شهد الربع الأول من العام ٢٠١٩تحركًا أقوى مما عهدنا عليه في السابق من الإتحاد الكويتي للتأمين في الكويت حيث رفع الصوت أمام وزارة التجارة والصناعة شاكيًا الوضع المتردي لصناعة التأمين في الكويت واقترح الإتحاد جملة من التوصيات تتلخص في النقاط التالية:
• تفعيل جهة رقابية على شركات التأمين
• تفعيل دور الأكتواري بحيث تلتزم كل الشركات برفع تقرير أكتواري للجهة الرقابية كل ثلاث سنوات وذلك لإظهار ملاءة الشركة المالية
• أخذ خطوات ضرورية تجاه الشركات التي لا تقوم بالوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها أو تجاه شركات التأمين الأخرى واستجابة لما سلف شهدنا في الكويت تحركًا لوزارة التجارة والصناعة كان آخرها إصدار قرارات لإيقاف عدد من شركات التأمين عن مزاولة النشاط لمخالفتها أحكام القانون وبدأنا نسمع في الإعلام عبارات مثل “النصب التأميني” أو “أزمة التأمين في الكويت” إلخ…
ولنأتي على فهم الأحداث الأخيرة، يجب علينا أن نفهم أولاً المشكلة بشموليتها حتى نتمكن من إستنباط الحلول المناسبة لصناعة التأمين في الكويت. وجدير بالذكر هنا، أن المشاكل الحالية في الكويت شبيهة إلى حد كبير بالمشاكل التي واجهتها دول الجوار مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ولذلك كما استطاعت الأخيرتين تطبيق حلول لمشاكل صناعة التأمين فيمكن للكويت أن تستفيد من تلك التجارب لإستنباط حلول لمشاكل صناعة التأمين الحالية.
ففي الوقت الذي تعرض فيه المشكلة اليوم وكأنها محصورة في عدم قيام بعض شركات التأمين بدفع التزاماتها في تأمين السيارات وعدم الوفاء بموجباتها تجاه الجهات الحكومية، فإن المشكلة بتقديري أعمق وأوسع من ذلك بكثير وإن الحلول المقترحة لن تحل سوى جزء صغير جدًا من التحديات. فالمشكلة ليست محصورة في تأمين السيارات فقط بل هناك مشاكل متنوعة في كل فرع من فروع التغطيات التأمينية وفي قانون التأمين المطبق وفي الرقابة وممارسات بعض الإدارات القائمة على شركات التأمين.
ونقدم هنا عرضًا زمنيًا لهذه المشكلات وما آلت إليه الأوضاع ونقسّم هذه المشكلات إلى أربعة أقسام:
أولاً – في التشريع والقوانين:
تخضع شركات التأمين في الكويت للقانون رقم ٢٤ لسنة ١٩٦١ وهو قانون قديم جدًا لم يتم تحديثه منذ زمن طويل (باستثناء بعض التعديلات الطفيفة والخطوات الحديثة التي لم تنزل حيّز التنفيذ بعد). وتقوم وزارة التجارة والصناعة بالدور الرقابي وفق هذا القانون. وعلى الرغم من أن الوزارة تعمل وفق الإمكانيات المتاحة لها، فإن هذه الإمكانيات أقل من المستوى المنشود أو من المستوى المعتمد في دول الجوار وهذا ما فتح المجال للعديد من الشركات بالقيام بممارسات سلبية ما كانت لتحصل لو كانت الجهة الرقابية تملك الوسائل التي تمكنها من اكتشاف تلك الممارسات وكيفية التعامل معها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تم تحديد تعرفة ١٣ دينار لتأمين السيارات ضد الغير في العام ١٩٩١ وعلى شركات التأمين الإلتزام بها. وبعد مرور ٢٨ عامًا على هذه التعرفة بقيت ثابتة حتى اليوم رغم ارتفاع أسعار قطع الغيار والعمالة. وقد تسبب هذا الوضع بخسارات جمّة في فرع تأمين السيارات لا بل لم يسمح لشركات التأمين برفض أي طلب على هذا النوع من التأمين وإلا تعرّضت للإيقاف. فلو كانت القدرات الرقابية متوفرة لتمّ اكتشاف الخسارات في تأمين السيارات ومسبباتها ومن بينها التسعير غير المتكافئ مع تكلفة الأضرار وكنا تفادينا ما آلت إليه الأوضاع اليوم.
