من البديهي أن يكون اللقاء الشهري بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولجنة الرقابة وجمعية المصارف دسمًا بموضوعاته ونقاشاته، خصوصًا في ظل ما يحصل على الساحتين المصرفية والمالية من تطورات تكاد تطغى على موضوع تأليف الحكومة، إذ وضع الحاكم الملفات الشائكة على الطاولة، مفندًا ما يتوجب على القطاع المصرفـي القيام به في هذه الظروف لطمأنة المودعين والخروج من الأزمة بأقل أضرار ممكنة. أما المصارف فكان عتبها واضحًا على بعض مجتمع السياسة الذي «يستسهل رمي الكرة في ملعب المصارف التي موّلت الإنفاق العام ولم تُقرّره، فيطلقون الشائعات ويمعنون في تضخيمها وتصديقها كأنّها حقائق، علمًا أن الأرقام تُظهر كلّها عكس ما يذهبون إليه».
ومع خطورة ما يحصل في بعض المصارف من «إعتداءات» على الموظفين على خلفية تقنين السحوبات النقدية الذي تمارسه إدارات هذه المؤسسات، كان لا بدّ للحاكم أن يثير هذه النقطة مع الجمعية، إذ أوضح أن معظم المصارف أبلغته خطط إلتزامها موعزًا للمصارف الأخرى أن تسارع الى ذلك، لأن عدم الإلتزام في رأيه غير مقبول. وفيما لاحظ الحاكم أن لبنان يتجه الى اقتصاد نقدي Cash Economy، أعلم المشاركين أن سحوبات النقد الورقي (Banknote) من مصرف لبنان بلغت في فترة الأعياد معدل ١٣٠ مليار ليرة يوميًا في مقابل معدل ٥٠ مليارًا في الفترة السابقة، موضحًا في الوقت عينه أن المبالغ النقدية بالليرة المسحوبة لا تعود إلى صناديق مصرف لبنان، بل تذهب إلى التخزين في المنازل.
وبما أن المصارف تتخذ إجراءات صارمة وتمارس قيودًا قاسية على التحويلات بالدولار منذ منتصف العام ٢٠١٩، إضافة الى عدم رفد المودعين والزبائن بالعملة الخضراء، فإنه من البديهي أن لا يرسل المغتربون الأموال الى أسرهم بواسطة المصارف وهو ما لاحظه الحاكم الذي أشار الى أن تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج الى أسرهم تتم مباشرة وليس عبر المصارف. وأعلم المصارف انه أصدر تعميمًا يعني خاصة شركات الأموال (Western Union الخ…)، يلزمها أن تسدد التحويلات للمواطنين بعملة التحويل وليس بالليرة.
ومن المتوقع أن يترك هذا التعميم الذي سيتم تطبيقه بدءًا من ٨ كانون الثاني/يناير الجاري صدى إيجابيًا بين المغتربين، الذين يعانون ضغوطاً وقيودًا تتعلق بتحويل الأموال إلى ذويهم في لبنان. وكانت التحويلات من الخارج عبر المؤسسات غير المصرفية، تراجعت أخيرًا بشكل كبير، مع حصر تسليم التحويلات بالليرة اللبنانية، تطبيقًا للتعميم رقم ٥١٤ الصادر عن حاكم مصرف لبنان بتاريخ ١٤ كانون الأول/ديسمبر الماضي، والذي قضى بإلزام المؤسسات غير المصرفية التي تقوم بعمليات التحاويل النقدية بالوسائل الإلكترونية «تسديد قيمة التحاويل النقدية الإلكترونية الواردة إليها من الخارج بالليرة اللبنانية حصرًا».
وطرح الحاكم خلال الاجتماع موضوع تمويل المستوردين والتجار من خلال فتح الاعتمادات (LC’s)، مؤكدًا أنه يتواصل بهذا الشأن من جهة مع المصارف المراسلة، ومن جهة ثانية مع بعض المؤسسات المالية الدولية (EBRD; EIB; AFD…) لضمان الإستيراد للسلع الأساسية، إلا أنه أكد أنه «لم يحصل على جواب قاطع من الجهات المعنية».
