يتحدث السيد بدري ضاهر، مدير عام الجمارك اللبنانية، عن الواقع الأليم للإدارة العامة في لبنان وكيفية العمل للخروج منه والوصول الى إدارة نظيفة  وقادرة على تأمين أفضل الخدمات للمواطنين بأقل كلفة ممكنة، مشيرًا الى خطة استراتيجية وضعها لمديرية الجمارك تهدف الى النهوض بأدائها وزيادة الرسوم المجباة لمصلحة الخزينة العامة ومكافحة الفساد وضبط عمليات التهريب والحؤول دون حصول عمليات غير  شرعية وغير  أخلاقية  فيها.

علّق  الكثير من المسؤولين في الدولة كما في القطاع الخاص، آمالاً كبيرة على السيد بدري ضاهر للنهوض بمديرية الجمارك التي كانت سمعتها قد بلغت الحضيض، فماذا يقول عن هذه الآمال؟ وكيف يعلّق؟ وما هي التدابير والإجراءات التي قام بها والنتائج المرتبة عنها؟

يغوص السيد بدري ضاهر في الكثير  من التفاصيل، مؤكدًا على أهمية الرأس السليم والإدارة النظيفة للوصول الى إقتصاد معافى.

 

 

^ بعدما كثر الحديث عن أهمية الجمارك ودورها على المستويات الوطنية كافة، وبعد التغييرات الإدارية التي حصلت بعد الإنتخابات الرئاسية الأخيرة… ماذا يمكنكم أن تخبرونا عن الجمارك اللبنانية حاليًا؟

 

ـ تكمن مهام الجمارك الأساسية في استيفاء الرسوم والضرائب كافة، بما فيها الرسوم على القيمة المضافة، لمصلحة الخزينة اللبنانية.

أما المهمة الثانية والأساسية تتلخص في مكافحة التهريب والحؤول دون إدخال بضائع بصورة مخالفة للقانون، من خلال الحدود البرية والبحرية.

هاتان المهمتان تتطلبان جهازين: إداري يعمل على استيفاء الرسوم والضرائب، وعسكري يرتكز عمله على تأمين الدوريات لمكافحة التهريب برًا وبحرًا.

لا بد من الإشارة هنا الى ان إدارة ومهام الجمارك معروفة منذ القدم في لبنان، ففي عام 1863 عرِف لبنان أول نظام جمركي، وفي العام 1920، حين إعلان دولة لبنان الكبير، صدرت قوانين وأنظمة ترعى عمل الجمارك وتنظمها، وفي العام 1950 حصل الإنفصال الجمركي بين لبنان وسوريا، وفي العام 1959، أعيد هيكلة الإدارة اللبنانية ضمن ورشة إصلاح إداري على عهد الرئيس المرحوم فؤاد شهاب، حينها انطلقت الإدارات اللبنانية تعمل وفقًا لأنظمة وقوانين جديدة وضعت بناءً على توصيات بعثة إيرفد.

تتألف الجمارك من المجلس الأعلى للجمارك والمديرية العامة للجمارك التي يتَبع لها 13 إقليم جمركي تعمل على تطبيق القانون ومساءلة المخالفين.

 

^ ما الذي تغير في أداء الجمارك منذ تسلّمكم لمهامكم؟

 

ـ سعينا، منذ اليوم الأول لتسلمنا مهامنا، الى وضع خطة استراتيجية للنهوض بالجمارك قائمة على مجموعة من المحاور.

ركزنا في خطتنا على محاربة الفساد، مرتكزين الى خطاب القسم ودعوة الرئيس لمحاربة الفساد والفاسدين. وقد اتخذنا سلسلة إجراءات وتدابير ساعدتنا في الحد من ظاهرة الفساد، بما أدى الى زيادة إيرادات الدولة بنسبة كبيرة.

مكافحة الرشاوى، شكلت عنصرًا أساسيًا في خطتنا الإستراتيجية أيضًا، وقد اتخذنا تدابير قانونية وقضائية في حق عدد من المرتشين، بما قلّص هذه الظاهرة ومكافحة التهريب بكل وسائله وأساليبه وطرقه، شكلت عنصرًا مهمًا في عملنا، نظرًا لأضرار التهريب على الإقتصاد الوطني ككل وعلى الخزينة في شكل خاص، فالتهريب يحرم الخزينة من موارد أساسية، ويضخّ في الأسواق سلعًا ومواد قد تلحق ضررًا بالمواطنين، كما أنها تسيء الى سمعة لبنان في الخارج.

عملنا أيضاً على محاربة الروتين الإداري، وأصدرنا قرارات عدة بهدف تنظيم الإدارة وتسهيل معاملات المواطنين، كما عملنا ونعمل على تطوير البرامج الإلكترونية بما يؤدي الى إنجاز العديد من المعاملات عن طريق الـ online.

ركّزنا أيضًا على موضوع الإصلاح الإداري، وعلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتوزيع الأعمال والمهام وزيادة العديد… بما يضمن الأداء الإداري الأفضل.

33% من واردات الخزينة تأتي عن طريق الجمارك، وبالتالي فإن أي تلاعب، ولو بنسبة صغيرة في هذه العائدات سيترك آثارًا كبيرة على الخزينة العامة، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة إقتصادية كبيرة والموازنة العامة في عجز دائم.

