وفرّت الاقتصادات سريعة النمو في آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي وعدد من الدول العربية، على مدى عقود، الفرصة لملايين الشباب ليعيشوا حياة أفضل من حياة آبائهم. لكن هذا المسار التصاعدي يواجه الآن خطرًِا حقيقيًا مع إرتفاع معدلات البطالة بين الشباب في المنطقة التي تضم أكبر كتلة سكانية تتراوح اعمارهم بين الـ١٥ و٢٤ عامًا في العالم.
هؤلاء الشباب الذين بالكاد بدأوا حياتهم العملية، يفقدون وظائفهم حاليًا بوتيرة أسرع مما يحدث مع الأجيال الأكبر سنًا، ذلك أن نحو نصف هؤلاء يتركزون في أربعة قطاعات اقتصادية كانت الأشد تضررًا من جائحة كورونا، بما فيها قطاعات تجارة التجزئة وتجارة الجملة والتصنيع والخدمات.
تقرير بنك التنمية الآسيوية يشير إلى أن الذين يعملون في أدنى السلّم الوظيفي من بين الأشد تضررًا من أزمة البطالة الحالية، محذرًا من سقوط «جيل الإغلاق» في بحر النسيان، علمًا أنه في وقت كانت بطالة الشباب تعتبر أزمة عالمية، فإن قارة آسيا انحازت بشدة خلال العقود الماضية للشباب وطوّرت طبقة متوسطة من أجل تحفيز الطلب الإستهلاكي المحلي – وهي الآلية التي تواجه الخطر الآن – فقد شكلت منطقة آسيا نحو ثلثي معدل نمو الاقتصاد العالمي في ٢٠١٩. ومن المتوقع أن تسجل حاليًا أول إنكماش لها منذ ستينات القرن العشرين.
يتوقع البنك الدولي أن يرتفع معدل الفقر العالمي المدقع في العام ٢٠٢٠ لأول مرة منذ أكثر من ٢٠ عامًا، بحيث تدفع جائحة كورونا ما بين ٨٨ و١١٥ مليون شخص إضافـي إلى الفقر المدقع، مع إرتفاع العدد إلى نحو ١٥٠ مليون شخص إضافـي بحلول العام ٢٠٢١، مع الأخذ في الإعتبار شدة الإنكماش الاقتصادي. ووفقًا للتقرير، فإن العديد من الفقراء الجدد سيكونون في بلدان لديها بالفعل معدلات فقر عالية، بينما ستشهد بعض البلدان متوسطة الدخل إنزلاق أعداد كبيرة من الناس إلى ما دون خط الفقر المدقع. ويقدر التقريرأن حوالي ٨٢٪ من إجمالي الفقراء سيكونون في البلدان متوسطة الدخل، علمًا أنه كان من المتوقع، لولا فيروس كورونا، أن ينخفض معدل الفقر هذا العام إلى ٧،٩٪.
هذا الواقع يدعو إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي تنظيم الإنتعاش المقبل واخراج جيل الشباب من دائرة الإغلاق للحد من حالات البطالة ومعدلات الفقر، عبر إتخاذ سلسلة من التدابير لتحقيق الأهداف المرجوة، من أهمها: الإستثمار في الأفراد ورعاية مواهبهم، وتسريع تبني إستخدام التقنيات الجديدة، حيث أنه خلال هذه الأزمة تم تعزيز التقنيات بشكل أفضل للحفاظ على إستمرار عمل الاقتصادات، مما سمح بالعمل عن بعد وتحسين التواصل ووصول المعلومات بشكل سريع. لذلك، على الدول تعزيز الروابط الرقمية وتسخير التقنيات الجديدة وتقديم المزيد من الخدمات عبر الإنترنت والحكومة الإلكترونية، ويمكن للشباب البارعين في مجال التكنولوجيا أن يكونوا الرافعة الحقيقية للإندماج بشكل أفضل في النظام الاقتصادي العالمي الجديد من خلال الرقمنة والتقنيات الجديدة المستخدمة؛ إضافة إلى تعزيز الحوكمة وتوفير الفرص للجميع.
في مواجهة هذا الوباء الذي أعاق اقتصادات العالم ونمو شعوبها، وحده جيل الشباب «جيل الإغلاق» حاليًا، قادر أن يشكل قوة العالم الإقتصادية الحقيقية بما يؤدي إلى مستقبل أفضل للجميع.

