حافظ الدولي الإسلامي على نمو ارباحه ومختلف أرقام ميزانيته خلال العام ٢٠٢٠، على رغم التحديات الكبيرة التي أحاطت ببيئة الأعمال خلال هذا العام المثقل بالأزمات والأوبئة والصعوبات على تنوعها، كما أنه رسم خطوطاًعريضة لإستراتيجية خلال العام الجاري تقوم على مبدأ راسخ وهو الإهتمام بالسوق المحلية والتركيز على الفرص التي توفرها في مختلف القطاعات.
الدكتور عبد الباسط أحمد الشيبي، الرئيس التنفيذي للدولي الإسلامي يتحدث أيضًا عن تداعيات كوفيد-١٩ على القطاع المصرفـي عمومًا وفي قطر خصوصًا، والتدابير التي اتخذت لمواجهة الأزمات والتغلب عليها، إضافة إلى أمور أخرى تتعلق بواقع القطاع المصرفـي ودوره في المنطقة.
* لا تزال تداعيات جائحة كورونا تعصف بالاقتصادات حول العالم، ومنها بالطبع الاقتصادات العربية، مع الإشارة إلى أنه، وخلاف الصدمة الناتجة عن الأزمة المالية العالمية العام ٢٠٠٨، فقد تأثر قطاع الشركات بتداعيات الجائحة بشكل كبير، مما ولد لديها نقصًا في السيولة، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع كبير في التدفقات النقدية للمصارف…
• ما هي تداعيات ذلك على القطاع المصرفـي؟ وسبل المعالجة والمواجهة؟
أزمة كوفيد–١٩ أزمة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، والعالم لم يكن مستعدًا لمثل هذا الحدث الذي ولدته العولمة والتواصل بين مختلف القارات، هذه الأزمة هي مثال لما وصله العالم من تشابك في المصالح والتعاون والتفاعل، وبالتالي فإن أزمة كبيرة كأزمة انتشار فيروس كورونا سيكون أيضًا لها تأثير على نطاق عالمي.
ولعله من نافل القول الإشارة إلى أن القطاع المصرفـي من أكثر القطاعات تفاعلاً وتشابكاً في تعاملاته ومصالحه، وبالتالي فإن الأزمة التي حصلت بنتيجة الفيروس تأثرت بها مختلف المصارف في العالم، وإن كان التأثر يختلف حسب كل بلد، وحسب كل اقتصاد ومدى قوته.
لعله مازال من المبكر تقييم نتائج انتشار فيروس كورونا على المدى البعيد بالنسبة للقطاع المصرفـي، فهناك من يقول أن الأزمة ربما تكون استراحة، ولن يلبث الاقتصاد العالمي أن ينهض، خصوصًا مع بدء حملات التطعيم لمواجهة جائحة كورونا، وهناك من يعتبر أن الأزمة ولدت صعوبات على عدة مستويات.
أنا شخصيًا أفضل أن أكون من المتفائلين الذي يرون النصف الملآن من الكأس، فالأزمة أثرت من ناحية ولكنها في الوقت نفسه خلقت نوعًا من الوعي بضرورة أن تكون البنوك حذرة تجاه المخاطر غير المتوقعة، وأن تكون التحوطات أكثر حكمة وأكثر حصافة، مع كبح جماح الاندفاع غير المبرر لدى البعض وراء الربح بغض النظر عن المخاطر الكامنة.
بالنسبة لسؤالكم عن شح السيولة فأعتقد أن الأمر نسبي، فهناك دول عانت فيها البنوك بشدة، ولكن هناك دول كانت المعاناة في حدها الأدنى، وأستطيع التحدث عن تجربتنا في هذا المجال في الدولي الإسلامي بمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا.
فنحن جزء من الاقتصاد القطري الذي يحظى بدرجة تصنيف مرتفعة، وكان من الاقتصادات التي تعاملت بكل حكمة مع تداعيات انتشار فيروس كورونا، وكانت تعليمات الجهات الحكومية والإشرافية في دولة قطر في غالب الأوقات استباقية الأمر الذي جنبنا تداعيات غير متوقعة.
