يتحدث النائب ألكسندر ماتوسيان عن المعاناة التي أصابت قطاع التأمين اللبناني بفعل مجموعة من المشاكل والصعوبات المتراكمة خلال العام الماضي، والتي بدأت مع ثورة ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ وتفاقمت بفعل الإنهيار الاقتصادي العام وتأثيراته على القطاعات الخدماتية والإنتاجية كافة كما الأفراد، مرورًا بإنهيار صرف العملة الوطنية التي باتت أسعارها متعددةً ومتبدلة ومتغيّرة بإستمرار، وصولاً الى التفجير الكارثي لمرفأ بيروت مع تداعياته على المستويات الوطنية والاقتصاديّة والاجتماعية كافة، من دون أن ننسى جائحة كوفيد-١٩ والتي ألقت بثقلها على قطاع التأمين بفعل العجز الرسمي شبه التام.
النائب ألكسندر ماتوسيان يغوص في التفاصيل شارحًا بدقة المواضيع المطروحة، مبديًا رأيه بكل صراحة ووضوح إستناداً إلى خلفيته النيابية من جهة ورؤيته كرجل أعمال من جهة أخرى، بما يغني الحديث ويجعله مسؤولاً.

* يعاني قطاع التأمين اللبناني اليوم من مشاكل متعددة بفعل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد من جهة والأزمات الخانقة التي تواجهها القطاعات الخدماتية والمالية والإنتاجية من جهة أخرى.
كيف تصفون واقع هذا القطاع؟
قبل الشروع في صلب الموضوع لابدّ من الإضاءة على بعض الأرقام، للإشارة الى حجم المعنيين بهذا القطاع وانعكاس الأزمة مباشرة عليهم وعلى المؤسسات والنشاط الاقتصادي ككل.
استنادًا الى بيانات جمعية شركات التأمين في لبنان (ACAL)، فإن عدد المؤمنين في فرع الاستشفاء يبلغ ٨٣٧ ألفًا، وفي الحياة ٦١٨ ألفًا. أما أعداد السيارات والمركبات الأخرى التي تشملها التغطية التأمنية، فيبلغ مليونًا و ٤٠٣ آلاف، وفي فرع الحريق يسجّل حجم التأمينات ٦٥ ألف مؤمن، والمؤمنون في فرع النقل ٨٣ ألفًا، وفي المسؤولية المدنية يبلغ ١٤٦ ألفًا، إضافة الى ٣٢١ الف مؤمن في فروع مختلفة.
أمام هذه الأرقام، يبدو واضحًا أن ما قد يصيب هذا القطاع سينسحب على عدد كبير من المواطنين أكانوا مؤمنين أم عاملين في القطاع ويطاول صحّتهم وأعمالهم… ويزيد من الأعباء عليهم.
المشكلة الأساسية التي يعاني منها القطاع تتمثّل في ارتفاع سعر صرف الدولار الذي رتّب أكلافًا كبيرة على الشركات الملتزمة حتى اليوم بالقوانين في احتساب اقساط البوالص بحسب سعر الصرف الرسمي وهو ١٥١٥ ليرة . وغني عن الشرح أن زيادة الأكلاف طاولت معظم القطاعات خصوصًا فرعي الإستشفاء والسيارات وغيرهما. وهذا وجه من وجوه أزمتنا المتمثلة أيضًا باستحقاقات يفترض بشركات التأمين دفعها لمعيدي التأمين في العالم، وبالعملة الصعبة.
نبحث مع وزير الاقتصاد راوول نعمة عن حلول متوازنة تحمي القطاع ولا تضيف أعباء تفوق طاقة المؤمّنين في هذه الظروف الصعبة، وهو يبدي كل تعاون ويحاول ايجاد الحلول التي هي من دون شك، صعبة على الجميع.
فدائرة الأزمة تتسلّل الى سائر القطاعات التي تتعامل معها شركات التأمين، وابرزها المستشفيات والمختبرات ما دفع بنقابة أصحاب المستشفيات الى ارسال كتاب الى شركات التأمين، تطالبها فيه بتسديد نسبة ٤٥٪ من فواتيرها بالدولار عن طريق الشيكات ونسبة الـ٥٥٪ المتبقية تتقاضاها شيكات بالليرة اللبنانية الخطوة التي تؤشّر إلى أزمة كبيرة تلوح في الأفق قد تكون إحدى عواقبها توقّف المستشفيات عن استقبال مرضى التأمين، مع العلم أن هؤلاء هم عادة، «المرحب بهم» أكثر من غيرهم في المستشفيات.
بدورها، أبلغت المختبرات شركات التأمين أنها سترفع أسعار الفحوصات بنسبة تتراوح بين ١٠ و ٢٠٪. ويأتي ذلك بعد زيادة نقابة الأطباء تعرفة الطبيب.
وليس بعيدًا من القطاع الطبي والاستشفائي، يبرز تحَدِ مستجدّ وهو معالجة المصابين بفيروس كوفيد–١٩ سواء من المقيمين أو من الوافدين الى لبنان، إذ أن شركات التأمين، التي تعرف واقع الدولة وقدراتها، بادرت الى اقتراح بوليصة تأمين خاصة لكوفيد-١٩ للمساعدة في مواجهة هذه الجائحة وتخفيف الأعباء عن كاهل الدولة. وهكذا يمكن لكل وافد إلى لبنان، سواء كان لبنانيًا أو أجنبيًا، شراء هذه البوليصة الوحيدة المعتمدة من قبل الدولة اللبنانية قبل قدومه إلى البلاد عبر رابط إلكتروني (Online).
* هل تعتقدون أن قطاع التأمين اللبناني قد نجح في التعاطي مع جائحة كوفيد-١٩؟
كوفيد–١٩ وباء عالمي، تغطيته مسؤولية الحكومات، وهذا ما جرى في معظم بلدان العالم. الوضع في لبنان مختلف كليًا حيث الأزمة المالية تعصف بموازنة الدولة العاجزة عن القيام بأبسط الواجبات الملقاة عليها. من هنا تمّ التركيز على تحميل شركات التأمين الأعباء الناجمة عن هذا الوباء، وعلى رغم عدم وجود تغطية من قبل شركات الإعادة لهذا النوع من الأوبئة.
* ماذا عن المشاكل في فرع ضمان السيارات على ضوء وجود أسعار عدة لسعر صرف العملة الوطنية؟
ليس فرع الإستشفاء وحده المتأثر بالأزمة، بل إن قطاعات أخرى لا تقل أهمية للمواطنين، معنية بشكل كبير والمتمثلة بفرع التأمين على السيارات. هنا الأزمة تقارب النّكبة مع إرتفاع أسعار قطع غيار السيارات وحتى المركبات نفسها. الجميع يشكو، شركات التأمين، المؤمّنون، أصحاب الكاراجات وتجّار قطع السيارات، وهم على حق….!!
فالمؤمّن الذي يسدد تأمينه وفق القانون والأنظمة المرعية كيف يمكنه أن يقبل أن يكون عمليًا under insured فيحصل على تغطية دون السعر الفعلي المتضخّم في السوق؟
وبدورها شركة التأمين التي تتقاضى قسط البوليصة إستنادًا الى سعر الصرف الرسمي للدولار، كيف يمكنها أن تصمد في تغطية المؤمّن لديها استنادًا إلى سعر صرف يتراوح بين ٨ أو ٩ آلاف ليرة مثلاً؟
ومستوردو القطع يسدّدون سعر البضائع بالعملة الأجنبية وكذلك الأمر بالنسبية الى أصحاب الكاراجات الذين يقومون بتصليح السيارات. فجميع القطاعات الاقتصادية مأزومة وتدور في حلقة مفرغة. إذًا ما الحلّ؟
في اعتقادي أن «الحل الوحيد يرتكز على تحديد سعر صرف موحد على كل الأراضي اللبنانية، يشمل كافة القطاعات الاقتصادية، ومنها التأمينية».
كما أنه من الأهمية بمكان ضرورة تشجيع الدولة القطاع الخاص ودعمه معنويًا في كل المجالات، لأنه الوحيد القادر على النهوض بلبنان وخلق فرص عمل في مجالات متنوعة، ما يعيد الأمل والثقة المفقودة في البلاد والتمسك بالعيش فيه بكرامة».
* التفجير الكارثي الذي حصل في مرفأ بيروت في الرابع من شهر آب/أغسطس الماضي، ترك آثارًا سلبية عدة على الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والحياتيّة للمواطنين والمؤسسات على حدٍ سواء….
– لنبدأ بتحديد المسؤوليات وتوزيعها؟
لابدّ من الإشادة أولاً بإدّعاء المحقق العدلي القاضي فادي صوان على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وثلاث وزراء سابقين بتهمة الإهمال والتقصير والتسبب بوفاة وجرح مئات الأشخاص. مع دعوتنا الأكيدة بوجوب الإسراع في إنهاء هذا الملف بأسرع وقت ممكن.
في تحديد المسؤوليات، لابدّ من التأكيد على عدم مسؤولية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في حين أن المسؤوليات تقع على عاتق كل من علم بهذا الموضوع ولم يتخذ أي إجراء فعلي للحؤول دون وقوع مثل هذا الانفجار. وفي اعتقادي أن تفجير المرفأ حصل نتيجة إهمال كبير وفاضح من المسؤولين المتعاقبين منذ العام ٢٠١٣، تاريخ رسو الباخرة المشؤومة في المرفأ والمحملة بنيترات الأمونيوم.
