يقدّم الشيخ خلدون بركات، رئيس مجلس إدارة شركة إعادة التأمين العربية Arab Re، قراءة مفصّلة عن واقع قطاع إعادة التأمين عربيًّا ودوليًّا، شارحًا المشاكل التي تضعف القطاع ومشدّدًا على أهمية وضرورة الاندماج بين الشركات بما يكفل استمرارية القطاع في المستقبل.

ويشير الشيخ بركات الى المحاولات المتكررة والمناشدات الكثيرة التي أطلقها ولا يزال يطالب فيها، منبّهًا شركات الإعادة الإقليمية النامية من الخطر المستقبلي وداعيًا إيّاها الى أخذ الحذر وإدراك حجم المشكلة وتبنّي الحلول المقدمة.

* ما هي قراءتكم لواقع إعادة التأمين عالميًّا وإقليميًّا؟

عالميًّا، ليست شركات الإعادة الإقليمية من بين اللاعبين العالميين في صناعة إعادة التأمين، لأنه لا يتوافر لدينا الحجم الكبير ولا التاريخ الطويل ولا الخبرة العالمية على غرار اللاعبين الأساسيين القليلين الذين يحركون السوق ويؤثرون على توجهاته كما أنهم يصنعون التطورات العامة لأسواق إعادة التأمين العالمية.

فشركات الاعادة الاقليمية تعاني من السياسة المرنة التي تتبعها شركات الإعادة القيادية في عالم التأمين بمنح تسهيلات وطاقات اكتتابية إضافية، وبالتالي إن هذه المرونة التنافسية الموجودة في شروط التعاون بين شركات التأمين وشركات الإعادة تُعتبر خطرة، لأنها تيسر لشركات التأمين دورًا أكبر للعب دور الوسيط في تحويل المخاطر وتقلل من تحمل مسؤولية مهنيتها الاحتفاظية والاكتفاء بعمولة وساطة الأقساط المسندة.

ومن ناحية اخرى تعاني شركات الإعادة القيادية العالمية من هذه المرونة التي منحتها بتزايد حدة التنافس وتدني الأسعار في تلك الأسواق كما تعاني من مخاطر خسائر نتائج هذه الأقساط، وتعوضها من تضخم حجم اقساط محافظها بما يحقق لها ربحًا على اقساطها المتنوع فنيًا وجغرافيًا ومن فروق عملاتها العالمية.

* كيف يمكن لشركات الاعادة الاقليمية أن تواجه هذا الوضع؟

اسواق الإعادة المتقدّمة لا تعرف منافسة شرسة، “الجوع” يصيب الأسواق النامية فقط أي أسواق الدول الإقليمية.

من هنا أحمّل شركات الإعادة القيادية العالمية مسؤولية وصول الأسواق الإقليمية الى الحال التي تتخبّط فيها، فهي حين تكون مرنة في شروط تجديداتها، فإن شركات التأمين العاملة في أسواق الدول النامية، ستشهد تخبّطًا في ما بينها بتدافعها وتنافسها في أعمالها وعملياتها، بما يلحق الأضرار بها جميعًا. وأرى أنه يجب وضع ضوابط عملية في هذا المجال حتّى لا تتحول الأمور في اتجاهات سيئة للغاية سواءً كان ذلك عبر مواثيق شرف فيما بين اللاعبين الكبار أنفسهم او/و من خلال فرض هذه السياسات من قبل هيئات مراقبين ومنظمي الأسواق.

الشركات الإقليمية والعربية مثل شركة إعادة التأمين العربية تعتمد للحفاظ على خميرة اساسية من محفظة اقساطها، على تاريخها المهني، إضافة الى المصالح المشتركة التي تجمعها مع شركات التأمين المباشر العاملة ضمن نطاقها الجغرافـي مستندة على امتلاكها مقومات الملاءة والسيولة المناسبة وسرعة وفائها في سداد التزاماتها وتواصلها الدائم مع عملائها. وأركز هنا على اسس المصالح المهنية المتبادلة قبل دعوات المصالح القومية.

إن التاريخ المشرّف لنا كشركة إعادة إقليمية بالوفاء بالتزاماتنا تجاه شركات التأمين، يشفع لنا بالحصول على نسبة معينة وان هي ضئيلة من حجم الأسواق قياسًا بالنسبة الأكبر التي تذهب الى شركات الإعادة الكبرى. مع الإشارة في هذا المجال الى أن القدرات المالية والفنية المحدودة لمعظم شركات الإعادة الاقليمية، لا تساعدها في الحصول على نسب كبرى من عمليات التأمين لاسيما ضمن معايير التصنيف فوق العادية المطلوبة من شركات الاعادة الاقليمية والتي غالبًا لا تحصل عليها بسبب تدني تصنيف دول اسواقها. من هنا دعوتي الدائمة والملحة لحصول عمليات اندماج بين شركات الإعادة العربية لنتمكن من إيجاد كيان قوي ومتين ليحقق النمو والتطور والتوسع في الأسواق الإقليمية والعالمية.

أما في حال استمرار الواقع على ما هو عليه، فإن معظم شركات الإعادة الاقليمية ستكون شركات تابعة وغير قادرة على تحقيق الأهداف التي رسمتها لنفسها وسيكون نموها صعبًا وتصنيفها متراجعًا وحجم أقساطها متواضعًا. وفي اعتقادي أن الشركات الاقليمية في حال فقدانها القدرة على النمو والتوسّع، فهي ستفقد دورها وطنيًّا وإقليميًّا.

في بعض الأحيان تحتّم علينا الكفاءة الفنية المحدودة في بعض الأسواق أن نحافظ على حجم معيّن بدلًا من تكبيره. ولعلي اضرب مثالاً على ذلك في القطاع المصرفـي العالمي صارت عمليات اندماج عديدة وصغّرت من حجم المصارف الإقليمية الوطنية لتتحول لمصارف بوتيك.

* ما الحل في رأيكم؟

منذ سنوات وأنا أناشد وأدعو وأطالب شركات الإعادة العربية بالاندماج أو أقله التنسيق فيما بينها. فهو الحل الوحيد للاستمرار والنمو. أتمنى أقلّه الوصول الى هيئة على غرار ما هو عليه واقع الحال في لويدز. ليت الحكومة اللبنانية تطلق مبادرة في مثل هذا الاتجاه مثلما تبنت سابقًا فكرة تأسيس واحتضان شركة إعادة التأمين العربية بمنحها امتيازات وتسهيلات متعددة وحصرية، بدل أن نسمع أصواتًا من هنا ومن هناك تدعو الى قيام شركات إعادة جديدة، فالوطن العربي قد تكفيه شركة إعادة تأمين واحدة.

لقد سقط عدد من شركات الإعادة العربية ويعاني عدد من مشاكل عدّة… وفي اعتقادي أنه إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه فالمشاكل ستطال بقية الشركات الإقليمية.

يجب أن نفهم أن التعامل الفني أو غير الفني والتعامل الوسائطي أو غير الوسائطي لا يتم على مبدأ المصالح والارتباط القومي والوطني، كل ذلك تعدّاه الزمن لأن العمل يجب أن يقوم على مصالح متبادلة مالية واقتصادية ومهنية. فالعنصر الوطني يضيف لها نكهة مميزة لكنه ليس خامة المكوّن الأساسي.

* المستقبل لمن إذًا؟

المستقبل سيكون لجانب الكيانات الكبيرة سواء شركات التأمين او اعادة التامين التي تتمتّع بقدرات مالية كبيرة وتصنيف قوي وطاقات مهنية وفنية متميزة وإمكانات على ابتكار منتجات تواكب روح العصر.

٧٠٪ من شركات التأمين الاقليمية القائمة في المنطقة وغيرها وبفعل التيسيرات التي تأخذها من شركات الإعادة القيادية، تحول معظم دورها من لاعب مهني الى وسيط تأميني، إذ أنها تأخذ المخاطر، تضع الشروط التي تناسبها، ثمّ تعيد تأمين ٧٥٪ منها بموجب تجديدات مع معيدي إعادة التأمين القياديين ومن ثم الإقليميين، والأمر نفسه ينطبق على كثير من شركات الإعادة الإقليمية.

