ليست المرة الأولى يعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن نية «المركزي» إصدار عملة رقمية بغية تسهيل أساليب الدفع وتفعيل التكنولوجيا المالية وتوفير الكلفة على المستهلك، واذا كانت هذه العملة محصورة في السابق للتداول في السوق المحلية، فإن العملة الجديدة ستتيح تحريك سوق النقد محليًا وخارجيًا، وفق ما قال سلامة أمام جمعية المودعين اللبنانيين، إذ أشار إلى أن «تقديرات الكتلة النقدية في السوق اللبناني تشير إلى وجود ١٠ مليارات دولار مخزنة في البيوت، مما يستوجب وضع آلية تنظيمية جديدة لإعادة الثقة بالمصارف ومن ضمنها الإعداد لمشروع عملة لبنانية رقمية، خلال سنة ٢٠٢١، تساعد على تطبيق SYSTEM CASHLESS ما يتيح تحريك سوق النقد محليًا وخارجيًا»، فما هي العملة الرقمية؟

في ظل التنامي الملحوظ في ميادين العولمة وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مع بداية التسعينات من القرن الماضي، كان لا بد لمفهوم النقود أن يواكب هذه التطورات الجوهرية في ثقافة الاقتصادات المالية العالمية، من هنا، ظهر مصطلح «العملة الرقمية» وشكل علامة فارقة من علامات تطور المجتمعات البشرية، لتحظى العملة الرقمية باهتمام لافت وغير مسبوق، باعتبارها محطة جديدة في رحلة التطور الإنساني.

أداة تداول، وحدة محاسبة

عملة ادخار وأداة قرض

ووفق الخبير الاقتصادي الدكتور فادي قانصو، فإن العملة الرقمية، وتعرف أيضًا بالنقود الرقمية أو النقود الإلكترونية أو العملات الإلكترونية، هي نوع من العملات المتاحة فقط على شكل رقمي، أي عبر حاسوب أو جهاز تلفون أو بطاقات ذكية وليس لها وجود مادي مثل الأوراق النقدية والنقود المعدنية، وهي غير ملموسة وغير مرئية، ولكن لها خصائص مماثلة للعملات المادية، كأداة تداول ووحدة محاسبة وعملة ادخار وأداة إقراض، ومن ضمن خصائص العملات الرقمية أنها تسمح بالمعاملات بشكل فوري وسريع ونقل الملكية مباشرة بلا حدود ومن دون قیود، ناهيك بوقف المضاربات على العملة وتخزين الأموال في المنازل».

باختصار، العملة الرقمية هي رصيد مالي مسجل إلكترونيًا على بطاقة ذات قيمة مخزنة أو جهاز آخر، ويمكن أن تكون هذه العملات الرقمية خاضعة للتنظيم، أي صادرة وخاضعة لرقابة المصرف المركزي أو مؤسسة ائتمان أو مؤسسة نقد إلكتروني، أو غير خاضعة للتنظيم، كالعملة الرقمية الافتراضية أو المشفرة، والتي يمكن أن تكون مركزية، حيث توجد نقطة مركزية للعرض النقدي، أو لامركزية، حيث يمكن التحكم بالعرض النقدي من مصادر مختلفة وليس من مصدر واحد، وهنا تكمن أهمية اللامركزية في تفادي الوسطاء، ما يعني تخفيف كلفة العاملات، اضافة إلى تفادي المشاكل الناجمة عن خلل تقني، ما يصيب النقطة المركزية ويعطل تاليًا العمل بالعملة الرقمية.