* هل تؤيدون إجراء تحقيق دولي حول هذه القضية؟
لا فائدة من إجراء تحقيق دولي لمعرفة سبب الإنفجار كون التحقيقات في مسرح الجريمة جرت من قبل إختصاصيين دوليين أعدّوا تقارير كافية حول هذا الموضوع.
* إرتفعت أصواتٌ تطالب شركات التأمين بتسديد المتوجبات الملقاة على عاتقها بموجب العقود التأمينية المتعلقة بتفجير المرفأ؟
أبدت شركات التأمين المحلية إستعداداتها للتعويض عن المتضررين المؤمّنين من جراء إنفجار المرفأ. لكن لابدّ في هذا المجال من التوقف عند الأمور الآتية:
– ترتبط شركات التأمين المحلية بعقود مع شركات الإعادة العالمية، ولا يمكنها بالتالي تسديد التعويضات من دون موافقة شركات الإعادة، نظرًا إلى ضخامتها من جهة وعدم قانونية مثل هذا العمل من جهة أخرى.
– أبدت شركات الإعادة العالمية إستعدادها للتعويض على المتضررين شرط الإنتهاء من التحقيق الرسمي الذي من شأنه أن يحدد طبيعة الإنفجار، الذي على أساسه يتم التعويض على المستحقين. من هنا دعوتنا وإلحاحنا للإنتهاء من وضع التقرير النهائي من قبل القضاء اللبناني المختص.
– على رغم كل ذلك، عمدت معظم شركات التأمين المحلية على إتخاذ مبادرات قضت بتسديد تعويضات على المتضررين، في مجالات معيّنة. مع الإشارة هنا إلى أن عددًا من الأضرار تفوق تعويضاتها ملايين الدولارات ولا يمكن للشركات المحليّة تسديدها من دون أن تقوم شركات الإعادة بتسديد حصتها في هذا المجال.
– لابدّ من التأكيد هنا أن قيمة الأضرار المؤمّنة لا تزيد عن مليار دولار أميركي، في حين أن البنك الدولي قدّر الأضرار الناجمة عن تفجير المرفأ بما بين ٨ إلى ١٠ مليار دولار أميركي. بمعنى آخر فإن التعويضات التي ستسددها شركات التأمين لن تغطي سوى جزء من إجمالي الأضرار. من هنا دعوتنا للحكومة والجهات المانحة للقيام بدورها في مساعدة الأفراد والمؤسسات والشركات على تخطّي هذه المحنة.
* شدّد السيد محمد شقير في إطلالاته الإعلامية على وجوب أن تدفع شركات التأمين المحلية أموال طازجة (fresh money) للمتضررين وإتهمها بقبض الأموال الطازجة وتحويلها إلى الخارج وتسديد التعويضات من الأموال الموجودة لديها في المصارف. ما تعليقكم؟
كلام الوزير السابق محمد شقير لا يرتكز إلى أي دليل منطقي أو علمي أو واقعي. وفي الواقع إنه كلام بلا معنى ويخفي غايات مشبوهة.
شركات الإعادة لم تسدد أي مبلغ حتى تاريخه وهي في إنتظار التقرير الرسمي كما سبق القول. وهي حين تدفع أموال طازجة فإن شركات التأمين المحلية ستسددها للمتضررين أموالاً طازجة بالتأكيد.
هنا لا بدّ من التأكيد على مجموعة من الحقائق:
– لا يحق للهيئات الاقتصادية تعيين شركة إستشارات أجنبية غير مرخص لها في لبنان للقيام بمهام إستشارية تتعلق بالأضرار الناجمة عن إنفجار المرفأ، بما يطرح أكثر من علامة إستفهام حول طبيعة عملها وأهدافها والمستفيدين منها. مع الإشارة في هذا المجال إلى أن شركات التأمين المحلية لم ولن توافق على أي تقرير تضعه هذه الشركة.
– انتدبت شركات الإعادة العالمية شركات متخصصة في معاينة الأضرار ووضع تقارير مفصّلة بها للإستناد إليها في عمليات التعويض وهي شركاتٌ وفق الأصول في لبنان وحائزة على كل الشروط المطلوبة للقيام بمثل هذه الأعمال.
– لم تسدد شركات التأمين اللبنانية متوجباتها تجاه شركات الإعادة العالمية لعدم قدرتها على تحويل الأموال إلى الخارج، وذلك للعام الثاني على التوالي، بما سيدفع شركات الإعادة لإستعمال المبالغ المستحقة على شركات التأمين في جزءٍ من أموال التعويضات وهذا أمرٌ منطقي وقانوني.