ونحن في الدولي الإسلامي وجدنا نتائج باهرة لاستثمارنا في الحلول التكنولوجية، حيث تمكنا من توفير غالبية الخدمات للعملاء عبر القنوات البديلة (الجوال المصرفـي والإنترنت المصرفـي والهاتف المصرفـي وشبكة الصرافات الآلية ومركز الاتصال الذي يعمل على مدار الساعة).
قبل انتشار وباء كورونا كانت خطط التحول الرقمي لدنيا سنوية، ولكن بعدها صارت شهرية وأحيانًا أسبوعية، وهو ما انعكس إيجابًا على خطط التشغيل وتخفيض التكاليف.
هذا من ناحية التشغيل، أما من ناحية السيولة والتدفقات النقدية فنحن لم نواجه نقصاً في السيولة، وحتى لو حدث ذلك فإن الجهات الإشرافية والحكومية أعدت خططاً ملائمة لتقديم الدعم وإسناد القطاع المصرفي القطري، وقد واصلنا عملياتنا وفق التطورات وبشكل يواكب مستجدات الأسواق مع التركيز على السوق المحلية كما هي استراتيجيتنا منذ فترة طويلة، وحققنا نموًا في مختلف بنود ميزانيتنا وحافظنا على إيجابية النمو في أرباح البنك، ونحن لا ننسب الفضل لأنفسنا بل نحن جزء من اقتصاد متكامل يعتبر من أكثر الاقتصادات تنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
* ادخلت الحكومات في العديد من الدول تدابير دعم غير عادية للتخفيف من الأثرين المالي والاقتصادي للجائحة، ومن ضمنها مجموعة من برامج القروض المصرفية وخطوط ائتمان غير محدودة لتجاوز أي نقص في السيولة (…)
• ماذا عن التدابير التي اتخذتها حكومة بلادكم في هذا المجال؟ وما كان تأثيرها؟
كما أسلفت قامت الجهات الحكومية في دولة قطر باتخاذ تدابير كانت في معظمها استباقية من أجل قطع الطريق على أية تداعيات يمكن أن تحدث جراء انتشار فيروس كوفيد– ١٩، وكانت الإجراءات في معظمها تركز على دعم المشاريع الحيوية وذات القيمة المضافة للاقتصاد، فضلاً عن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخطط تحفيز بالمليارات لمختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، وهي إجراءات أتت أكلها، حيث وصلنا إلى مرحلة يمكننا القول فيها أن النشاط الاقتصادي استعاد زخمه، وانطلقت ديناميكية متميزة عززت التفاعل والتعاون بين قطاعات الأعمال المختلفة، وفي الحقيقة إن أفضل دليل على نجاح الخطط والإجراءات الحكومية هو قيام مختلف وكالات التصنيف الائتماني العالمية بالتأكيد على التصنيفات المرتفعة لمختلف المؤسسات والقطاعات الاقتصادية في دولة قطر وعلى رأسها القطاع المصرفـي.
* أعلنت لجنة بازل عن سلسلة من الإجراءات لتخفيف تداعيات جائحة كورونا على المصارف، شملت بشكل أساسي، تأجيل تاريخ تنفيذ معايير بازل ٣ الجديدة، وخاصة بالنسبة لمتطلبات رأس المال لمدة عام حتى ١ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٣، كما منحتها تمديدًا مماثلاً لاعتماد الإطار الجديد لمخاطر السوق ومتطلبات الإفصاح ضمن الدعامة الثالثة.
• ما هو تعليقكم؟ وهل تعتقدون أن المهل كافية للالتزام بالمعايير المطلوبة؟
تتمثل مهام لجنة بازل الرئيسية في تعزيز التنظيم والرقابة والممارسات للبنوك في جميع أنحاء العالم بهدف تعزيز الاستقرار للنظام المالي العالمي، وذلك بالتنسيق ومن خلال البنوك المركزية والسلطات الإشرافية في مختلف الدول.
