السيد أنور علي الجمال، رجلٌ مصرفـي بامتياز، يتمتع بقدرات ادارية وعلمية عالية وبصفات خلقية واخلاقية لا غبار عليها، اهلته لادارة المصرف والارتقاء به وتوسيع آفاقه وأعماله خلال فترة زمنية قصيرة بعد تسلمه منصب رئاسة مجلس الادارة والادارة العامة… كما انه كان حريصًا جدًا على اقامة افضل العلاقات مع الجهات المالية والنقدية العالمية، فواظب على متابعة اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي، كما انه اقام شراكات مع جهات دولية واقليمية متميزة…
فما الذي حصل حتى يدرج اسم «جمال ترست بنك» على لائحة «أوفاك».
في تمام الساعة التاسعة من مساء يوم الخميس في ٢٩ آب/أغسطس الماضي، اتصل حاكم مصرف لبنان رياض سلامه برئيس مجلس النواب نبيه بري لاطلاعه على القرار الاميركي المتعلّق بجمال ترست بنك والمزمع اصداره خلال وقت قصير.
وفي تمام الساعة العاشرة اي بعد ساعة واحدة من ابلاغ حاكمية مصرف لبنان، اعلنت وزارة الخزانة الاميركية ادراج اسم «جمال ترست بنك» والشركات التابعة له: ترست للتأمين وترست للتأمين على الحياة وترست لخدمات التأمين، على لائحة الإرهاب التي يصدرها مكتب مراقبة الأصول الخارجية المعروفة باسم «أوفاك»، بتهمة توفير خدمات مالية ومصرفية لمؤسسات تابعة لحزب الله مدرجة على لائحة الإرهاب مثل «القرض الحسن» و«مؤسسة الشهيد» و«المجلس التنفيذي للحزب».
«جمال ترست بنك»، ثاني مصرف لبناني بعد «البنك اللبناني الكندي» تدرجه أميركا على لائحة الإرهاب وتحوّله إلى مصرف قيد التصفية، مع فارق أن التهم ضدّ «جمال ترست بنك» لا تتعلق بتبييض الأموال، بل القيام بعمليات مصرفية اعتيادية مثل فتح حسابات ودفع رواتب لمؤسسات مدرجة على اللوائح الأميركية.
في هذا السياق، استغربت مصادر مصرفية كيف يقع «جمال ترست بنك» في هذه المشكلة الآن، لافتةً الى أنّ المصرف عانى منذ فترة من بعض المشاكل الإدارية، ما استدعى تدخّل مصرف لبنان معيّنًا مديرًا عامًا جديدًا للمصرف هو الأمين العام للجنة الرقابة على المصارف سهيل جعفر.
وأكدت المصادر أنّ سهيل جعفر يُعدّ الرجل الثاني في لجنة الرقابة على المصارف منذ ٣٠ عامًا، وهو قدّم استقالته من اللجنة بمعرفة الحاكم وتولّى إدارة المصرف لتنظيم أعماله من جديد، وهنا السؤال المطروح هل يُعقل أن تمرّ عليه هذه المخالفات أم أنّ هناك ظلمًا في حق المصرف؟
ورجّحت المصادر أن يسعى الحاكم في الوقت الراهن الى بيع موجودات البنك، ويتردّد أنّ سلامه أبلغ الرئيس نبيه بري بأنّه من الأفضل ان تتم عملية شراء البنك من قبل متموِّلين من الطائفة الشيعية لأنّ غالبية موظفي المصرف ومودعيه هم من الشيعة.
وأوضحت أنه بعد أن تتمّ عملية البيع ستحقق الإدارة الجديدة بكل حساب على أن يتم إغلاق كل حساب مشبوه تباعًا. أما عن أسماء المصارف المرشّحة لأن تشتري «جمال ترست بنك»، فقالت المصادر «هذه الطبخة سرّية، وهنا تكمن أهمية الدور الذي سيلعبه حاكم مصرف لبنان وقدرته بأن يتواصل مع الجانب الاميركي، وخير دليل على ذلك إنهاؤه عملية بيع اللبناني الكندي الى سوسيتيه جنرال خلال عودته من أميركا، فلننتظر ونر كيف سيجد الإخراج المناسب لهذه العملية».
بيان وزارة الخزانة الأميركية
جاء في القرار الاميركي أن «المؤسسات الفاسدة مثل جمال ترست بنك تشكّل تهديدًا لصدقية القطاع المالي في لبنان، وان البنك قدّم الدعم والخدمات للمجلس التنفيذي لحزب الله ومؤسسة الشهيد، وموّل عائلات المفجرين الانتحاريين». وأضافت الوزارة إنها ستواصل العمل مع مصرف لبنان لمنع حزب الله من الولوج إلى النظام المالي العالمي، و«هذه الخطوة بمثابة تحذير لكل من يقدّم خدمات للمجموعات الإرهابية».