ما هي أنواع العملات الرقمية؟ يميز قانصو بين نوعين منها، الأول هو العملة الافتراضية، وهي نوع من الأموال الرقمية غير المنظمة، أي ليست صادرة عن المصرف المركزي أو مؤسسة الائتمان أو مؤسسة النقد الإلكتروني، ولكنها تصدر وعادةً ما يسيطر عليها المطورون، ولا تملك جمیع خصائص العملة الحقيقية، ويجري استخدامها وقبولها بين أعضاء مجتمع افتراضي معين، يعني أنها في معظمها عبارة عن عملة جديدة غير تقليدية وغير معروفة، أي لا دولار ولا يورو ولا ليرة، وقد عرفت على أنها وسيلة للتبادل تعمل كعملة تبادل في بعض البيئات، وتقتصر على مجتمعات معينة، على سبيل المثال للاستخدام في لعبة على الإنترنت أو شبكة اجتماعية، غير أن قيمة العملات الافتراضية في بلد ما لا تغطيها في المقابل عملات أجنبية أو ذهب كما هي الحال مع العملات التقليدية، ما يعني أن قيمة هذه العملات الافتراضية تبقى خاضعة لتوجه المتداولين أو مزاجهم، وتاليًا فهي عرضة لتقلب لافت في عملية التسعير، ومن ضمن العملة الافتراضية ظهرت العملة المشفرة أو Cryptocurrencies وهي نوع من العملة الرقمية الافتراضية لكنها تعتمد على التشفير، وبشكل أكثر دقة، هي عبارة عن برنامج مكتوب بلغة برمجة معينة وباستخدام تقنيات تشفير عالمية تجعل من عملية اختراقها والتلاعب بها أمرًا أشبه بالمستحيل، «بيتكوين» أشهر مثال عن العملة الرقمية الافتراضية المشفرة اللامركزية والتي تم انشاؤها في العام ٢٠٠٩، من هنا، فإن كلا من العملات الافتراضية والعملات المشفرة تعتبر نوعًا من أنواع العملات الرقمية، ولكن العكس غير صحيح، بمعنى آخر، ليست كل العملات الرقمية عملات افتراضية، وهو ما يصب في النوع الثاني من العملات الرقمية، فما هي مواصفات النوع الثاني؟

وفق قانصو فإن النوع الثاني هو العملة الرقمية القائمة على أساس العملة التقليدية: أي المال المصرفـي الموجود بعملات معروفة غير افتراضية كالدولار أو أي عملة أخرى متداولة، والذي نحتفظ به في حسابات الكترونية، ويجري هنا التداول بهذه الحسابات عبر البطاقات المصرفية من خلال نقاط الدفع الالكتروني POS، هي عملة رقمية خاضعة للتنظيم، وهي بشكل عام مركزية، الهدف منها تسهيل أساليب الدفع وتفعيل التكنولوجيا المالية وتوفير الكلفة على المستهلك، وهي تعتبر وسيلة فعالة تلجأ إليها السلطات النقدية عندما تتعرض القطاعات المالية والمصرفية لضغوط جمة، كشح ملحوظ في السيولة، بدل اللجوء إلى طباعة العملة الوطنية واغراق السوق النقدية بمزيد من الأوراق والتسبب بتدهور سعر صرف العملة الوطنية وبارتفاعات ملحوظة في نسب تضخم أسعار السلع،

أين لبنان اليوم من العملة الرقمية؟ يؤكد قانصو أن «لبنان اليوم في طور وضع آلية تنظيمية جديدة من ضمنها إعداد مشروع لعملة لبنانية رقمية، خلال العام ٢٠٢١، تساعد على تقليص حجم اقتصاد الكاش وتتيح تحريك سوق النقد محليًا وخارجيًا ولكن عملية الانتقال من العملة الورقية إلى العملة الرقمية تشوبها بعض التعقيدات، إذ تتطلب استعادة الثقة بالوضع الاقتصادي والمالي، وتعزيز ثقافة التخلي عن الأوراق النقدية عبر خلق وعي جماعي، اضافة إلى إشراك أكبر قدر ممكن من المهن الحرة والقطاعات الإنتاجية بالقطاع المصرفـي وتوفير ماكينات الدفع عبر البطاقات المصرفية في مختلف المؤسسات والمحال التجارية، خصوصًا الصغيرة الحجم».

العملة الرقمية

حلم الحكومات

كيف يمكن لعملة رقمية، أي تواجدها فقط في العالم الإفتراضي، أن تنتزع من الأسواق ثقة عجزت الليرة اللبنانية عن إنتزاعها؟

يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة إن «العملة الرقمية هي حلم الحكومات نظرا للفوائد الناتجة عن التعامل بها وعلى رأسها: لجم النقد وبالتالي التضخم، مكافحة التهرب الضريبي وتبييض الأموال، تخطي استخدام العملة الصعبة في التعاملات الداخلية، قياس الاقتصاد بدقة أكبر، زيادة الثقة بالاقتصاد في فترة الأزمات، وحفض الكلفة على المستخدم (أقل بـ ٦ مرات من النقد)، فضلاً عن أنها تقلل من وقت المقاصة بحكم أنها تتم مباشرة بين المصارف، وبالتالي هناك محاولة مستمرة من قبل المسؤولين في الدول لتحويل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد الدفع نقدًا في التعاملات التجارية الى اقتصاد يعتمد علی الدفع بالعملة الرقمية».

