كشف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) عن تقريره “سياسة الاستثمار في لبنان” (Investment Policy Review)، الذي أعده بناءً على طلب الحكومة بغية الإطار التنظيمي للاستثمار في لبنان لتحديد القيود الرئيسية التي تحد من إمكانات لبنان لاستقطاب الاستثمارات، بالإضافة إلى تقديم توصيات لمعالجة هذه القيود.
أضاء التقرير على القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر في لبنان، لافتاً الى أن القطاع الخاص يعتبر الفساد كأحد أهم المعوقات أمام ممارسة الأعمال في البلاد، وإن الإطار القانوني والمؤسساتي لمكافحة الفساد غير مكتمل. لذا دعت UNCTAD الى التطبيق الفعال للنافذة الموحدة لإدارة الجمارك، وتقديم دعم سياسي كبير لمكافحة الفساد، وإدخال أحكام مكافحة الفساد في مشروع قانون المشتريات العامة. وعلى المدى المتوسط، دعت السلطات الى تحسين مكننة إجراءات الجمارك، وإنشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد، واعتماد مشروع قانون المشتريات العامة، واستكمال الإطار القانوني لمكافحة الفساد.
وكان لافتاً تقويمه للقانون رقم 360 لتشجيع الاستثمارات في لبنان، إذ اعتبره غير شامل، فيما بعض القطاعات، كتلك المتعلقة بالاتصالات الهاتفية الثابتة ونقل الطاقة مغلقة أمام المستثمرين المحليين والأجانب. وأشار الى أن المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (IDAL)، المسؤولة عن تشجيع الاستثمار وتسهيله، لها دور تنظيمي إضافي لا يتعارض مع الممارسات الفضلى لهيئات تشجيع الاستثمارات.
وقام المؤتمر بمراجعة الإطار القانوني والمؤسساتي الحالي للاستثمار الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment)، بالإضافة الى العديد من الإطارات الأخرى الخاصة بالاستثمار والتي تؤثر على المستثمرين المحليين والأجانب، بما في ذلك إنشاء الشركات وتصفيتها، والضرائب، وقوانين العمل، والمنافسة، والإدارة الرشيدة، والبيئة.
وفي التفاصيل، اعتبر الـ UNCTAD في تقويمه لقانون الاستثمار الحالي أنه لا توجد قيود على نقل الأرباح ورؤوس الأموال والأرباح الموزعة من والى لبنان، مشيراً الى أن استملاك الأراضي من الدولة نادر ومنظم بشكل دقيق في حين أنه بإمكان المستثمرين اللجوء الى المحاكم المحلية والى التحكيم التجاري لفضّ النزاعات التجارية. وقال أن السلطات اللبنانية اعتمدت في الأعوام الأخيرة مجموعة من القوانين للامتثال بمعايير مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA Financial Action Task Force) لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وشملت توصيات الـ UNCTAD على المدى القصير نشر قائمة شاملة بالقيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر في وثيقة رسمية. والفصل داخل “إيدال” بين الموظفين المسؤولين عن تشجيع الاستثمار والمسؤولين عن إدارة الحوافز.
ويبدو أن المعنيين تلقفوا توصية الـ UNCTAD بدعوتها الى إعادة تقويم بعض قيود الاستثمار الموجودة حالياً كجزء من المراجعة المستمرة للقانون التجاري. فدعا رئيس مجلس النواب نبيه بري الى جلسة مشتركة للجان، وذلك لمتابعة درس اقتراح القانون الرامي الى تعديل قانون التجارة البرية. وهذا الأمر لاحظه غبريل أيضاً، إذ لفت الى أن مجلس النواب أقر أخيراً مشاريع قوانين لها علاقة مباشرة بتوصيات الــ UNCTAD، ما من شأنه تطوير المناخ الاستثماري في لبنان حين بدء العمل بها، والعبرة هي في التطبيق. ولكن، إضافة الى ضرورة تحديث وتطوير القوانين وإقرار قوانين معاصرة، من الضرورة الحيوية بلورة رؤية طويلة الأمد واستراتيجية عملية ليستطيع الاقتصاد المنافسة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى لبنان”.
ومن التوصيات أيضاً، تعديل قانون الاستثمار وإضافة بند “المعاملة الوطنية” (National Treatment) أي عدم التمييز بين المستثمرين اللبنانيين والأجانب من أجل توفير المعاملة عينها للمستثمرين الأجانب وحمايتهم على اساس المعايير الأساسية لمعاملة المستثمرين اللبنانيين.