إن عدم التفكير الجدي لإيجاد شركات عملاقة على غرار الشركات القيادية العالمية سيضع شركات الإعادة الإقليمية في موقع صعب. إنني أحمّل القيادات الموجودة في شركاتنا الاقليمية العربية وغير العربية في المناطق الأخرى المسؤولية الكاملة عن ذلك، لأنها لا تسعى لحلول تطويرية جذرية وتكتفي بما لديها من نمو محدود جدًا او توسع متضخم على حساب جودة الأعمال والأسعار العادلة وتقنع المساهمين من القطاعين العام والخاص للاكتفاء بذلك.

* هل من مبادرات معينة تقومون بها أم توجه معيّن لقطاع الإعادة في ظلّ ما رسمته؟

ما زلت مقتنعًا بأن الإعادة العربية يجب أن تتخطّى الدور الاقليمي، وضمان توسعها وتطورها في المستقبل مرتبط بالتعاون المادي والميداني بأي شكل من الأشكال سواء بشكل الاندماج أو تبادل الملكيات أو تأسيس شركة للخدمات أو تأسيس هيئات سوقية اتحادية…

أعتقد أن الأوضاع التي وصلت إليها معظم شركات الإعادة الاقليمية تؤكّد آن الأوان للآذان كي نسمع، والعقول كي تفكّر ونتّخذ قرارات صائبة.

وعلى هامش حديثنا اقترحت شركة الإعادة العربية بالعديد من مؤتمرات ومنتديات التأمين تقديم خدمات إعادة واستثمار مكملة، مشابهة لتلك التي تقدّمها الشركات القيادية العالمية من خلال شركات مستقلة تؤسسها برأس مال مستقلّ فيما بينها. يمكن القول أن هذه العملية وجه من وجوه الاندماج غير المباشر لتقديم الخدمات من خلال مؤسسات موحدة تشارك جهات عدة في قيامها.

* هل الحاجة الى رساميل إضافية؟

الرساميل موجودة لدى شركات الإعادة العربية ولدى المستثمرين الرأسماليين والجميع يفتّش عن استثمارات مجدية. ما نطلبه ونحتاج اليه هو القيمة المضافة غير السيولة المالية من المستثمرين الجدد او القدامى. فما الذي يمكن أن يقدّمه الشريك أو صاحب رأس المال الجديد من مصالح واعمال مهنية مضافة لشركة إعادة إقليمية؟ في اعتقادي أن شريكًا استراتيجيًا هو من يمكن أن يقدّم الكثير في حال قيام الشراكة على أسس واضحة وصريحة بحيث تكون شراكة مفتوحة وغير مقفلة وتحقق عوائد جيدة للمستثمر على المدى الطويل.

* هل يعزز الفشل الذي نتج عن بعض التجارب في الماضي، الدعوة التي توجهها اليوم؟

بالتأكيد، في ظلّ وجود عقول تفكّر مهنيًّا. انها رسالة واضحة للمساهم المتطلّع الى نتائج أفضل ومؤسسات أفعل وأقوى، والى القيادي الذي ينظر بالمنظار الاستراتيجي وليس من منطلقات ضيقة وحسب. إن العمل من أجل شركات فاعلة وقادرة على تقديم قيمة مضافة يستوجب اتخاذ خطوات جريئة وجبّارة.

الجميع يذوب في أخطائه وأخطاء غيره، بمنافسته وضيق افق إدارته… لكن كرئيس مجلس إدارة أو موظّف أو مدير تنفيذي أقول “أذا ما متت شوف غيرك الي مات”.

أخيرًا الظروف أقوى منّا ولا يمكن أن نعيش محدودين. والموضوع ينبغي التداول به بساحة القياديين والمساهمين بشقي شركات التأمين وشركات إعادة التأمين الإقليمية ومنطقتنا بالتأكيد.

شركة مساهمة لبنانية تأسست عام 1991

رئيس التحرير المدير العام

مارون مسلّم

المركز الرئيسي:

ذوق مصبح - مزيارة سنتر - بلوك ب - الطابق الأول , جونية - لبنان 

للإعلانات

للإشتراك

لإرسال رسالة