وأعلم الحاكم المجتمعين كذلك أنه سيصدر تعميمًا يعطي حرية كاملة لعمليات الدفع الالكتروني وإطلاق الـ Digital Currency. وهذا الموضوع أي تسهيل طرق الدفع هو من المواضيع المهمة التي تأتي في إطار الشمول المالي، علما أن الحاكم قد أعلن مرارًا أن مصرف لبنان يحضر تعاميم لوسائل دفع وتسليف إلكترونية يمكن إستخدامها عبر عدة تطبيقات وتسهّل على المواطنين عملية الدفع وعملية الاقتراض، داعيًا المؤسسات المهتمة الى طلب ترخيص، مع التأكيد أن دور مصرف لبنان فقط الترخيص والإشراف ويترك للأسواق حرية التصرف في تطبيق الأنظمة. مع الإشارة الى أن «العملة الرقمية ستكون بالليرة اللبنانية، وهذه الحملة ستساعد المستهلك حتى يحرر مدفوعاته بأكلاف أقل، وستكون فقط بالليرة وليس بالدولار».
على صعيد آخر تمنى رئيس لجنة الرقابة سمير حمود على المصارف اللجوء الى تصفية العقارات التي تملكها إستيفاء الديون المادة ١٥٤ ق. ن. ت، في مقابل ودائع زبائن، مما يخفف حجم الودائع. واشار الى أن لجنة الرقابة أصدرت مذكرة للمصارف الإجراء Netting للعمليات مع مصرف لبنان والتي ترتب عليها تضخم غير مبرر بميزانية المصارف.
سوابات جديدة ؟
طرح الحاكم على المصارف أن يجري سواب Swap على سندات الأوروبوندز، بحيث يعطيها مصرف لبنان سندات طويلة الأجل من محفظته بدل السندات القصيرة الأجل التي يتحملها وتستحق في آذار/مارس، نيسان/أبريل وحزيران/يونيو، ما يفتح الباب لعمليات سواب مع الخارج، علمًا أن أحد أهم الصناديق بالنسبة لدين لبنان الخارجي أبدى انفتاحًا في هذا المجال. وتمنى الحاكم أن تجيبه المصارف قريبًا. وفي رأي الحاكم أن عملية مماثلة تحول دون إعادة جدولة ممكنة الحدوث، وقد يترتب عليها خسائر للمصارف، موضحًا أنه «في حال انتفت الحاجة لإعادة الجدولة نجري عملية Reverse Swap».
وتطرّق المجتمعون الى موضوع تطبيق المعايير الدولية، إذ ردّ الحاكم على سؤال حول تطبيق لـ IFRS٩ وإنعكاسها على رساميل المصارف بالتأكيد أن ثمة توجه لتعليق العمل بالتعميم بسبب الظروف الإستثنائية، وأن مشروعًا بهذا الإطار أعدّته لجنة الرقابة على المصارف سيصدر ويأخذه مراقبو الحسابات بالاعتبار لصدوره عن الـ Regulators مع تسجيلهم ما يُعرف بالـ Disclaimer.
كما ناقش اللقاء الشهري مسألتين إضافيتين، تناولت الأولى موضوع التحويلات إلى الخارج بالمليارات المزعومة. فأوضح سلامة أن هيئة التحقيق الخاصة لم تتلق من المصارف التي تلقت التحويلات أي مراجعة، ذلك أن واجبها معرفة أصحابها ومصدر هذه الأموال. كما أن مسؤولي الإمتثال في المصارف لم يبلغوا عن أي حركات أموال غير طبيعية لهيئة التحقيق الخاصة، مشيرًا الى أن مصرف لبنان سينشر المعطيات والأرقام وتظهر عندها الحقيقة».
أما المسألة الثانية فتتعلق بما يشاع عن إمتلاك المصارف في الخارج مليارات يمكن إستعادتها، إذ رأى الحاكم أن حسابات المصارف لدى المصارف المراسلة تقابلها من جهة إلتزامات للمصارف اللبنانيّة وهي من جهة ثانية مربوطة بإعتمادات مستندية لتمويل التجارة الخارجية كما سبق وأوضح في لجنة المال والموازنة. ورأي بيان الجمعية أن الأقاويل التي تروّج لها بعض الجهات السياسية، إنّما تهدف إلى حرف الأنظمة عمّا آلت إليه سياساتهم من فساد وإنفاق وصدر للمال العام.