أما توصيات المؤتمر على المدى الطويل فتتضمن مراجعة السلطات لقانون الاستثمار الحالي من أجل فصل الوظائف التنظيمية عن مهمة IDAL الأساسية.
ولاحظ كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل، “أن تراجع المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال في لبنان عموماً وفي الأعوام العشرة الماضية خصوصاً، كما عدم وجود رؤية طويلة الأمد واستراتيجية عملية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى لبنان، أديا الى تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فقد تراجعت هذه الاستثمارات من 14% من الناتج المحلي في الـ 2008 الى أقل من خمسة بالمئة من الناتج في الـ2017. والأهم، وصلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مشاريع جديدة والمعروفة بـ Greenfield الى 97 مليون دولار فقط في العام 2017، وهذه الاستثمارات تؤدي الى توفير فرص عمل مباشرة والى نفقات رأسمالية. وقد شكلت نسبة الاستثمارات الــ Greenfield الوافدة الى لبنان 0.2% من الناتج المحلي في الــ2017 وهي النسبة الأدنى في العالم العربي”.
وانتقد الـ UNCTAD التعقيدات المكلفة التي ترافق إنشاء مشروع تجاري بسبب سلسلة من المتطلبات ونقص الخدمات عبر الإنترنت، في حين أن تصفية الشركات هي عملية معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً. من هنا شجع المؤتمر السلطات على إنشاء النافذة الإلكترونية الموحدة (shop service one-stop) لتبسيط عمليات إنشاء الشركات وتصفيتها. كما دعت التوصيات السلطات الى اعتماد مشروع القانون بشأن الممارسين المهنيين في قضايا الإفلاس والإعسار من أجل تحديث الأطر التنظيمية لأعمالهم. وعلى المدى المتوسط الأجل، طالب التقرير بإنشاء إجراءات للتسجيل الإلكتروني للشركات عن طريق الربط بين الخدمات الحكومية، ونشر قائمة بالخطوات المطلوبة لإنشاء منشأة تجارية وجعلها ملزمة قانونياً.
على الرغم من إقراره بارتفاع معدلات الضرائب والجهود المبذولة لتبسيط عملية التصريح الضريبي، إلا أن UNCTAD اعتبر أن تحصيل الضرائب والامتثال بها في لبنان ضعيف، في حين يصعب نظام الضرائب على الشركات في لبنان إدارة الضرائب وامتثال المستثمرين بها. كما أشار الى أن المستثمرين المؤهلين يفيدون من حوافز بموجب قانون الاستثمار، مثل الإعفاءات والتخفيضات الضريبية، لكنه رأى أن هذه الحوافز لم يتم تطويرها على أساس تحليل منهجي وتتطلب تقويماً للتكاليف والمنافع، داعياً الى إنشاء واعتماد التصريح الضريبي الإلكتروني والدفع الالكتروني، والى ربط السجل التجاري بوزارة المال، وتخفيض قائمة إعفاءات ضرائب القيمة المضافة. وعلى المدى المتوسط، شجع السلطات على إجراء تحليل للتكاليف والمنافع لتقويم مدى ملاءمة هذه الحوافز، وتعديل قانون الاستثمار لجعل الحوافز تلقائية على اساس معايير محددة مسبقاً وواضحة وموضوعية.
أمام هذه التوصيات رأى غبريل أنه “من الملح تطوير بيئة الأعمال ومناخ الاستثمارات في لبنان من أجل رفع مستوى تنافسية الاقتصاد اللبناني، إذ أن مسح البنك الدولي عن ممارسة الأعمال في 190 بلداً صنف لبنان في المركز الـ 142 عالمياً، أي أن 75% من بلدان العالم لديها بيئة أعمال متقدمة عن لبنان وأن 60% من البلدان العربية لديها بيئة أعمال أفضل من مناخ الأعمال في لبنان، وهذا ما كبد وما زال يكبد الاقتصاد اللبناني لبنان فرص ضائعة على هذا الصعيد”.
^ أبرم لبنان ٥٠ معاهدة استثمار ثنائية (BIT)
مع أحكام تقليدية لحماية الاستثمار،
منها ٤٢ معاهدة استثمار ثنائية
^ أكدت الأمم المتحدة أن لبنان لا يملك سياسة
تنافسية شاملة ولا قانون للمنافسة. وبناءً على ذلك،
اعتبرت أن من الأولويات الأساسية للسلطات اعتماد
قانون المنافسة، واستراتيجية شاملة وإنشاء وكالة
للتنافسية ذات مصداقية