يقول الرئيس ميشال عون أن الدولة منهوبة ومسروقة وليست “مكسورة“. إنها الحقيقة، وفي الإمكان تحقيق عائدات أفضل للخزينة العامة في حال وقف النهب والسرقة وإدارة المال العام بشكل أفضل.

يجب أن يدرك المسؤول كما المواطن أن المال العام هو مال الشعب وهو مخصص للقيام بمشاريع واستثمارات ترتدّ إيجابًا على الوطن والمواطن، وبالتالي فإن أي سرقة لهذا المال تعتبر سرقة موصوفة ويجب الضرب بيد من حديد لكل من تعول له نفسه سرقة المال العام.

^ بُنيت الكثير من الآمال عند توليكم الإدارة العامة للجمارك. مع تقديرنا واحترامنا لشخصكم ولدوركم… هل يعقل أن تقوم الإدارة وتستقيم وتؤدي دورها بفعل وجود أو غياب مدير عام نزيه وكفوء؟

 

ـ إنه الواقع في لبنان. الجسم السليم في الرأس السليم. والإدارة الملتزمة والنزيهة والفاعلة تستوجب مديرًا إداريًا ناجحًا. فالمدير هو واجهة الإدارة العامة ومسيّر شؤونها وشجونها.

في الجمارك مثلاً كان الموظف يعود الى منزله كل ليلة ليجري حساب الأرباح الخاص به، أو “الغلّة“. اليوم تغيّرت المعادلة وبتنا نحسب الأموال المجباة لصالح الخزينة العامة. لقد اتخذت قرارًا بوقف الهدر والسرقات وعمليات النهب وإحالة كل موظف مخالف الى النيابة العامة وتمكنت بالتالي من إعادة الأمور الى نصابها الطبيعي داخل الجمارك.

وفي سبيل تعزيز هذه الثقة ألقينا عدة محاضرات وكثّفنا اللقاءات مع المسؤولين. ويمكننا القول أننا قطعنا نصف الطريق لتحقيق الإستراتيجية التي رسمناها لأنفسنا.

الإدارة الناجحة تستوجب مديرًا يتمتع بقدرات قيادية، مبادر وطامح الى تحقيق إيجابيات عدّة ومؤمن بالإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد وتأمين مصالح الدولة…

 

^ هل اتخذتم مبادرات معينة تهدف الى تبسيط المعاملات والقضاء على الروتين الإداري؟

 

ـ الأمثلة على التعقيدات الإدارية والروتين الإداري لا تعدّ ولا تحصى، ومعظمها من اختراع الموظفين بهدف تحقيق الإفادة المادية.

شهادة السيارة بدل عن ضائع تستوجب المرور بـ 38 محطة للحصول عليها في حين أنه يمكن الحصول عليها بكبسة زر لأنها موجودة في كومبيوتر مصلحة تسجيل السيارات والآليات.

تسديد التعهدات على أمور معينة يمر بـ 16 مرحلة ويستوجب شهرًا كاملاً في حين أن هذه المعاملة يجب ان تستغرق سوى ساعات معدودة.

المشكلة في أحيان كثيرة تقع على عاتق الموظفين وفي قلب الإدارة، وذلك بسبب الفساد والرشوة والمحسوبيات والرغبة في تأمين مصادر دخل إضافية.

مفتاح الحل يكمن في يد إدارة نظيفة وكفوءة وراغبة في تحقيق الإصلاح.

 

^ هل تؤمنون بالشراكة مع القطاع الخاص؟

 

ـ أحد محاور خطتي الإستراتيجية تقوم على الشراكة مع القطاع الخاص، فالقطاع الخاص وحده قادر على لعب أفضل الأدوار في خدمة المواطنين، لاسيما في حال شراكته مع القطاع العام الذي يؤمن مراقبة دقيقة وصحيحة للتوجه العام في القضايا العامة.

 

^ النقابات الخاصة والتجمعات الإقتصادية وقطاعات النقل… علقت آمالاً كثيرة على حضوركم ودوركم في محاربة الفساد ومكافحة أعمال التهريب.

 

ـ عملنا ونعمل في سبيل تحسين آداء الإدارة ومكافحة الفساد وأعمال التهريب وتحقيق مردود إضافي لخزينة الدولة.

 

^ لكن المداخيل الجمركية لا زالت دون التوقعات على الرغم من ارتفاعها. ما تفسيركم؟

 

ـ في مقابل تراجع عمليات الإستيراد حافظنا على المداخيل الجمركية ودفعنا النسب المئوية في أماكن عدة.

لكن يجب النظر الى الوضع الإقتصادي بمجمله، حيث نجد انه في تراجع مستمر وأن التوقعات تشير الى استمرار التعقيدات الإقتصادية وتراجع إضافي في الأرقام.

مشكلة الإقتصاد اللبناني معقدة جدًا والأرقام تؤشر الى خطورة آنية ومستقبلية. من هنا ضرورة توفير المعالجة الشاملة عبر خفض الدين العام ومعالجة مكامن العجز والهدر والخلل الفاضح.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة