يتحدث رئيس جمعية المصارف في لبنان الدكتور سليم صفير عن مجمل القضايا المالية والنقدية والمصرفية التي يمر بها لبنان حالياً، والتي تعتبر واحدة من أسوأ الأزمات التي يتعرض لها في تاريخه الحديث.
يعتبر الدكتور سليم صفير أن النظام المالي القائم في خطر والإصلاح هو البديل عن الإفلاس وخطة الحكومة إفلاسية وليست إنقاذية… طارحًا مجموعة من الأفكار التي من شأنها إعادة الثقة المفقودة إلى العلاقة التي تربط القطاعات والمؤسسات والمصارف بالمواطن اللبناني.
يعيد الدكتور سليم صفير أزمة السيولة التي يمر بها القطاع حاليًا إلى أساس الأزمات التي يجتازها لبنان والمتمثل بالسياسات المالية للحكومات المتعاقبة ودورها السلبي في إدارة البلاد والمؤسسات بما أفقدها ثقة المواطن والمستثمر وأصحاب الرساميل على حدٍ سواء.
وإذ يجيب الدكتور سليم صفير على كل الأسئلة التي تحمل طابعًا سياسيًا بكلمة: «لا أعرف»، يؤكد على قدرة النظام المصرفـي على التعافـي والإنطلاق مجددًا، كما على الدور الإيجابي لموظفي هذا القطاع الذين أسهموا في نجاحه ودوره الريادي في الإقتصاد الوطني.
مقابلة
العدد ٣٤٤ – تموز/يوليو ٢٠٢٠
* «خطة الحكومة للإنقاذ المالي» التي لاقت معارضة قوية من أطراف عدة، منها جمعية المصارف يبدو أنها في الطريق إلى السقوط أو ادخال تعديلات جوهرية عليها…
– ما رأيكم؟
تهدف أية خطة إقتصادية في المطلق الى تحقيق رؤية معينة واضحة المعالم والأهداف، ومن دون ذلك فإنها ستتخبط بالتأكيد في مجموعة من التناقضات التي تؤدي إلى فشلها.
خطة الحكومة للإنقاذ المالي التي وضعها مجموعة من المستشارين من دون الأخذ بآراء ومواقف التجمعات السياسية والإقتصادية والإجتماعية كافة، ينطبق عليها هذا الوصف. فهي مجرد دراسة محاسبية تهدف إلى إطفاء الدين عبر إتباع طرق وأساليب تؤدي إلى إفلاس البلد والمصارف وضياع أموال المودعين.
* أشرتم في حديث سابق إلى أن مجموعة من المستشارين العاطلين عن العمل القابعين في السرايا هم خلف هذه الخطة!
الكلام الذي اطلقته سابقًا لا أزال مقتنعًا به. وفي اعتقادي أن المستشارين الذين وضعوا هذه الخطة يفتقرون إلى رؤية إقتصادية متكاملة سليمة، لذلك وقعوا في المحظور.
* علاقاتكم مع الرؤساء ومعظم الوزراء والكتل السياسية جيدة، وتشكلون، كجمعية مصارف، أحد أهم «اللوبيات» الإقتصادية في البلاد. لماذا تركتم الأمور تصل إلى هذا الحد ولم تتدخلوا لتعديل الخطة قبل طرحها؟
علاقتي جيدة مع كل المسؤولين في البلاد وأنوي الإستمرار في تمتينها والبناء على إيجابياتها.
في موضوع الخطة، لم يستشرنا أحد، كما لم تطلعنا أية جهة على تفاصيلها قبل عرضها.
إن خطة بهذا الحجم وبمثل هذا التوجه وما يمكن أن تتركه من آثار على الإقتصاد اللبناني حاضراً ومستقبلاً… كان يجب أن توضع بعد مشاورات مع كل الأطراف المعنية بها، من إقتصادية ومالية وإجتماعية ومن مختلف القطاعات. لا أن «يستفرد» بها عدد قليل من المستشارين الذين إفتقروا إلى رؤية واضحة وغرقوا في أرقام ودراسات بعضها لا يمت إلى الواقع بصلة.
* في إجتماع مجلس الوزراء الموسع الذي دعيتم إليه، تصديتم لوزير التربية طارق المجذوب بسبب تهجمه على المصارف وتحميلها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع…
الوزير طارق المجذوب لا أعرفه شخصيًا، وقد فوجئت حين دخولي قاعة مجلس الوزراء بهجوم شنه على القطاع المصرفـي محملاً إياه مسؤولية الأوضاع الإقتصادية والمالية الصعبة التي تجتازها البلاد ومعاناة المواطنين غير القادرين على سحب ودائعهم من المصارف… فوجدت نفسي مضطرًا للرد عليه، لاسيما وأن انسحابي من الجلسة، فيما لو حصل، إعتراضًا على كلامه، كان غير لائق لوجود رئيس الوزراء والوزراء ورؤساء الأجهزة كافة.
في اعتقادنا أن الأولوية في الوقت الحاضر يجب أن تنصب على معالجة أزمة السيولة الحادة التي يشهدها لبنان وبصورة فورية من خلال إجراءات لإستعادة الثقة، مما سيحتم المحاسبة عاجلاً أم آجلاً، ومحاسبة الأصل لا الفرع فقط، إستناداً إلى أسس قانونية سليمة. فالارتكابات، ضخمة كانت أم عابرة، تقع على عاتق كل من أمر أو سمح بها وعلى كل من نفذها أو يسّرها. والغريب أن أصحاب القرار في لبنان يحاولون وضع أيديهم على ممتلكات الناس عوض المباشرة بحوار مع المودعين والمصارف المؤتمنة على هذه الودائع، للتوصل إلى حل يحافظ على حقوق المودعين، كتقديم مؤسسات عامة مربحة كضمانات للمودع والمصرف، وليس من المنطق ولا من المصلحة الوطنية إستغلال أزمة السيولة الحادة التي يمر بها لبنان، بسبب سوء الإدارة السياسية لتغيير هوية لبنان الإقتصادية ولوضع يد الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على القطاع المصرفـي، أي على أموال المودعين، إذ لا إقتصاد حر بلا قطاع خاص حر وحجر أساسه القطاع المصرفي.
* ما هي برأيكم الأسباب التي تدفع البعض، ومنهم الحكومة الحالية، لتحميل القطاع المصرفـي مسؤولية الأزمة الحالية التي يمر بها لبنان؟
في الواقع لا أعرف.
إنني متأكد أن العبث بالقطاع المصرفـي سيوجه ضربة قاضية للإقتصاد اللبناني ككل ولمستقبل العاملين فيه وسيؤدي إلى تحويله من العمود للإقتصاد إلى نقطة ضعف مزمنة للبنان المقيم والمنتشر. إن محاولة الدولة تحت أي عنوان وخصوصاً بذريعة أزمة السيولة التي تسببت بها، وضع اليد على القطاع المصرفي أو غيره بأي شكل من الأشكال ستؤدي إلى تدمير هذا القطاع على غرار نتائج تجربة الدولة في كل القطاعات التي تديرها. إن فشل الدولة في إدارة هذه القطاعات وسواها، كما ترهّل وتضخّم وعدم إنتاجية وسوء إدارة وكلفة القطاع العام، يجب أن تكون جميعها حافزاً لتضافر جهود جميع مكونات القطاع الخاص والمجتمع المدني لمواجهة مشروع تغيير هوية الإقتصاد اللبناني وتحويله من إقتصاد حر إلى إقتصاد موجه ينطوي على تأميم مقنع، فالقطاع المصرفـي ليس ملكاً للمساهمين فحسب، بل هو أولاً ملك مودعيه الذين وثقوا به وملك موظفيه البالغ عددهم ٢٨ ألفا، مما يؤمن عيشاً كريماً لعشرات الآلاف من الأسر اللبنانية في مختلف المناطق، جلّهم من الطبقة الوسطى عماد الإقتصاد الوطني، وهو أخيراً ملك الإقتصاد الوطني ككل والذي شكل رافعة للإزدهار اللبناني على مدى أكثر من نصف قرن، وسوف تعمل المصارف مع المودعين والمجتمع المدني على أن يبقى كذلك.
* يأخذ عدد من الوزراء والمسؤولين والإقتصاديين على المصارف اللبنانية طريقة تعاملها مع المودعين الذين منحوها ثقتهم الكاملة…
تصر المصارف اللبنانية على حماية كافة الودائع المصرفية، وهذا حق كرّسه الدستور لكل مودع. أما تحرير هذه الودائع من كل قيد أو شرط فمرتبط بأساس المشكلة، وهو ضمان السلطة السياسية لديون الدولة بموازاة تنفيذ وعودها في بدء عملية الإصلاح وإعادة هيكلة جذرية للقطاع العام، بداية بتطبيق القوانين المرعية وتفعيل السلطة القضائية لخلق بيئة مؤاتية تشجع القطاع الخاص على إتخاذ المبادرة والإستثمار مجدداً، شرط أن تقوم هذه الإصلاحات على أسس حضارية وشفافة، وعلى السلطة السياسية البدء بإصلاح نفسها للقيام بالإصلاحات الإقتصادية اللازمة من أجل إستعادة ثقة المودعين.
إن الحل لأزمة السيولة الحادة، كما سببها، سياسي أولاً قبل أن يكون إقتصاديًا أو مصرفيًا، إذ من غير المنطق أن تتهرب السلطة من مسؤولياتها عبر إتباع حلول آنية غير منطقية تقضي على مستقبل لبنان وإزدهاره.
لا بد أن يضع الجميع خلافاتهم جانبًا ويعملوا بإخلاص للوصول إلى أنجح الحلول وأسرعها تطبيقًا. ونحن أول المبادرين لمد اليد ومشاركة الحكومة الحالية في اجتراح الحلول التي تحفظ الدستور وهيبة لبنان ومصالح أبنائه وثقة المستثمرين في كل مكان وصولاً إلى غد أفضل للجميع، وهذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها اللبنانيون، ونحن منهم، في عين العاصفة، وإن كانت هذه أعتاها وأوقحها. وسنكون، كما المواطنين، في الصفوف الأولى للمواجهة ولدعم كل محتاج. نحن كلبنانيين لم نصل إلى هنا لأننا تقاعسنا عن العمل بل لأننا تقاعسنا جميعاً عن المحاسبة.
في اعتقادنا أن الثقة هي الكلمة السحرية القادرة على إعادة ترتيب الأوضاع، السياسية أولاً والإقتصادية ثانياً. وفي حال عودة الثقة بالدولة والحكومة والأجهزة الرسمية، فإنها ستعود تلقائياً لتشكل علامة فارقة في العلاقة بين القطاع المصرفـي والمودعين. ومن دون الثقة ستبقى الأمور معلقة حتى إشعارٍ آخر.
* من الملاحظ أن الحكومة الحالية تتهرب من الإصلاحات المطلوبة من كل الأفرقاء المؤثرين ومنهم البنك الدولي، بإتجاه رمي الكرة والتصويب نحو القطاع المصرفي. ما رأيكم؟
لا أعرف.
أعرف فقط أن القطاع المصرفي اللبناني كان يستحق أن يلعب دوراً مؤثراً وفاعلاً في إعداد الخطة المالية الحكومية، نظراً للدور الذي لعبه في خدمة الإقتصاد الوطني على إمتداد العقود الماضية. ولا أعرف أيضاً ما هي الأسباب التي دفعت الحكومة للتعاطي مع هذا القطاع بالطريقة التي تمت.
* يبدو واضحاً في الخطة الحكومية إلغاء دور القطاع المصرفي الحالي وإستبداله بخمسة مصارف جديدة برساميل مرتفعة نصفها من الأموال الطازجة.
لا أعرف.
* هل تعتقدون أن الحكومة الحالية ستصل إلى حائط مسدود في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي؟
أيضًا لا أعرف.
* متمسكون بخططكم البديلة لإنقاذ لبنان إذاً؟
بالتأكيد، ذلك أن خطتنا واقعية، تأخذ في الإعتبار كل العوامل التي من شأنها أن تلعب دوراً إيجابيًا في إعادة الثقة لهذا الإقتصاد.
تقوم خطة الجمعية على إنشاء صندوق حكومي لتخفيف الديون ومساهمة الحكومة في الأصول العامة بقيمة ٤٠ مليار دولار أميركي في الصندوق العام، مقابل ١٠٠٪ من الأسهم، مما يساعد في خفض معدل الدين العام، الأمر الذي يعزز موقع لبنان في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي، مع الإشارة في هذا المجال إلى أن أملاك الدولة تفوق قيمتها الـ٤٠ مليار دولار أميركي…
* كيف تقيمون الدور الذي قام به حاكم مصرف لبنان خلال هذه الأزمة؟
أعرف حاكم مصرف لبنان جيدًا وأعتقد أن كل القرارات التي اتخذها، سواء نجحت أو فشلت، كانت تهدف لضمان ديمومة وإستمرارية أجهزة الدولة وتحقيق الإستقرار المالي والنقدي وإزدهار القطاع المصرفـي بما ينعكس إيجاباً على كامل القطاعات الإنتاجية والخدماتية للإقتصاد اللبناني.
إننا نمر وسط ظروف إقتصادية ومالية ونقدية صعبة، ويجب علينا بالتالي التضامن والتكاتف والتعاضد لمواجهة هذه المرحلة وإعادة العافية إلى الإقتصاد الوطني، بدل التلهي بالنزاعات والصراعات الجانبية.
* هل تعتقدون أن القطاع المصرفـي اللبناني يمر حاليًا بأزمة ثقة؟
القطاع المصرفـي اللبناني صامد منذ العام ١٩٦٧، وهو لعب دورًا مؤثرًا وفاعلاً وإيجابيًا في مختلف النواحي الإقتصادية والإجتماعية لهذا البلد، كما إستطاع عبر انتشاره الخارجي تحقيق أهداف وطنية وإقتصادية عدة.