بيان الخزانة الأميركية أشار إلى أن إدراج «جمال ترست بنك» على لائحة «أوفاك» يسلط الضوء «على مواصلة حزب الله تقديم مصالحه على حساب اللبنانيين والاقتصاد اللبناني. نأسف أن يكون حزب الله سببًا للضائقة التي يعيشها المجتمع الشيعي، وندعو الحكومة اللبنانية إلى بذل الجهد للتخفيف من الأثر اللاحق بالأبرياء من أصحاب الحسابات الذين لم يعلموا بأن حزب الله وضع مدخراتهم في خطر».
وزعم البيان أن المصرف «ساعد ورعى أو وفّر الخدمات المالية والمادية والدعم التكنولوجي أو التمويل أو أي خدمات أخرى لحزب الله. وبعلمه، قام بتسهيل النشاط المصرفـي لمؤسسات تابعة لحزب الله. حزب الله، استعمل الحسابات المصرفية في جمال ترست بنك ليدفع أموالاً للعاملين لديه ولعائلاتهم، والمصرف أخفى هذه العلاقة مع العديد من مالكي مؤسسة الشهيد ومؤسسات تابعة لها منذ منتصف عام ٢٠٠٠ على الأقل، وعضو حزب الله النائب أمين شري ينسق النشاطات المالية الخاصة بالحزب مع المصرف».
البيان «السياسي» لوزارة الخزانة يثير تساؤلات عدة فيما تأتي الخطوة في سياق أحداث محلية وإقليمية لا يمكن فصلها عن مسار الضغوط المالية والعسكرية التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على لبنان. وهذه المرة تحمل هذه الضغوط توقيعًا واضحًا في استهداف مصرف مملوك من رجل أعمال شيعي ومحسوب بالدرجة الأولى على رئيس مجلس النواب نبيه بري، علمًا بأن هذا المصرف هو واحد من أربعة مصارف لبنانية مملوكة من رجال أعمال شيعة.
ومن شأن خطوة كهذه أن تثير بلبلة واسعة في القطاع المصرفـي، وتعيد التذكير بما حصل مع البنك اللبناني الكندي عام ٢٠١١ يوم وضعته وزارة الخزانة الأميركية على لائحة «أوفاك» وأجبرته على الإغلاق، إذ إن المصرف عندما يدرج على هذه اللائحة لا يعود قادرًا على إجراء أي من المعاملات المتصلة بالدولار الأميركي مثل تحويل الأموال من لبنان إلى الخارج وبالعكس، أو فتح اعتمادات للتجار، أو سواها من الأنشطة المصرفية… إذ إن هذا النوع من «العقوبات» يغلق أمام أي مصرف إمكانية للتعامل مع كل المصارف الأجنبية المراسلة ويجبره على العمل بشكل محلي وضيق جدًا وبالليرة اللبنانية فقط… بمعنى آخر يصبح المصرف قيد التصفية.
ما يزيد حدّة هذه المشكلة أن الظروف مختلفة قليلاً عما حصل في ٢٠١١ مع البنك اللبناني الكندي. يومها بادر المسؤولون في لبنان، بناءً على نصائح خارجية، إلى تشجيع دمج «اللبناني الكندي» بمصرف آخر، غير أن هذه الخطوة قد تكون غير محبذة اليوم، بعدما تعرض المصرف الدامج، أي «سوسيتيه جنرال بنك»، لشكوى قضائية في الولايات المتحدة من عائلات القتلى والجرحى الأميركيين في العراق اتهموه فيها بأنه شارك في «الأعمال الإرهابية»، بسبب دمج البنك اللبناني الكندي الذي «ثبت قيامه بنشاطات تمويل وغسل أموال لحساب حزب الله»، ويطالبونه بتعويض مالي، علمًا بأن هذه الشكوى لا تزال قيد النظر أمام القضاء الأميركي.
وهذا الاستهداف لـ«مصرف شيعي» ليس الأول من نوعه، إذ سبقته تهديدات واضحة لمصارف أخرى، مثل «فينيسيا بنك» (المملوك من رجال أعمال شيعة) أضيف اسمه قبل بضعة أسابيع إلى لائحة متصلة بالشكوى المرفوعة من قبل عائلات القتلى والجرحى الأميركيين في العراق. ويتردد أن هناك عشرات من رجال الأعمال الشيعة الذين أضيفوا الى اللائحة المقدمة للقضاء الأميركي إلى جانب «فينيسيا بنك». وفي ٢٠١٥ أدرج اسم مالك بنك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قاسم حجيج على لائحة «أوفاك»، ما دفعه إلى الانسحاب من المصرف والتخلّي عن مسؤولياته فيه.
بيان حاكم مصرف لبنان
كان لافتًا بيان حاكم مصرف لبنان رياض سلامه الذي التزم سداد المصرف ما وصفه «الودائع الشرعية» لعملاء المصرف. فُهِم أن هذه خطوة أولى سيقوم بها مصرف لبنان فور بيان الودائع والمودعين بالأسماء أفرادًا ومؤسسات. وسيسدد الودائع في أجل استحقاقاتها. ويسقط منها ما قد تظهره تحقيقات الهيئة الخاصة على صلة بـ «حزب الله» ولائحة الاتهام الأميركية، الأمر الذي لا يسري على الودائع العادية والالتزامات الأخرى على جمّال ترست بنك، التي تدرس من الناحية المصرفية للتأكد من صحتها. هذا ما قصده بيان سلامه سداد «الودائع الشرعية» التي لا تشمل المشكوك في صحتها وتلك الواردة في لائحة الخزانة الأميركية. وستسحب الشيكات لدى مصرف لبنان باسم المستفيد الأول وصاحب الحقّ الاقتصادي درءًا لأي سقطة في هذا المجال.
