إذا كانت الحكومة عاجزة حتى اليوم عن وضع خطة واضحة تقود بها سفينة الإنقاذ الاقتصادي والمالي، فإن مجتمع المال والاعمال اللبناني الاغترابي أخذ هذه المهمة عنها عبر تصويب بوصلة الإصلاح نحو مكامن الهدر والفساد.
وتأتي الورقة العلاجية التي أنجزتها الجمعية الدولية للمديرين الماليين اللبنانيين (LIFE) على وقع احتجاجات الشارع اللبناني، والتي حذرت في مقدمها من «الانهيار الاقتصادي الذي يتجه إليه لبنان، ومن أن غياب المعالجات الشاملة والفورية قد يتسبب بتداعيات خطيرة على المواطنين اللبنانيين من مختلف مشارب الحياة، من خلال الارتفاع الشديد في مستويات البطالة، وخروج التضخم عن السيطرة، واستفحال الاضطرابات الاجتماعية، واندلاع فتنة أهلية، وحدوث تدهور كبير في الخدمات الصحية العامة وغيرها من الموارد الأساسية».
وخلصت الورقة الى «ضرورة اتخاذ سلسلة مدروسة ومنظمة من الإجراءات الفورية والجذرية في خمسة مجالات أساسية، أولها إيجاد هامش تصرف في المجال المالي، إذ أكدت أهمية اتخاذ تدابير لمعالجة الشوائب والمشكلات في العناصر الثلاثة الأساسية التي تقوم عليها المالية العامة، وهي: رواتب القطاع العام والتحويلات الحكومية، والدعم الحكومي المستمر لمؤسسة كهرباء لبنان، وكلفة خدمة الدين السيادي المتضخم.
فعلى مستوى النفقات، يجب أن يتوقف الدعم الحكومي لمؤسسة كهرباء لبنان. وهذه الخطوة، حتى لو بدت غير مستحبّة سياسيًا، من شأنها المساهمة في خفض النفقات الحكومية إلى حد كبير، والحد من تدفقات العملات الأجنبية إلى الخارج، والأهم من ذلك، فرض التطبيق الفوري لخطة إصلاحية في قطاع الكهرباء. ويجب أيضًا ترشيد القطاع العام من خلال إحصاء أعداد الموظفين ومعالجة مشكلة الموظفين غير المنتجين وأولئك الذين لا يأتون إلى العمل، وإعادة تقييم الأعداد المضخّمة للمؤسسات الحكومية، وتجميد بعض الخدمات المكلفة، واعتماد الخدمات الحكومية الرقمية على نطاق واسع.
أما على صعيد الإيرادات، فرأت الورقة أنه «يجب التركيز أولاً على تحسين إدارة الضرائب وجبايتها منعًا للتهرب الضريبي»، مؤكدةً أن «لا جدوى من زيادة الضرائب، في حين أن الضرائب المعمول بها لا يتم تحصيلها كما يجب. وفي هذا الإطار، يجب العمل على تعزيز استخدام الخدمات الإلكترونية من خلال أتمتة عمليات التخليص الجمركي وتطبيق خدمات الحكومة الإلكترونية عند الاقتضاء». وينبغي العمل كذلك على تفعيل جباية الضرائب في القطاع العقاري.
ودعت الى «العمل فورًا على إطلاق برنامج شامل للخصخصة، عبر النظر في خصخصة مؤسسات الدولة الكبرى مثل مطار رفيق الحريري الدولي، ومرفأ بيروت، واللوتو اللبناني، وشركة طيران الشرق الأوسط، وكازينو لبنان، وشركتَي الخليوي ومؤسسة كهرباء لبنان».
ثاني هذه الاجراءات هو إعادة إرساء الشفافية وتعزيز سيادة القانون. واعتبرت الورقة أن «فرض سيادة القانون يؤدي دورًا أساسيًا في نهضة لبنان الاقتصادية ويعتبَر شرطاً مسبقًا لاستعادة ثقة المستثمرين».
والإجراء الثالث الذي يجب اعتماده وفق الورقة هو مراجعة خدمة الدين العام وتطبيق خطة لإدارة الدين. فتكاليف خدمة الدين العام في لبنان تعتبر من الأعلى في العالم، إلا أنه «من شأن الخفض المصطنع والتبسيطي لأسعار الفائدة على الديون الحكومية أن يلحق الأذى بالسوق التي تتحمل في الأصل التبعات الشديدة للسياسات النقدية غير التقليدية التي انتهجها مصرف لبنان. وفي هذا الصدد، يجب أن تؤدّي المصارف دوراً أساسياً في خطة مراجعة إدارة الديون. ويمكن أن يشمل ذلك إنفاق بعض المساعدات المالية، في مرحلة أولى، من أجل تخفيف الضغوط على الموازنة الحكومية في المدى القصير، بما في ذلك إمكان تطبيق «خطة برادي» (Brady) على المستوى المحلي».
وعلى الجبهة النقدية، وبعد اعتماد الخطوات الآيلة إلى ضبط أوضاع المالية العامة، «يتعين على مصرف لبنان التخلي عن سياسة التدخل الواسعة التي ينتهجها لحماية الاستقرار المالي الكلي. وفي هذا الإطار، فإن اشتمال الإجراءات الجديدة على تحويل مالي إضافـي من مصرف لبنان هو مدعاة للقلق».
تحسين التواصل وتعزيز التنسيق الحكومي، هو رابع الاجراءات التي يجب أن تنفذها الحكومة، «فعند تراجع الثقة، ينبغي لصنّاع السياسات أن يتواصلوا بوتيرة ووضوح أكبر بغية بث الثقة لدى أصحاب الشأن وطمأنتهم إلى أنه يجري العمل على اتخاذ خطوات للمعالجة.
وختمت الورقة بالاشارة الى أن النموذج الاقتصادي الحالي يقوم على الطابع الاستهلاكي للاقتصاد، وتدنّي المدخرات المحلية، والاعتماد المستمر على الموارد الخارجية لتعويض العجز التجاري الكبير. واقترحت الورقة أن تترافق الخطة الهادفة إلى ضبط أوضاع المالية العامة مع رؤية اقتصادية جديدة تعمل على معالجة العجز في الحساب الجاري.


