- شباط/فبراير 339 - المراقب المالي

الهبوط الآمن وإستعادة الثقة

تمكّن الرئيس حسان دياب أخيرًا من تشكيل حكومة مقبولة نسبيًا والحصول على ثقة مجلس النواب في ظل معارضة الشارع وإضطرار القوى العسكرية والأمنية لإتخاذ تدابير قاسية أدت إلى وصول النواب إلى المجلس لتأمين النصاب وإكمال حلقة مراكز السلطة في الدولة اللبنانية.

سارع الكثير من النقّاد المحليين والدوليين إلى وصف حكومة حسان دياب بأنها حكومة يقودها حزب الله، أو أنهم ألمحوا إلى أن حزب الله أبعد الأحزاب الأخرى ليتمكن من السيطرة على الحكومة. لكن مسار الأحداث يبيّن أن حزب الله إستمر متمسكاً بسعد الحريري حتى النهاية وقدم له تنازلات عدة، في محاولة للإستفادة من التغطية السياسية والعلاقات المالية التي يتمتع بها الحريري من أجل إنقاذ لبنان. لكن التطورات ذهبت في منحى آخر وضغط الشارع دفع في إتجاه معاكس، فكان حسان دياب على رأس حكومة جديدة، أبعدت السياسيين وكبار الفاسدين والسارقين عن التحكم بالسلطة التنفيذية لأول مرة منذ بدء تطبيق إتفاق الطائف.

تمكّنت الثورة الشعبية من الإطاحة بحكومة سعد الحريري الفاشلة في إدارة الدولة والناجحة في تقاسم «المغانم» وتوزيع السرقات على معظم أطيافها… كما نجحت الثورة الشعبية في إيصال مجموعة جديدة من الوجوه، المشهود لعدد كبير منها بنظافة الكف والكفاءة والعلم والإدارة… في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي وحياتي صعب للغاية.

تواجه حكومة الرئيس حسان دياب تحديات كبرى، في ظل إختلالات بنيوية جسيمة للغاية، لاسيما على صعيد القطاعين الخارجي والعام، إلا ان المخارج ما زالت متاحة وتحقيق سيناريو الهبوط الآمن ما زال ممكنًا، إذا إتخذت خيارات وتدابير جذرية من واضعي السياسات، فالأرقام لا تزال قابلة للإحتواء إذا صدقت النيات. وفي حال أطلقت عجلة الإصلاحات الهيكلية بشكل ملائم، بإمكان لبنان أن ينتقل تدريجيًا من حقبة الوهن الاقتصادي إلى حقبة الإحتواء التدريجي للمخاطر والتهديدات كشرط أساسي لأي نهوض اقتصادي منشود في المدى المتوسط إلى البعيد. ولكن في المقابل، يتعين على الحكومة الجديدة أن تواجه ٥ تحديات ماكرو اقتصادية رئيسية، أولها تصحيح الإختلالات الخارجية التي تفاقمت نتيجة التراجع الملحوظ في حركة الأموال الوافدة في ظل شبه القيود المفروضة على حركة الرساميل الخارجية. تصحيح الإختلالات القائمة على صعيد المالية العامة التي تشكل عنصر الهشاشة الأبرز حاليًا في الاقتصاد الوطني. تصحيح الوضع النقدي مع التراجع المتوقع في إحتياطات مصرف لبنان في ظل الحاجات التمويلية الملحوظة بالعملات الأجنبية. تصحيح الأوضاع المصرفية مع ضرورة توحيد الإجراءات المصرفية بالترافق مع مزيد من التخفيض في معدلات الفوائد، وإعادة النمو الاقتصادي وتوفير الوظائف، بعد إنتقال الاقتصاد الوطني حاليًا من حلقة النمو المنخفض إلى وضعية الركود التي تؤثر على جميع قطاعات النشاط الاقتصادي.

البيان الوزاري بدا مدركاً لهذه التحديات، واعدًا بالتصدي لها ومعالجتها، لكن تبقى القدرة على التنفيذ وسط إستمرار تحكم قوى سياسية ومراكز نفوذ اقتصادية بمفاصل أساسية في البلاد ورفضها التنازل عنها لغايات مصلحية وشعبوية عدة.

نأمل أن تستمر الثورة الشعبية في رصد الحركة السياسية وتوجيهها نحو الخير العام وإنقاذ المؤسسات وإنهاء دور السياسيين التقليديين الذين سرقوا البلاد ونهبوا العباد، والحؤول دون عودتهم مجددًا إلى الساحة السياسية، بل محاسبتهم وتقديمهم للعدالة وإعادة الأموال التي نهبوها إلى الخزينة العامة…

لن يعود لبنان كما نتمنى، بلد الإزدهار والإستقرار والإشعاع… إلا بزوال طبقة سياسية فاسدة أسهمت في تدميره منذ تسعينات القرن الماضي وحتى تاريخه وبتسلّم طبقة سياسية جديدة تتمتع بالمصداقية وتتسّم بالشفافية وتهدف إلى إعادة بناء دولة تليق بمواطنيها.

 

 

 

 

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة