقابل 3.5% في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017، حيث يبقى هذا التطوّر ناجماً بالكامل من التقلّص المسجّل على صعيد إجمالي التسليفات بما نسبته 11.4% نتيجة السياسة المعتمدة وليس من منحى سلبي في نوعيّة محفظة التسليف. وقد قامت الإدارة العامّة برصد مؤونات صافية مجمّعة على محفظة التسليف بما يوازي 60 مليون دولار أميركي في النصف الأوّل من العام 2018. وقد وصلت نسبة تغطية هذه الديون بالمؤونات المخصّصة والضمانات العينيّة الى 101% في نهاية حزيران/يونيو 2018 (من ضمنها 60% بالمؤونات المخصّصة) في حين وصل إجمالي المؤونات الناجمة عن التقييم الإجمالي المتعلّقة بمحفظة القروض والتسليفات للعملاء الى 204 مليون دولار أميركي، أي ما نسبته 1.4% من صافي هذه التسليفات.
في موازاة ذلك، تعزّزت نسبة الملاءة لدى المصرف ـ حسب معايير “بازل 3” ـ من 16.9% في نهاية كانون الأوّل/ديسمبر 2017 الى ما يقارب 18.3% في نهاية حزيران/يونيو 2018، فيما ارتفعت نسبة حقوق حمَلة الأسهم العاديّة (CET1) من 10.5% الى 11.1% خلال الفترة ذاتها. إضافةً، حافظت نسبة السيولة الأوّليّة المودعة لدى المصارف المركزيّة والمصارف الأجنبيّة الى ودائع العملاء على مستواها العالي مقارنةً مع المتوسّطات الإقليميّة والعالميّة، إذ بلغت 70.1%.
أمّا على صعيد الربحيّة، فقد سجّل بنك عوده في النصف الأوّل من العام 2018 نموّاً في أرباحه الصافية بعد المؤونات والضرائب بما نسبته 25% مقارنةً مع الأرباح الصافية للفترة ذاتها من العام 2017 قبل احتساب تلك الناجمة من النشاطات المتوقّفة، بحيث بلغت هذه الأرباح 265 مليون دولار أميركي. ويعود هذا الأداء بشكل أساسي الى السياسة المتوازنة والحكيمة التي اعتمدتها الإدارة في مجمل وحدات المجموعة والتي أدّت الى ازدياد هامش الفائدة بما يوازي 74 مليون دولار أميركي خلال الفترة ذاتها جرّاء تعزيز نسبة هامش الفائدة المجمّعة بما يوازي 34 نقطة أساس نتيجة تحسّن هذه النسب في مجمل وحدات المجموعة، علماً أنّ الزيادة في هامش الفائدة كانت لتبلغ 117 مليون دولار أميركي لولا الضرائب المستجدّة على الاستثمارات الماليّة في لبنان. وقد عوّض ازدياد هامش الفائدة عن تراجع العمولات والإيرادات الأخرى المتأتّية بشكل أساسي من الأرباح الناجمة عن الأدوات الماليّة من أسهم وسندات في ظلّ اعتماد سياسة ترمي الى استبدال تدريجيّاً العمليّات السوقيّة المعرّضة للتقلّبات بإيرادات متكرّرة ناجمة عن النشاطات الأساسيّة للمصرف.
بالإضافة الى ما سبق، بدأت الاستراتيجيّة الرامية الى تعزيز إنتاجيّة الموارد المستخدمة تترجم بتعزيز للفعاليّة الإجماليّة، كما يدلّ على ذلك انخفاض مجموع الكلفة التشغيليّة العامّة في النصف الأوّل من العام 2018 مقارنةً مع النصف الأوّل من العام 2017 بما يوازي 56 مليون دولار أميركي، منها 18 مليون دولار في لبنان و38 مليون دولار أميركي في الوحدات خارج لبنان، علماً أنّه من الضروري تصحيح هذا الأخير من تأثير تحويل العملات الاجنبية لا سيما جراء تدهور سعر صرف الليرة التركيّة خلال الفترة والمقدّر بـ9 ملايين دولار أميركي. وكان الوفر في الكلفة التشغيليّة الإجماليّة المسجّل لدى الوحدات العاملة في لبنان قد تحقّق في سياق الحفاظ على عدد المستخدمين ذاته وتطوير شبكة الفروع.
واستناداً الى هذه النتائج، تعزّزت نسبة العائد على متوسّط الموجودات لدى المصرف الى 1،22%، من 1،06% في نهاية العام 2017، بينما ارتفعت نسبة العائد على متوسّط الأموال الخاصّة العاديّة من 13.4% في نهاية العام 2017 الى 14.7% في نهاية حزيران/يونيو 2018. في المقابل، ارتفعت حصّة السهم العادي من الأرباح من 1.03 دولار أميركي الى 1.20 دولار أميركي على أساس سنوي.
في المحصّلة، تقوم استراتيجيّتنا في المدى المتوسّط على تعزيز موقعنا الطليعي في السوق اللبنانيّة. وبالتوازي، نسعى، في السوقَين التركيّة والمصريّة، الى تحسين موقعنا المميّز في ترتيب المصارف الخاصّة. ولبلوغ هذا الهدف، لا تتردّد المجموعة في تعزيز الموارد الضروريّة لتطوير طاقاتها البشريّة والتقنيّة، لا سيّما في حقل الصيرفة الرقميّة وتنويع الخدمات والمنتجات. فغايتنا هي مواكبة ديناميّة تطوّر المهنة المصرفيّة وتأمين جهوزيّتنا الدائمة لتلبية حاجات عملائنا الذين باتوا أكثر تطلّباً وأكثر انخراطاً في عالم الحداثة. والمحصّلة الطبيعية لهذا التوجّه هي طبعاً نمو مطّرد للموجودات والنتائج في السنوات المقبلة.