ثانيًا – ترخيص عدد من شركات التأمين يفوق احتياجات السوق:
في الفترة ما بين العام ١٩٦٠ والعام ٢٠٠٠ كان عدد شركات التأمين المرخصة في الكويت ٤، ولكن منذ العام ٢٠٠٠ وحتى اليوم تم ترخيص ٣٥ شركة تأمين إضافية وهو رقم أكبر بكثير مما يتحمله السوق الكويتي. إن حجم سوق الكويت اليوم هو ٤٥٠ مليون دينار كويتي شاملاً التأمين الصحي والحياة أو ٢٣٢ مليون دينار دونهما، ٩٣ مليون دينار منها في تأمين السيارت وهو فرع تأمين لا يجرّ سوى الخسائر، فإنّ المتبقّي يعود للتأمينات العامة من حريق وبحري وممتلكات وتبلغ أقساطهم ١٢٥ مليون دينار وهو رقم غير مجدي اقتصاديًا لو وزّعناه على هذا العدد من الشركات. وحاولت تلك الشركات الجديدة استحواذ حصة لها في السوق معتمدة سياسة حرق الأسعار في فروع تأمينات السيارات والتأمين الصحي واللذان يشكلان حصة ٦٨٪ من سوق التأمين في الكويت فكانت النتائج كارثية على كل الشركات في السوق وبدل أن تقوم تلك الشركات بدورها الأساسي وهو إدارة المخاطر تحوّلت وللأسف الشديد إلى شركات همّها إدارة أزمات السيولة النقدية التي تعاني منها يوميًا. هنا يأتي دور الأكتواري المغيب لدى الشركات ولدى الجهات الرقابية معًا والذي سندخل في تفاصيله لاحقًا.
عند تقديم طلب الترخيص لشركة تأمين يتوجب أولاً وقبل النظر في أية شروط أخرى رفع دراسة جدوى يظهر فيها دراسة وافية للسوق وحجمه وحصة الشركة المتقدمة بطلب الترخيص ومدى واقعيتها وبالتالي أرباحها المتوقعة. إن الوضع الحالي لمعظم شركات التأمين يدل على خلل ما في محتوى دراسات الجدوى التي على أساسها تقدم المستثمرون بطلباتهم للترخيص.
إن ترخيص هذا العدد الكبير لشركات التأمين بمعدل شركتين كل عام ساهم بشكل مباشر في الأزمة التي تواجهها صناعة التأمين اليوم.
ثالثًا – النقص في الخبرات الأكتوارية:
تقوم الجهات الرقابية في العالم بترخيص الأكتواري بناءً على معايير تكاد تكون متماثلة في كل البلدان ويقوم الأكتواري في شركة التأمين بدورين رئيسيين:
١. تصميم وتسعير منتجات التأمين على أسس فنية متعارف عليها عالميًا ويقدم الأكتواري للجهات الرقابية ملف كامل عن كل منتج يحمل توقيعه بغية الحصول على الترخيص لكل منتج على حدى
٢. تحديد مستوى الإحتياطات الفنية (للتأمينات العامة) والحسابية (لتأمينات الحياة) اللازمة لتتمكن الشركة من تغطية التزاماتها المالية. ويقوم الأكتواري برفع هذه التقارير أربع مرات في السنة داخليًا لإدارة الشركة وتكون جزءًا أساسيًا في البيانات المالية الفصلية، كما يقوم الأكتواري برفع هذا التقرير مرة كل سنة للجهات الرقابية التي تدرس بدورها هذه التقارير
في الكويت يتم ترخيص الأكتواريين بنفس المعايير المعتمدة عالميًا مضافًا إليها ٣ شروط مجتمعة تجعل من شروط ترخيص الأكتواري شبه تعجيزية:
• لا يسمح للأكتواري التقدم بطلب الترخيص إلا عن طريق شركة يعمل لها في الكويت
• أن يكون قد مارس وظيفة إستشارات في شركة تأمين لمدة لا تقل عن ٣ سنوات
• أن يكون قد عمل في مجال التأمين مع شركة تأمين لمدة لا تقل عن عشر سنوات (عشرين سنة قبل تعديل الشروط)
ومن المستغرب أنه لا يتم التمييز بين الأكتواري المختص في تأمينات الحياة والمختص في التأمينات العامة رغم أن لكل فرع اختصاصه وخبراته التي تختلف عن بعضها تمامًا.
لا يخضع التسعير في الكويت لأي معايير ولا يطلب توقيع خبير أكتواري على أي منتج جديد تنوي الشركة إطلاقه. ويقوم عادة أي شخص فني في الشركة بتصميم وتسعير المنتجات التأمينية ولا يوجد خبير أكتواري مختص لدى الجهات الرقابية لمراجعة فنيات المنتج المزمع ترخيصه.
أما عن التقرير الفني الخاص بالإحتياطات الفنية (للتأمينات العامة) فهو غير مطلوب على الرغم من أهميته القصوى إذ دون هذا التقرير تفقد الجهة الرقابية دورًا أساسيًا لها.
وأما التقرير الفني الخاص بالإحتياطات الحسابية (لتأمينات الحياة) فهو مطلوب مرة كل سنة، علمًا أنه لا يوجد لدى الجهة الرقابية خبير أكتواري يقوم بمراجعة تلك التقارير.
وبناءً عليه:
١. ستكون مهمة إعداد وترخيص جيل من الشباب الكويتي في العلوم الأكتوارية مهمة في غاية الصعوبة للتحقيق لأن شروط الترخيص تعجيزية
٢. سيبقى التسعير غير الفني وغير المجدي متاحًا للشركات طالما أن الجهات الرقابية لا تمتلك الخبرات الأكتوارية وكذلك الأمر في الشركات
٣. ستبقى الجهات الرقابية غير قادرة على اكتشاف الشركات المتعثرة ماليًا في مرحلة مبكرة حيث لا التقارير الأكتوارية الخاصة بحساب الإحتياطات الفنية مطلوبة ولا هناك خبراء أكتواريين كفؤ يعملون لا في شركات التأمين ولا في الجهات الرقابية. وستبقى بعض الشركات قادرة على التلاعب بالإحتياطات الفنية وبالتالي إعلان أرباح غير حقيقية وملاءة مالية فارغة
رابعًا – ضعف في ثقافة الحوكمة:
لا زال التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر والحوكمة من الممارسات التي تعتبر من الممارسات التجميلية في العديد من الشركات بدل أن تكون من الممارسات اللازمة لتفادي النتائج السلبية في الشركات. هذا يعني أن ثقافة التسعير السليم وحساب الإحتياطات والإلتزام بقواعد الحوكمة ضعيف جدًا فاستسهلت بعض الشركات البيع بأسعار محروقة إعتقادًا أن الخسائر لن تظهر حسابيًا أو لعلمها المسبق أنها لن تقوم بدفع المطالبات في وقتها.
باختصار:
• يجب عدم حصر مشاكل سوق التأمين الكويتي بتسعير تأمينات السيارات أو بقدرة الشركات على دفع التزاماتها تجاه الشركات الأخرى أو تجاه الجهات الحكومية، فهذه المشكلات هي مؤشر لوجود مشاكل أكبر وأعمق تقع مسؤوليتها على الجهات الرقابية وشركات التأمين بحد سواء
• المطلوب جهة رقابية تقوم بتنظيم السوق ولكن المهم أن يكون لدى الجهة الرقابية كل الخبرات المطلوبة للقيام بمهامها مستفيدين هنا من تجربة هيئة الرقابة في الإمارات ووكالة النقد السعودي. ونذكر هنا المهام الرئيسية التي يتوجب على أي جهة رقابية القيام بها وموضحة في البيان المرفق أدناه:
– ترخيص شركات التأمين حسب الكفاءات وحسب حاجة السوق
– التأكد من وجود بنى هيكلية سليمة في شركات التأمين
– اتخاذ الخطوات اللازمة ضد الشركات غير المرخصة
– الموافقة على وثائق التأمين ببنيتها وشروطها
– الإعتماد على الخبرة الأكتوارية للموافقة على تسعير كافة المنتجات
– ترخيص كافة المنتجين والوسطاء
– منع الممارسات غير الأخلاقية في عمليات التأمين والترويج لها
– التأكد من صحة وسلامة البيانات المالية المرفوعة من الشركات ومراقبة الملاءة المالية كمؤشر لصحة الشركة
– إجراء فحص ميداني على الشركات وفرض عقوبات عند الضرورة
– مراقبة عمليات الإستحواذ والدمج بين الشركات وتقديم التوصيات وإدارة عمليات إعادة التأهيل والتصفية
• للقيام بهذه المهمة يجب الإعتماد على واحدة من بيوت الخبرة العالميةManagement Consulting ذات الخبرة السابقة في هذا المجال كما هو الحال مع الجهات الرقابية في الإمارات والمملكة العربية السعودية
• وكحل أوّلي سريع يجب تحرير تسعير تأمين السيارات ضد الغير ووضع حد أدنى له لا يقل عن ٤٥ دينار سنويًا ويزداد مع حجم الخطر المغطى مثل حجم ووزن السيارة وغيره من عوامل الخطر على أن يكون التسعير المقدم للجهة الرقابية موقع من خبير أكتواري وأن يوضع حد أقصى للعمولة لا تزيد عن ١٠٪ من القسط السنوي لهذا النوع من تأمين السيارات.
سامي شريف هو الرئيس التنفيذي لشركة الكويت للتأمين وخبير أكتواري حاصل على درجة الزمالة في جمعية الأكتواريين في الولايات المتحدة وهو عضو الأكاديمية الأميركية للأكتواريين. بالإضافة إلى تأسيسه و ترؤسه عدة شركات تأمين فقد عمل كإستشاري في كل من شركة ماكنزي وشركة بوز آلن هاملتون فكان له دور في دراسة لصالح الكونجرس الأميركي عن قانون التأمين في الولايات المتحدة، كما لعب دورًا في الدراسة التي قامت بها بوزآلن هاملتون لتطوير الرقابة على التأمين تحت مظلة مؤسسة النقد السعودي. أما في الإمارات العربية المتحدة فلقد كان ناشطاً ورافعًا للصوت بين شركات التأمين وهيئة الرقابة مبيّنًا الخلل والنواقص وداعيًا لتفعيل أقوى لدور الهيئة في الإمارات.