في بداية تداعيات جائحة كورونا، قامت اللجنة باتخاذ عدد من التدابير والاجراءات ومنها مراجعة الجدول الزمني لتنفيذ معايير بازل ٣ المفترض تطبيقها في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٢ لتصبح في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٣، وذلك بهدف تعزيز مرونة النظام المصرفـي العالمي في التعامل مع تداعيات جائحة كورونا.
هذا التخفيف من المؤكد أنه سوف يساعد البنوك والجهات الإشرافية والتنظيمية في مختلف الدول لتوفير قدرة تشغيلية إضافية للاستجابة لأولويات الاستقرار المالي الفورية الناتجة عن تأثير فيروس كورونا على النظام المصرفـي العالمي، كما أن الجهات الإشرافية والتنظيمية في دولة قطر قامت بالكثير من الإجراءات والتدابير التي ساهمت بشكل كبير وفعال في الحد من التأثيرات السلبية ومضاعفات هذا الوفاء على الاقتصاد والقطاع المصرفـي القطري.
مع العلم بأن دولة قطر والبنك المركزي القطري من الدول السباقة في تطبيق جميع توجيهات ومتطلبات لجنة بازل بشكل فوري ومتسارع أيضًا، ،وذلك بفضل البنية التحتية والملاءة المالية العالية التي يتمتع بها النظام المصرفـي في دولة قطر.
* دعا مدير قسم الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور الدول العربية إلى تنويع اقتصاداتها وإجراء إصلاحات هيكلية لتقويم الاعوجاجات الحاصلة فيها…
• ما هو الدور الذي يمكن للقطاع المصرفـي العربي القيام به في هذا المجال؟
القطاع المصرفـي له دور كبير وريادي في أي تحول أو إصلاح اقتصادي، وبالنسبة للدول العربية هناك الكثير من العمل الذي قامت به المصارف من أجل التجديد والتطوير وموائمة أوضاعها مع التغيرات العالمية، وقدمت إسهامات حقيقية في تطوير اقتصادات البلدان التي تعمل فيها، ولكن البنوك في النهاية هي مؤسسات ربحية وهي تتأثر بأجواء وقوانين ومخاطر الاقتصادات التي تعمل ضمنها، ولذلك وحتى تقوم البنوك بدورها الأفضل ينبغي أن تكون الظروف مهيأة لذلك من بنية تشريعية واقتصادية مناسبة، وهو أمر متوفر لدينا في دولة قطر ولكن هناك دول عربية ظروفها لا تسمح للقطاع المصرفـي بأن يقوم بدوره كما ينبغي لأسباب عديدة.
أما بالنسبة لخطط التنويع الاقتصادي فإن للبنوك دور هام فيها، من خلال دعم المشاريع التي يمكن أن تسهم في خلق نواة اقتصادية صلبة تقوم على اقتصاد إنتاجي متنوع ومنافس، وهو ما يسمح بالانتقال إلى حالة من الاستقرار الاقتصادي طويل المدى، ولا يتأثر بالظروف التي قد تحدث في حال كان الاعتماد فيه على جانب اقتصادي واحد.
* بدأت كثير من البنوك حول العالم بالتفكير في حلول جديدة تسمح لفروعها بالتكيف مع المرحلة المقبلة التي ينتظر أن يتخلى فيها العملاء عن التردد على الفروع بسبب استخدام الإنترنت في إنجاز المعاملات المصرفية.
• أين أنتم كمصرف من هذا التوجه؟
ضمن خططنا التطويرية كان لدينا خطة تحول في مجال الخدمات المصرفية الرقمية بدأت قبل أزمة انتشار فيروس كورونا بسنوات، وكنا نسير وفق الجداول المعتمدة، وأطلقنا خدمات مصرفية رقمية مختلفة كالجوال المصرفـي والإنترنت المصرفـي للأفراد والشركات والهاتف المصرفـي، ولدينا مركز اتصالات متقدم يعمل على مدار الساعة، وشبكة صرافات آلية موزعة في مختلف مناطق الدولة.