والجدير ذكره أن حجم التداول العالمي بالعملات الرقمية في العالم تخطى حاجز التريليون دولار أميركي (أي ألف مليار دولار أميركي) مدفوعًا بعملات رقمية مثل البتكوين وغيرها.

لكن كيف لمصرف لبنان الذي فقد السيطرة على الليرة في السوق السوداء ان يفرض الثقة بالتعامل بعملة رقمية لا نعرف حتى معالمها؟

يقول عجاقة على هذا الصعيد، «من الواضح أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لم يعط تفاصيل كافية عن هذه العملة، لكن إذا ما بالاستناد إلى المعلومات المتوافرة منذ العام ٢٠١٨، يمكن القول إن هذه العملة الرقمية هي عبارة عن حساب يفتحة المصرف ويغذيه العميل، باختياره، من حسابه بالليرة اللبنانية بمعدل كربيتوليرة لكل ليرة لبنانية، ويستخدم العميل التطبيق على هاتفه الذكي او على الإنترنت (للشراء عن بعد) لدفع قيمة العملية مما يوفر عليه التدوير مع مزيد من الأمان»، ويضيف عجاقة «أهمية هذه الآلية تكمن في الطابع الاختياري للمواطن ولكن أيضًا دفع مبالغ صغيرة جدًا، خفض كلفة العملية مقارنة بالنقد الذي يتحمله المواطن علی شكل ضريبة مخفية من خلال طبع العملة، وسهولة عمليات الدفع عن بعد مقارنة بالوسائل الالكترونية الأخرى، الا ان هذا الأمر لا يعني أنه يتم الغاء كل وسائل الدفع الأخری، بل علی العكس لها طابع اختياري (استنادًا إلى معلومات العام ٢٠١٨) وتتمتع بأمان في حال تمت سرقة الهاتف ولكن الأهم في عودة المودعين إلى التعامل مع المصارف في التعاملات التجارية.

وبالنظر الى حالة الاقتصاد في لبنان، يطرح السؤال عن مدى قدرة هذه العملة الرقمية علی حماية الاقتصاد من خروج العملات الصعبة؟ وهنا يقول عجاقة «إن الهدف الأساسي للمواطن من سحب الليرات هو تحويلها إلى دولارات في السوق السوداء، وهذا الأمر له مفعول سلبي على الليرة اللبنانية ويفقدها من قيمتها نظرًا لطابع المضاربة الذي تتميز به هذه العملية،

وبالتالي مع استخدام الليرة الرقمية، سيكون الطلب على الدولار أقل إذا ما تم وضع سقف للسحوبات النقدية من خلال قانون الكابيتال كنترول المطروح في المجلس النيابي مع احتفاط المواطن بحقه الكامل بالتصرف بأمواله من خلال العملة الرقمية أو وسائل الدفع الإلكترونية الأخرى».

وعن الخشية من معاقبة المواطن من خلال خفض سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، يقول عجاقة «هذا التحدي هو تحدي أساسي للحكومة حيث أن العملة تعكس قوة الاقتصاد، وحتى يومنا هذا، لم يكن الاقتصاد ما أعطى الليرة قيمتها، بل الاحتياطات من العملات الأجنبية التي راكمها مصرف لبنان».

لكن هل من مخاوف من تحويل دولارات المودعين إلى عملة رقمية؟ يرد عجاقة بالقول «في الطرح الأساسي لمشروع هذه العملة، لم يكن هذا الأمر موجود، كما أن العامل الإجباري يجب أن ينبع من المجلس النيابي، لذا نستبعد مثل هذا الطابع الإجباري».

وماذا عن خصوصية المواطن؟ «خصوصية المواطن محفوظة بالتشفير الذي يتم استخدامه في بروتوكول التواصل على الصعيد الإلكتروني وما يسري من سرية على وسائل الدفع الأخرى، يسري على هذه العملة الرقمية» يُردف عجاقة.

وعن الفرق بين العملة الرقمية التي سيصدرها مصرف لبنان والبتكوين، يقول «البتكوين هي عملة من دون أي أساس اقتصادي وسعرها يحدد بالعرض والطلب، أما الكريبتوليرة فهي مدعومة من المصرف المركزي ومن الاقتصاد اللبناني، وبالتالي الفارق اساسي على صعيد المخاطر».

مشروع العملة الرقمية

«بلا معنى»

يهدف مشروع العملة الرقمية إلى التخفيف من تخزين الدولار في المنازل والذي تراوح قيمته ما يقارب الـ١٠ مليارات دولار، كما يهدف إلى تخفيف التهريب والطلب على الدولار في السوق السوداء، ويهدف أيضًا إلى الحد من التزوير، والمساهمة ولو بشكل محدود في استمرار تصاعد التضخم الناتج عن تخزين المواطن للعملة واستهلاكه التخزيني للمواد الغذائية خوفًا من رفع الدعم، بالإضافة إلى تخفيض تضخم الكتلة النقدية سواء بالدولار الموجود في المنازل أم بالليرة اللبنانية التي يطبعها المركزي، ظنًا منه أن بهذه الطريقة ينخفض الطلب على شراء الدولار، ومن إيجابيات هذه العملة أيضًا هو انتقال لبنان من اقتصاد نقدي إلى اقتصاد رقمي،

هذا ما يشرحه الباحث الاقتصادي، الدكتور روك  أنطوان مهنا، مضيفًا أن «مشروعًا كهذا يمكن تطبيقه في ظل وضع مصرفـي وسياسي واضح، ويصعب تنفيذه في الأجواء الحالية، حيث مصير ودائع الناس مجهول والنظام المصرفـي بحاجة الى اعادة هيكلة، وهذا المشروع مقرون بشكل أساسي بعامل الثقة من الناس بالنظام المصرفـي، وهو عامل غير موجود، فهذا النظام لديه مهلة حتى شهر شباط/فبراير كي يزيد الـ٢٠٪ من رأس ماله برأس مال fresh، وهناك علامات استفهام كبيرة هنا»،

ويتوقع مهنا في هذا الإطار أن ينخفض عدد المصارف كثيرًا في لبنان، قد ينحصر عددها بـ ١٠ أو ١٢ مصرفًا فقط، كما أن المنظومة الحاكمة لم تطمئن الناس عن مصير ودائعهم في المصارف.

وفي ظل غياب عامل الثقة، برأي مهنا، يكون مشروع العملة الرقمية «بلا معنى»، وقد يوثر ایجابًا في التداول عبرها بالليرة لكن حتمًا ليس بالدولار، وهي بالتالي نوع من الـ hair cut الحاصل الآن، وقد لا يكون سعر الدولار الحقيقي هو المتداول عبر العملة الرقمية، فالتداول عبرها سيأخذ طابع الشيك المصرفـي الحالي، أي لن تكون ذات طابع نقدي، وبالتالي لن يتغير شيء بين التداول بالشيك المصرفـي الحالي والتداول بالعملة الرقمية بالدولار، فالـ Hair Cut بین الشيك المصرفـي والنقدي، سيكون نفسه بين العملة الرقمية والعملة النقدية، فالاثنان صادران عن المصارف اللبنانية ومن خلال مصرف لبنان، كما أن هناك خوفًا من أن تخلق العملة الرقمية هامشًا بين سعر العملة الرقمية وسعر العملة الورقية.

ومن المؤكد، حسب مهنا، أن الناس لن يودعوا أموالهم في المصارف لتبديلها بعملة رقمية، فالثقة غير موجودة، لكن يمكن أن تطبق العملة الرقمية على الليرة اللبنانية، للتخفيض من حجم كتلتها، ما يساهم في تخفيض التضخم والحد من الطلب على الدولار، ما يؤدي الى ضبط سعره بهامش معين، وبدلًا من أن تعطي المصارف ودائع الناس بالليرة، تستبدلها بالعمة الرقمية، وبالتالي لا يمكن تخزين العملة الرقمية في المنازل، وفي الوقت نفسه ينخفص الطلب على الدولار، وقد تؤدي هذه العملية في زيادة الاستهلاك التخزيني من قبل الناس وزيادة الفوضی،

في المحصلة، العملة الرقمية لا تحل الأزمة الاقتصادية الواقعة، وهي إجراء آني وقصير المدى، ولها تداعيات سلبية أيضًا، وبدلًا من توحيد سعر الصرف، يضاف باب آخر لسعر صرف جديد عبر هذه العملة، «وإذا كان باعتقاد مصرف لبنان أن بهذه الطريقة سيسحب الـ ١٠ مليارات دولار من المنازل، فهذا لن يحصل بتاتًا»، في نظر مهنا.

العملة الرقمية

تعزز الشفافية

يساهم التداول بالعملة الرقمية في تعزيز الشفافية، ما يؤدي إلى وضوح أكثر في القطاع التجاري المحلي أقله، وجزء من التداول فيها إيجابي إذ يمكن معرفة اتجاهات السوق من خلالها، ويجب إعطاء حوافز للناس كي يستخدموها وإلا سيستمرون في الاحتفط بالليرة لديهم.

 

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة