في 7 آب/اغسطس، نظّمت جمعية LIFE/فرع لبنان، ندوةً مغلقة في متحف سرسق حول مؤتمر “سيدر”. وشاركت فيه من لبنان كوادر مسؤولة أو مطّلعة على ما هو قائم على هذا الصعيد الى جانب أعضاء LIFE الآتين من أهم العواصم المالية العالمية (نيويورك، لندن، باريس…). وسأحاول بكل أمانة علمية نقل مضمون المداخلات والنقاشات التي تخلّلتها هذه الندوة تعميماً للفائدة من جهة ولإعادة الحوار والنقاش في نتائج مؤتمر “سيدر”، لما فيه من إيجابيّات للبلد. وأبعد من ذلك، فالمطلوب اليوم، حيث يبدو تشكيل الحكومة متعثراً، أن يشكِّل مجتمع الاقتصاد ضغطاً على طبقة تُمْعِنُ في الإستخفاف بعقول الناس ومصالحهم.
لقد تمحورت الندوة المشار إليها حول جلستين: تناولت الأولى حيثيّات مؤتمر “سيدر” وبعض جوانبه من جديد، وتركّزت الثانية على الإطار الماكرو ـ اقتصادي المفترض أن يساعد (أو يعرقل) برنامج الاستثمارات في البنى التحتية.
على صعيد المحور الأول، أظهرت المداخلات جملةً من التطورات الإيجابية، وأهمها أن العمل على متابعة وتنفيذ لبرنامج الاستثمارات مستمرّ بالرغم من الوضع السياسي القائم. ويجري التركيز في الوقت الضائع حكومياً على بلورة خريطة Mapping للمشاريع وللمستثمرين مع صياغةٍ أكثر تفصيلاً للآليات التنفيذية الممكنة. كما يجري العمل على تطوير الموقع الإلكتروني الذي يسمح بالحدّ الأقصى من الشفافية لكلّ ما يتعلّق ببرنامج الاستثمارات، وبما يتيح للمهتمّين الاطّلاع على المعلومات المطلوبة. ويعطي المجلس الأعلى للخصخصة (HCP) الأولوية لثلاثة مشاريع، يأتي في طليعتها توسيع وتطوير مطار بيروت الدولي، بتكلفة قد تكون بحدود 500 مليون دولار، ومشهد الازدحام الخانق في المطار خير شاهد على ضرورة وأهمية تطوير هذا المرفق الحيوي. أما المشروع الثاني، فيتمثّل بطريق خلدة ـ نهر إبراهيم مع ما قد تتطلّبه من استملاكات ومن خيارات لناحية الأنفاق على حساب الجسور! وتحدّد الخيارات المعتمدة التكلفة النهائية بما يراوح بين 250 ـ 400 مليون دولار. ويقوم المشروع الثالث على إنشاء مركز للمعلومات Data Center متطور جداً وبطاقة عالية ينقل لبنان الى مصاف الدول المتقدّمة على صعيد تكنولوجيا وشبكة المعلومات والاتصالات ويجعل البلد مرتكزاً إقليمياً هاماً.
وستعتمد الدولة في سياق تنفيذ هذه المشاريع الثلاثة على اتفاقات الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو ما يُعرف بمصطلح PPP خصوصاً وأن قانوناً خاصاً قد أُقـرَّ حول هذه الشراكة في انتظار بلورة وإصدار آلياته التنفيذية والتفصيلية.
لقد تمَّ التأكيد خلال النقاش على انخراط المؤسّسات المالية الدولية ـ كما كان واضحاً في مؤتمر باريس ـ في مسار برنامج الاستثمار في البنى التحتية، لناحية تقديم المشورة Advisory ولناحية توفير التمويل Funding وحتى الحلول محلّ أيّ طرف أو جهة تضطرّ لعدم الاستمرار في التزاماتها المالية المعلن عنها في باريس.
وستُضيف المؤسّسات المالية الدولية الى خدمات المشورة والتمويل مهمّة أساسية تكمن في تأهيل القطاع الخاص لمواكبة برنامج الاستثمار. ويبدو، حسب هذه المؤسّسات، أن قابلية القطاع الخاص للانخراط جيّدة وإيجابية. وتقوم المؤسّسات الدولية كذلك بدراسة التحدّيات التي قد تطرأ على ضوء تجارب مماثلة لها في العالم، علماً أن دورها سيقتصر على المشورة والتمويل دون التدخل في آليات عمل الجهات اللبنانية المعنيّة بالتلزيم والتنفيذ وما إليها من مهام.
تناول المحور الأول من الندوة بُعداً إضافياً هاماً في إنجاز برنامج الاستثمارات، ويتمثّل بدور القطاع الخاص في توفير جزءٍ من الاحتياجات التمويلية المقدّرة بمليارات عدة من الدولارات، وهو مبلغ مرتفع حتى ولو توافرت السيولة عملياً لدى المصارف. وتمَّ التساؤل المحقّ أيضاً عن أدوات وتقنيات التمويل: دين أو مساهمة (Debt / Equity)، وبأيّ نسبة لكلّ منهما. وعلى افتراض جعل المساهمة بحدود الثلث سيكون مطلوباً توفير مساهمات خاصة في ملكية المشاريع تفوق المليار دولار. وقد يكون مفضّلاً تعبئة مثل هذه المبالغ من خلال تأسيس صناديق للاستثمار في البنى التحتية. وهكذا فإن اعتماد الـشراكة بين العام والخاص لا يطرح أو يحسم أو يجيب على كلّ التساؤلات والتحدّيات التي تتخطّى إطار الشراكة. والمطلوب بلورة المخاطر والمردود المتوقع إزاءَها آخذين في الاعتبار تصنيف لبنان السيادي. وليس واضحاً حتى الآن وجود أيّ إطار شامل يتضمّن كل الجوانب التي يتوقّعها المستثمر.
على صعيد المحور الثاني لندوة LIFE، فقد تمَّ تناول مدى ملاءمة/عدم ملاءمة الإطار السياسي والماكرو ـ اقتصادي في لبنان للتعامل بكفاءة ولاستيعاب هذا الحجم من الاستثمار ومن المشاريع في وقتٍ يبدو تشكيل حكومة أمراً متعذّراً أو يكاد!
وقد شمل هذا التساؤل الجوانب المؤسّساتية والأوضاع المالية والنقدية. فرأى مسؤولون شاركوا في الندوة أن الإطار المؤسّساتي يتمتّع بجهوزية. فالمجلس النيابي استطاع أن يُنجز موازنات لعامَيْ 2017 و 2018 بعد انقطاع عن هذا الموضوع لمدة 11 سنة!. وبالرغم من الأزمة الحكومية المتمادية، فإن اللجان المشتركة في المجلس تناقش عدداً من مشاريع القوانين المُحالة إليها (11 مشروعاً). وبعضها يطال ويُسهِّل وضع مقررات باريس موضع التنفيذ. كذلك، تبيّن من مداخلات المسؤولين المشاركين أن عمليّة قطع حساب المالية العامة للسنوات 1993 ـ 2017 قد شارفت على نهايتها. وهذا، إن تحقق، يُعتبر إنجازاً هاماً على صعيد المالية العامة للدولة وشفافية حساباتها، كما يسمح بالعودة المنتظمة لقطع الحسابات الذي يُعدّ مهماً لضبط الإنفاق العام ومراقبته.
وحول قدرة الدولة على الالتزام بخفض عجز المالية العامة 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً خلال السنوات الخمس المقبلة، أي بمعدّل واحد في المئة سنوياً، ما يُعتبر مدخلاً ضرورياً لإطلاق برنامج الاستثمار في البنية التحتية الذي تمَّ إقراره في باريس، جاءَ الردّ أن هذا الهدف (الشرط) قابل للتحقّق، من جهة، بضبط عجز الكهرباء وتالياً حجم الدعم المقدّم لهذا المرفق، ومن جهة ثانية، بضبط حجم الإنفاق في موازنة العام 2019 حيث من الممكن خفضها بما يقارب المليار دولار، وذلك من خلال ضبط التحويلات غير المبرّرة الى العديد من الجمعيات وترشيد الإيجارات المدفوعة لقاء المباني الخاصة المستأجرة لوزارات ولإدارات حكومية وكذلك ضبط التحويلات للضمان الاجتماعي وغيرها من مسارب وقنوات الفساد والهدر المنظَّم الذي يزيد حسب تقديرات نُشِرت مؤخّراً عن 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتصبّ كلّ التوصيات التي رفعتها اللجان النيابيّة المختصّة في إطار الوفر بالنفقات وتاليًا تقليص عجز المالية العامة.
بالإضافة الى فعاليّة الإطار المؤسساتي وترشيد المالية العامة، توقّفت الندوة عند الوضع النقدي وإمكانيّة استمراريته. وأكّدت المداخلة الرئيسية على هذا الصعيد أن لا داعي للمخاوف غير المبرّرة ولا وجود لما يدلّ على قرب وقوع أزمة نقدية في لبنان. وليس أدلّ على ذلك من كون معدّل دولرة الودائع لم يشهد تغيّراً ملموساً خلال العام 2018 مقارنةً مع العام 2017 بل بقي عند المستويات التاريخية التي ميّزته (66/68 في المئة). كما حافظ مصرف لبنان على مستوى الموجودات الأجنبية لديه وبحدود 44/45 مليار دولار، ما يتيح ضمان الاستقرار النقدي للسنوات المقبلة بانتظار معالجة الاختلال في المالية العامة وبانتظار تحريك العجلة الاقتصادية من خلال تنفيذ المشاريع الهامة المدرجة في برنامج الاستثمارات، وربما أخيراً بانتظار نضوج ملف استخراج النفط والغاز وما يرتبط به من تدفق إضافي للعملات الأجنبية الى البلد وتحسّن المدفوعات الخارجية. وردّاً على تساؤل حول موضوع العقوبات Sanctions لاسيّما الأميركية منها، تمَّ التأكيد على فعاليّة متابعة مصرف لبنان وجمعية المصارف لهذا الملفّ وعلى متانة العلاقة مع المصارف المراسلة التي وسّعت تعاملها الى عدد أكبر من المصارف اللبنانية، وقد عبَّرت المصارف المراسلة عن ارتياحها لشفافية ودقة وسرعة المعلومات التي توفّرها المصارف اللبنانية عند طلبها. كما تمَّت الإشارة كذلك الى أهمية التعميم الرقم 126 الذي كان مصرف لبنان قد أصدره والذي يطلب فيه الى المصارف الالتزام بما تلتزم به المصارف المراسلة في ما يخصّ العقوبات والمعايير الدولية.
ختاماً، أظهر النقاش العام في ندوة LIFE مجموعة مسائل بل تحدّيات ستواجه لبنان تهيئَةً لتنفيذ برنامج استثماري في البنى التحتية، ونذكر منها ثلاثة. أولاً إن عملية تقليص حجم القطاع العام، وهي عملية قد بدأت، ستتطلّب وقتاً ولن تكون بسحر ساحر. وتكمن المسألة الثانية في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتج عن ضبط المالية العامة والإنفاق غير المبرّر، إذ يترتّب بالضرورة على الإصلاح المالي والإداري إزدياد معدّلات البطالة وتراجع معدّلات النمو في مرحلة أولى. أما المسألة الثالثة والأخيرة، فتعود الى القدرة على التنفيذ الجيّد والمتابعة المجدية، إذ لا يكفي إقرار القوانين والتشريعات المطلوبة لتحقيق الإنجازات، بل ثمّة مشكلة في الهوّة القائمة بين التشريع والتنفيذ وما يحتاجه ردمها من إدارة عامة كفوءة ومؤهّلة ومن قطاع خاص كفوء ومؤهّل بدوره. وإن إنخراط الكوادر اللبنانيّين التنفيذيّين المنتسبين الى “لايف” LIFE والمتواجدين في أهمّ المؤسّسات المالية الدولية ببرنامج الإستثمار في البنى التحتية يشكّل مكسبًا لحسن تمويل وتدبير المشاريع المدرجة في هذا البرنامج. فقد آن الأوان ليستفيد لبنان من طاقاته البشرية المنتشرة والتي تتمتّع بدرجة عالية من التقانة والخبرة.
بقلم: الدكتور مكرم صادر