تعليق جمعية المصارف
أعربت جمعية المصارف في لبنان عن أسفها حيال إدراج المصرف على لائحة العقوبات، مؤكدةً أن هذا الإجراء لن يؤثر على القطاع المصرفـي بأي شكل كان.
وطمأنت الجمعية على سلامة أموال المودعين لدى جمال ترست بنك وتنوه بقدرة مصرف لبنان على اتخاذ كل التدابير اللازمة لمعالجة الوضع، مثلما كان قد حصل في مواقف سابقة.
وأكد رئيس جمعية المصارف في لبنان سليم صفير ان «مصالح المودعين في جمال ترست بنك وحقوقهم محفوطة».
وقال صفير بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون «قد تلقينا تأكيدًا من واشنطن أن لا مصارف أخرى موضوعة على جدول العقوبات».
موقف «جمال ترست بنك»
إزاء هذا الاتّهام، نفى «جمال ترست بنك» في بيان «كل الادّعاءات التي «يبدو» أنّ OFAC قد بنت قرارها عليها، مؤكدًا التزامه الصارم بقواعد وأنظمة مصرف لبنان، والتزامه بالقواعد واللوائح الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب «وهو أمر لا يتساهل المصرف به».
كما أكد أنه سيتّخذ كل الاجراءات المناسبة لتبيان الحقيقة كما سيتقدم بطلب استئناف لقرار OFAC أمام OFAC كما كافة المرجعيات ذات الصلة، لافتًا الى أنه سيعمل بالتنسيق وإرشاد مصرف لبنان ولجنة التحقيق الخاصة والهيئات الأخرى ذات الصلة في هذا الصدد لحماية مصلحة المودعين وعملاء «جمال ترست بنك» وتخطي الأزمة الراهنة.
وخلال الأيام اللاحقة لصدور البيان كان لافتًا اقبال المودعين على سحب ودائعهم من المصرف، وكان لافتًا ايضًا الإجراءات التي اتخذها المصرف بدعم قوي من مصرف لبنان، والتي ادت الى تأمين السيولة اللازمة لتأمين الاحتياجات المطلوبة، حتى ان المصرف قد سدد ودائع لأجل قبل استحقاقها، وفي ذلك تأكيدٌ على عدم السماح بضياع أية اموال على المودعين كما للدلالة على الموقف الداعم والقوي لمصرف لبنان في هذا المجال.
وفي هذا الاطار، لابد من الاشارة الى ان مصرف لبنان لم يواجه مشكلة في سداد التزامات جمال ترست بنك بالنظر الى حجم المصرف الذي لا تتعدى ودائعه بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية مبلغ ٨٢٠ مليون دولار أميركي، في حين تقدّر تسليفاته بنحو ٤٥٠ مليون دولار أميركي، وهو يشكل بذلك نحو ٠،٥٪ من اجمالي موجودات القطاع المصرفـي اللبناني.
إحتجاز وتجميد أموال
في الاطار نفسه، عُلم من مصادر مطلعة أن ستاندرد تشارترد، المصرف المراسل لـجمّال ترست بنك في الولايات المتحدة الاميركية، قد وضع يده على ٩ ملايين دولار أميركي عائدة للمصرف اللبناني، كما تم تجميد عملياته مع مؤسسة سويفت الدولية للتحويلات الأميركية فور صدور قرار الخزانة الأميركية.
مصير «جمال ترست بنك»
مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف يدرسان وضعية المصرف بالتعاون مع الهيئة الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وأموال الارهاب، المعنية المباشرة بقرار وزارة الخزانة الأميركية. فُهم أن العمل يتركز على محورين أساسيين يفترض أن يحددا كيفية سداد أصحاب الحقوق، وتصفية المصرف وشطبه من لائحة المصارف العاملة في لبنان، بعد أن توقف عن العمل بـ«القوة الأميركية القاهرة». لجنة الرقابة تدرس على نحو خاص وضعية تسليفات المصرف غير المشمولة بالسرية المصرفية خلافًا للودائع وبما ينسجم مع طبيعة عملها لتحديد جودة التسليفات من عدمها وفرز المشكوك في تحصيله منها والقابل للاسترداد، بينما ستقوم الهيئة المصرفية الخاصة التي لا تسري عليها السرية في مثل هذه الحالات، بالتحقيق في عمليات المصرف لناحية الوقائع التي بنت عليها الخزانة الأميركية اتهامها المصرف بتسهيل تمويل عمليات تتصل بـ«حزب الله» وليس بطبيعة الودائع والتسليفات ومدى جودتها وتطابقها مع المعايير المصرفية بموجب قانون النقد والتسليف ليكتمل الملفّ في متناول مصرف لبنان قبل أن يتخذ القرار النهائي.

