إن ما نمر به حاليًا في لبنان هو من أخطر ما مررنا به من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية والمالية، إن لم نقل الوجودية. وهذا يتطلب تكاتف الجهود لإعادة الثقة إلى بلد كان ولا يزال محط أنظار الكثيرين في العالم وبلد المغامرة والنجاح والحياة. فتاريخه كالأسطورة تنغرس جذورها عميقًا في جباله كما الجمال في ربوعه. أما الثقافة والإنفتاح فتنعكس في كل أوجه تصرفاتنا. إنه لبنان الذي ورثناه والذي ندعوه وطنًا ولكننا لا نعطيه بقدر ما أعطانا ولا نأبه بالمحافظة عليه.
إن التفاوض الجاري مع صندوق النقد يجب أن يبدأ من خلال خطة موحدة تعكس اتفاق الأفرقاء اللبنانيين، الأمر الذي لم يحصل وأدى إلى الإرباك. ولكنني أعتقد أنه لواجب على الجميع توحيد الأرقام ودعم ما قدمته لجنة المال والموازنة مؤخرًا.
إن مقاربة الحكومة كانت مقاربة محاسَبية تعتبر أن الدولة مُفلسة لا أمل فيها، حيث عملت على تصفير كل الديون، والذي يُعتبر أسوأ بكثير من حل المشاكل التي يواجهها البلد وتقضي على أي أمل في إعادة الثقة. أما مقاربة لجنة المال والموازنة فأكثر دقة وواقعية خاصة وأن لبنان لا يزال يتمتع بملاءة جيدة ولديه، إذا ما صفت النيات، القدرات للنهوض والعودة إلى لعب دوره ضمن المنظومة العالمية.
تكمن مشكلتنا في وجودنا على صفيح إحتقان جيو – سياسي، يضاف إليه إساءة إدارة وعدم وحدة الرؤية لمستقبل لبنان، إن لم نقل إنتفاؤها. أما المسؤولون فيعيشون حالة إنكار وكأنهم لا يأبهون للوضع المأساوي الذي نعيشه حاليًا وينتظرنا في المستقبل القريب. كما تنقصهم الخبرة في إدارة الأزمات ويختلفون بالعمق على التوجه الوطني.
إن الغوص في الأرقام يأخذنا إلى نقطة لا تجدي لأن المشكلة لا تكمن في «الرقم» بل في البدء بالإصلاحات فورًا لأنها الأساس في عملية الإنقاذ والإبتعاد عن الكيديات السياسية في سبيل الوصول إلى إنفراجات وإعادة الروح إلى الحركة الاقتصادية والثقة. فلماذا لم تبدأ الحكومة طوال هذه المدة (أربعة أشهر)، العمل لوضع رؤية جامعة واطلاق ورشة الإصلاح والإبتعاد عن المحاصصة والزبائنية؟ ولماذا لم توزع المسؤوليات على من أهدر المال العام وأساء استعمال السلطة، بما فيها الإستدانة المفرطة وعدم معالجة العجز في الحساب الجاري والموازنات؟ ومن دون الدخول في تفاصيل الخطة ونتيجتها ودهاليزها، كيف نستطيع التوجه إلى الصندوق طالبين دعمًا ماليًا بينما نحن مختلفون ونعمل بجدٍّ لفقدان ما تبقى من الثقة في الاقتصاد وتوجهنا الليبرالي؟
لا بدّ من لفت النظر إلى أن الحكومة كانت قد ذكرت أنها تعمل للوصول إلى بلد منتج لا ريعي، وهذا شأن جيد خاصة إيقاف الاقتصاد الريعي. أما العمل للوصول إلى اقتصاد منتج فهو يتعارض مع ما أشارت إليه الحكومة لجهة التوجه لمصادرة مدخرات المودعين وأتعابهم بما يعرّض أهم عناصر إنتاجنا، أي قطاع المال وصناعة الخدمات للخطر. لبنان بلد منتج لديه خدمات وصناعات مالية متقدمة ذات قيمة مضافة، كانت وستبقى خشبة الخلاص ألا وهي مصارفنا، إضافة إلى الخدمات والصناعات الطبية والعلمية والسياحية والثقافية إلخ… التي أعطتنا القدرة التنافسية وأدت إلى تدفق العملات الصعبة التي نحتاج إليها لاستمرارنا. وهذا لا ينفي العمل على تحسين وزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي والحرفـي المحلي، إذ يجب العمل بجدية على هذه القطاعات التي تحتاج إلى الوقت لبناء التنافسية وفتح الأسواق فتكون مكملة وليس النقيض لما نقدم.
أما بخصوص المصارف، فلست ضد إنشاء مصارف جديدة، ولكنني أخالف الرأي في أن لدى لبنان فائضًا في عدد المصارف. إن مصارفنا كانت ولا تزال من أهم عناصر الإنتاج تتمتع بكل الخبرات لإعادة الدورة الاقتصادية، وما نحتاج إليه هو الرؤية الثاقبة للاقتصاد والاتفاق على مستقبل لبنان. فهناك مصارف حاليًا تتمتع برأس مال كبير، فلماذا لا نعمل، قبل البدء بالبحث عن غيرها، على نهوضها وتحسين ادائها وتطبيق الحوكمة فيها. مصارفنا كانت متقدمة في دعم الاقتصاد والقطاع كان فاعلًا في تغذية خزينة الدولة ومشهود له بذلك وكان رائدًا ضمن المنظومة الدولية. فلماذا نعمل على إنهاء دوره مما يؤدي إلى فقدان وظائف الكثير من العاملين ويؤثر سلبًا على عائلاتهم وعلى الناتج المحلي الإجمالي ويؤدي إلى خسارة ما بنيناه من ثقة وسمعة على مدى الأجيال؟ إن كل ما نحتاج إليه هو إعادة توجيه وتشذيب القطاع من شوائبه، فتكون مقاربتنا سليمة وسريعة وبناءة تؤدي إلى إعادة الدورة الاقتصادية واستقطاب العملات الصعبة والمحافظة على فرص العمل، إن لم نخلق فرصًا جديدة. أما اللازمة الوحيدة فهي التعاون والجدية والشجاعة في مقاربة الإصلاح والعمل على رؤية موحدة للبنان من ضمن منظومة العالم الذي نعمل فيه.
كلنا مسؤولون وكلنا مخطئ، فلنتوقف عن سياسة الكيدية ولنعمل سويًا على بناء الاقتصاد اللبناني. وكما أشرنا أولاً فإن الخطوات الأولى تكون في التوقف عن هدم الثقة التي لا تزال تنبض بالحياة، نظرًا لوجود أصدقاء كثر لن يتورعوا عن مساعدتنا إذا كنا أهلاً لذلك. وعلينا الإعتماد على قدراتنا ومؤهلاتنا خاصة في ظل التغييرات في الاقتصاد العالمي بعد جائحة فيروس كورونا. على الحكومة العمل بسرعة وجدية لإيجاد فرص عمل لشبابنا الذي تضرر وسيتضرر من الركود الاقتصادي.
إنني من المؤمنين بأنه إذا لم نستطع حل مشاكلنا التي تتأثر بمحيطنا، فإننا قادرون على معالجة قطاع الكهرباء الذي تحدث ويتحدث عنه كل مسؤول في لبنان، بدون نتيجة لتاريخه، كما يجب العمل وبسرعة على إنشاء شبكة أمان إجتماعي للحؤول دون انفجار هذه القنبلة الموقوتة بفعل حالات الفقر والعوز والمعالجة. لقد استطعنا أن نتعاطى بنجاح في معالجة جائحة كورونا وحدثنا مستشفياتنا في جميع مناطق لبنان، فكان مثالًا على قدراتنا حين نتصرف بجدية. والآن إننا قادمون على عام دراسي جديد، ونظرًا للأحوال الاجتماعية المتعثرة وغلاء المعيشة، أؤكد أن المدرسة الرسمية ستكون الملاذ الأول لعدد كبير من اللبنانيين. فإذا أردنا أن نؤمّن العلم الذي ينشده كل لبناني فعلينا إعطاء المدارس العامة وبسرعة الإهتمام الكافـي، فنكون قد أزحنا عبئًا ثقيلًا عن كاهل المواطنين الذين قد لا يستطيعون تأمين لقمة العيش، فكيف أقساط المدارس؟ وهذا يحتاج إلى فريق عمل يعطي اهتمامًا خاصًا لوضع إدارة كفوءة في المدارس العامة، مما يحافظ على المستوى العلمي لطلابنا والتي هي الأساس في نجاحاتنا على مدى الأعوام. وبهذا نكون قد ساعدنا العائلات ووفرنا العلم الذي هو هدف كل لبناني، وقدمنا أهم عنصر يحتاجه مجتمعنا في شبكة الأمان الاجتماعي.
أما بخصوص مستقبل لبنان، فلدينا الإمكانية والقدرات اللازمة لإعادة بناء ما خسرناه سريعًا إذا تضافرت جهود جميع ابنائه من مسؤولين ومواطنين. فلنركز على نقاط قوانا، لا تحطيمها، والعمل على تحسين مراكز الضعف وإعادة الثقة. إن لبنان وطن ذو قدرات مميزة وثروات كثيرة لا تتمتع بها بلدان أخرى، فلدينا العنصر البشري والطبيعة الخلابة وكل ما نحتاج إليه تطبيق الحوكمة والعمل بجدية ومسؤولية. وهكذا نربح مستقبلنا ومستقبل أجيالنا. فكما الفصول الأربعة في لبنان متوازنة ومنسَّقة تتكامل وتتناغم كل عام على مدى الدهور هكذا يجب ان تعمل أحزابنا وطوائفنا ومجتمعنا رغم اختلافها بفهم وسلاسة لتكمل بعضها بعضًا لما فيه مصلحة الوطن.
أما على صعيد بنك بيمو، فإننا لا نزال نؤمن بالمستقبل وعلى الجميع التحلي بالشجاعة وعدم الإستسلام لواقع نستطيع أن نتخطاه. فمصرفنا يعمل بجد وبقدر المستطاع على إعادة الدورة الاقتصادية والمساعدة في استعادة الثقة والتعافـي من جديد، حيث استمرينا في تقديم الخدمات المصرفية الممكنة كعمليات التسليف لعملائنا لتأمين إستمرارية أعمالهم وأعمال موظفيهم، والقروض التعليمية التي تسدد على آجال طويلة. كما ونقوم بتقديم التدريب الإفتراضي (عن بعد) لتلامذة الجامعات. بالإضافة إلى ذلك، وفي ظل الأزمات والإجتماعية والاقتصادية التي نواجهها، أعاد بنك بيمو إحياء «مبادرة الوساطة» التي من شأنها حل النزاعات أو أي تضارب محتمل مع العملاء أو موردي المصارف بعيدًا عن اللجوء إلى القضاء. إن هدف بنك بيمو الوفاء بإلتزاماته وتعزيز دوره كمصرف مسؤول اجتماعيًا، علّنا نعيد الثقة.