كنا نعمل بهدوء، وبما لايؤثر على وتيرة الخدمات التي نقدمها ونعطي الأشياء وقتها، على اعتبار أن العملاء يحتاجون إلى فترة حتى يتأقلموا مع القنوات الرقمية، فالكثير من العملاء عادة كانوا يفضلون زيارة فروع البنك، والحصول على الخدمات المصرفية وعملنا على خطة لزيادة الوعي بين العملاء بأهمية الخدمات الرقمية جاءت بنتائج جيدة ولكنها كانت دون الطموح، حتى جاءت أزمة انتشار فيروس كورونا، التي قلبت الموازين وغيرت السلوكيات والنظرة إلى الخدمات المصرفية بشكلها التقليدي.
ومع بداية الأزمة أخذنا المبادرة وقررنا القيام بخطوات واسعة جدًا لزيادة الخدمات عبر القنوات الرقمية، وفي الحقيقة ما كنا نخطط للقيام به في هذا المجال خلال أعوام قمنا به خلال أشهر، صحيح أن الأمر تطلب جهودًا جبارة وتعاونًا مكثفًا مع الإدارات والأقسام المختلفة وفرق الدعم داخل وخارج البنك ولكن النتيجة كانت مرضية تمامًا، وما ساعدنا في سرعة التحول الرقمي كان الأرضية المهيأة أساسًا، فقد وجدنا نتائج استثمارنا في الحلول التكنولوجية، حيث تمكنا من توفير معظم الخدمات للعملاء عبر القنوات البديلة، وبات بإمكان العملاء الحصول على معظم الخدمات المصرفية دون الحاجة لمراجعة فروع البنك، وطبعًا هذا التحول ساهم في تحسن بيئة التشغيل وخفض التكاليف، واعتقد أن معظم البنوك في العالم ستعيد النظر في سياستها بخصوص الفروع، وتكثف استثماراتها في الحلول الرقمية، ولكن مازال الوقت مبكرًا للحديث عن الاستغناء عن الفروع المصرفية، وربما الأمر يحتاج إلى نوع من الخدمات الهجينة بين نوعي الخدمات المصرفية التي تقدم عبر الفروع وتلك التي تقدم عبر المنصات الرقمية.
* ما هي أبرز الأرقام والإنجازات المحققة في مصرفكم للعام ٢٠٢٠؟
لعل أهم إنجاز حققه الدولي الإسلامي في عام ٢٠٢٠ كان الحفاظ على نمو أرباحه ومختلف أرقام ميزانيته رغم كل التحديات، وفي الربع الثالث المنتهي بتاريخ ٣٠/٩/٢٠٢٠ حققنا صافـي ربح بلغ ٧٨٥ مليون ريال قطر، فيما بلغ إجمالي أصول البنك ٥٩،٣ مليار ريال، وحجم المحفظة التمويلية ٣٩،٢ مليار ريال، كما بلغ حجم الودائع ٣٦،٠ مليار والعائد على السهم ٠،٥٢ ريال، أما معدل كفاية رأس المال “بازل ٣” فوصل إلى ١٧،٢٪.
* ما هي خطط عملكم للعام ٢٠٢١؟
الخطوط العريضة لاستراتيجية الدولي الإسلامي تقوم على مبدأ راسخ وهو الاهتمام بالسوق المحلية والتركيز على الفرص التي توفرها في مختلف القطاعات، حيث أن الاقتصاد القطري يوفر مزايا من الصعب توفرها في أي اقتصاد آخر، أما خارجيًا فنحن سنواصل التركيز على الفرص ذات المخاطر القليلة والعوائد الجيدة التي تسهم في تعزيز مركز البنك المالي وتزيد العوائد للمساهمين.