القطاع المصرفي اللبناني يمر حالياً بأزمة ناتجة عن أزمة الدولة بمؤسساتها وماليتها وطرق إدارتها، وهو قادر على النهوض فور تحقيق إصلاحات بنيوية في النظام والمؤسسات الرسمية من شأنها إعادة الثقة بها، بما ينعكس إيجابًا على القطاع المصرفـي ككل.
إذا اردنا إعادة بناء الاقتصاد، علينا تحقيق إستقرار مالي ينعكس إيجابًا على الأوضاع النقدية والمصرفية العامة.
* الثقة مفقودة الآن بين المواطن والقطاع المصرفـي. ما هي الخطوات الواجب اتخاذها لإعادة بناء هذه الثقة؟
إهتزاز ثقة المواطن بالقطاع المصرفـي هي نتيجة عملية وفعلية لإهتزاز ثقته بالإستقرار المالي والنقدي للبلاد، كما لإنعدام ثقته بقدرة المسؤولين الرسميين على إتخاذ القرارات الصحيحة والسليمة التي من شأنها إنقاذ البلاد مما تتخبط فيه من أزمات متتالية.
الإصلاحات على مختلف الصعد والمستويات، كما إتخاذ التدابير العملانية والجذرية لإستئصال الفساد والكفّ عن استباحة موارد الدولة… عوامل اساسية من شأنها إعادة الثقة بأجهزة الدولة، بما من شأنه أن يشكل الخطوة الأولى في إتجاه إعادة الثقة بالقطاع المصرفـي.
إستعادة ثقة المواطن اللبناني بالمصارف تتعلق باعتبارات عدة تتمحور حول مشوار الحياة والتعب والنجاح والحاضر والمستقبل… ومن دون أخذ كل هذه الإعتبارات في الحسبان لا يمكن إعادة بناء مثل هذه الثقة.
* أطلقتم مواقف عدة ركزتم خلالها على حماية كافة الودائع المصرفية… لكن الوقائع تخالف التطمينات؟
أكدنا مراراً ونؤكد حالياً اصرارنا على حماية كافة الودائع المصرفية، وهذا حق كرّسه الدستور لكل مودع. أما تحرير هذه الودائع من كل قيد أو شرط فمرتبط بأساس المشكلة وهو ضمان السلطة السياسية لديون الدولة بموازاة تنفيذ وعودها في بدء عملية الإصلاح وإعادة هيكلة جذرية للقطاع العام، بدايةً بتطبيق القوانين المرعية الإجراء وتفعيل السلطة القضائية لخلق بيئة مؤاتية تشجع القطاع الخاص على إتخاذ المبادرات والإستثمار مجدداً، شرط أن تكون هذه الإصلاحات على أسس حضارية وشفافة لا يرتهن مستقبلها لعشوائيات السياسة وبدائيتها، وعلى السلطة السياسية البدء بإصلاح نفسها أولاً قبل غيرها، بما يخولها التطبيق العملي للإصلاحات الإقتصادية من أجل إستعادة بعض من ثقة المودعين والمستثمرين. إيداعات الناس رغم تقطيرها المؤقت يبقى وجودها حيث اودعتها أضمن لها من أن تقع في أيدي قطاع عام أقل ما يقال فيه أنه شديد البدائية وفساده متجزر لا قعر له.
الحل لأزمة السيولة الحادة التي يجتازها لبنان، هو أولاً وأخيرًا سياسي بإمتياز، تماماً كما كان السبب.
* في موضوع زيادة رساميل المصارف، هل تعتقدون أن المصارف اللبنانية كافة ستقدم على هذه الخطوة؟
لقد مدد حاكم مصرف لبنان المهلة حتى نهاية العام الجاري، مع الإشارة في هذا المجال إلى أن إلتزام أو عدم إلتزام المصارف بها، وكذلك فعاليتها… مرتبط بالإستقرار السياسي الذي من دونه لن يقدم أصحاب الرساميل على إستثمار أموالهم مجدداً.
* هل تؤيدون الكابيتال كونترول؟
الكابيتال كونترول وسيلة مرحلية فرضتها الحكومة للحفاظ على ثروات البلاد داخلها، وكان من الضروري جداً وضعه موضع التنفيذ منذ بداية الأزمة، لنتمكن من تجاوزها بأقل الخسائر الممكنة، علمًا أنه كان مطروحًا منذ أزمة بنك إنترا الشهيرة.
* ما هي كلمتكم لموظفي القطاع المصرفـي الذين يخشون حصول عمليات صرف واسعة النطاق؟
انهم ثروة المصارف وهم العمود الفقري لعمله وإستمراره وديمومته ومن دونهم لن يتمكن هذا القطاع من الإستمرار.

