الناس لا تهمّهم كل الأسباب والمطالب والاعتراضات والعقبات والتدخلات التي تعرقل عملية تأليف الحكومة في لبنان. لقد شبعوا انتظاراً ووعوداً وأكاذيب. وملّوا التأجيل تلو التأجيل. و”قرفوا مماطلة معتلي العروش” فيما هم يقبعون في الظلمة وانقطاع المياه والنفايات في الشوارع والأمراض تفتك بأولادهم والخدمات غائبة من دون سبب او تعليل…
وفيما رجال السلطة في لبنان متلهين بكيفية اقتسام المغانم، تمرّ البلاد بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها الحديث، وسط توقّعات مستقبلية سلبية للغاية.
مالياً، يؤدي غياب حكومة جديدة الى ارتفاع الكلفة في باب الدين العام، الذي سترتفع خدمته مع تراجع التصنيف الائتماني للبنان الناتج عن التخبط السياسي، وكذلك نتيجة ارتفاع الفائدة على الدولار الأميركي في العالم ـ والمستمرة في الارتفاع خلال العام المقبل ـ بما يقارب الخمسين مليون دولار أميركي سنوياً. وفي ظل غياب الحكومة ايضًا يستحيل السير في اي خطة تهدف الى خفض العجز في الميزانية العامة، التي من المتوقع ان يرتفع عجزها خلال 2018 الى أرقام قياسية في ظل استمرار الهدر والسرقات من جهة وتراجع الواردات من جهة أخرى. ان استمرار العجز في الموازنة ـ لا بل زيادته ـ يشكّل اخلالاً بتعهدات لبنان تجاه صندوق النقد الدولي والدول المانحة في مؤتمر سيدر.
اقتصادياً، الركود الذي يعيشه الاقتصاد اللبناني لا يساعد في حل الأزمة الاجتماعية والمالية ـ وهو بلغ معدلات قياسية وخطيرة، اذ بحسب مؤشر مديري المشتريات الرئيسي (PMI) الصادر عن بلوم بنك، فان انكماش القطاع الخاص يسير بأسرع وتيرة منذ تشرين الأول/اكتوبر 2016. اما مؤشر مصرف لبنان فيلقي الضوء على معدلات ونسب تراجع القطاعات بمجملها، وهي نسب مخيفة وغير مطمئنة ـ ان غياب الاستثمارات يحرم خزينة الدولة من ضرائب جديدة ولا يفسح في المجال أمام الشباب اللبناني في دخول سوق العمل، بما يزيد من معدلات البطالة المرتفعة اصلاً.
معيشياً، ان كلمة “الاذلال” لا تكفي لوصف الحالة التي يعيشها المواطن اللبناني. التيار الكهربائي في غيبوبة اهل الكهف، ووزير الطاقة يعد بتوسيع مساحة العتمة الى منطقة زحلة وجوارها، بعدما تمتعت بالكهرباء 24/24 في ظل شركة كهرباء زحلة. المياه لا تعرف طريقها الى المنازل في أشهر الصيف. الطرقات مستباحة: عجقة سير، أزمات خانقة وحوادث اوقعت 70 قتيلاً ونحو 500 جريح في شهر آب/اغسطس وحده. الأسعار ترتفع. التضخم يلامس الـ 8٪ في الأشهر الثمانية الأولى من العام. البطالة في معدلاتها القصوى. النفايات. التلوث. الهدر. السرقات… عناوين يومية لمعاناة شعب قرّر الصمود في ارض ابائه وأجداده، حتى الذي قرّر الهجرة او الخروج للراحة او العودة للعمل في دول الخليج… تعرّض لاهانات واذلالات لا تعرف مثيلاً لها مطارات العالم كافة.
صندوق النقد الدولي يحذّر: “البلاد في حاجة الى اطلاق ورشة اصلاحات، لأن الأمور تختلف هذه المرة عمّا سبقها. اذ لن يعود الوضع على ما كان عليه اذا لم تتحقق الاصلاحات، بل ستتراجع بشكل كبير” الكلام منسوب الى نائب رئيس البنك لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا فريد بلحاج.
سفراء الدول المانحة في مؤتمر سيدر يهددون بتحويل المساعدات والقروض الى دول اخرى، طالما ان خلافات اهل السلطة في لبنان تحول دون بلوغها وجهتها المقرّرة في باريس.
وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل حذّر من “مؤشرات خطيرة” تتعلق بنسب النمو والعجز والدين العام وبمترتبات لبنان لجهة اطلاق المشاريع التي وُعد بها على المستوى الدولي في حال استمرار وضع المراوحة الراهن.
الهيئات الاقتصادية اطلقت صرخة مدوّية في وجه كل من يتهاون في شؤون الاقتصاد والناس، وحذّرت “انها لن تتوانى عن القيام بأي خطوة تصعيدية لوقف مسلسل التراجع الخطر الذي تشهده البلاد”.
كلام البطريرك بشاره الراعي يختصر الموقف: الناس تغلي بالغضب والنقمة… والشعب بدأ يفقد ثقته بالسلطة السياسية.
الى أين نحن واصلون؟ ثورة أم هجرة؟

