أصدر البنك الدولي تقريراً حول الآفاق الإقتصاديّة للبنان تحت عنوان «حان الوقت لإعادة هيكلة القطاع المصرفـي على نحو منصف» والذي يكشف من خلاله عن أحدث السياسات وأهمّ التطوّرات الإقتصاديّة خلال فترة الستّة أشهر الماضية. وقد علق التقرير أولاً بأنّ لبنان كان واحداً من ثلاث دول فقط (إلى جانب زامبيا وبالاو) تم تخفيض تصنيفها إلى فئة أدنى من الدخل، مع إعادة تصنيف لبنان إلى فئة البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى (بعدما كان من البلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع على مدى ٢٥ عاماً). وأضاف التقرير بأن لبنان قد وقّع في نيسان/ أبريل ٢٠٢٢ إتّفاقاً مع صندوق النقد الدولي بشأن إتفاقيّة تمويل مشروطة قيمتها ٣ مليار د.أ. سيتم توزيعها على فترة ٤٦ شهر في حال قام لبنان بإجراءات إصلاحيّة محوريّة. كما أشار التقرير إلى أن الإنتخابات البرلمانيّة الأخيرة في شهر أيّار/مايو أدّت إلى نتائج غير حاسمة وهو ما أدّى إلى دخول البلاد في فراغ رئاسي وحكومي، بينما أضاف من ناحية أخرى بأنّ إتّفاقيّة ترسيم الحدود البحرية التي أبرمها لبنان مع إسرائيل في شهر تشرين الأول/اكتوبر يمكن أن تحقق استقراراً نسبياً يمهّد الطريق للتنقيب عن الغاز. ومع ذلك، فقد حذّر التقرير من أن أي إحتياطيات تجاريّة من الغاز ستستغرق سنوات عدّة لتتحوّل إلى إيرادات، وهو ما يقوّض أيّة آمال في إطفاء خسائر القطاع المالي من الإيرادات المذكورة. في هذا السياق، أشار التقرير إلى أنّ جمعيّة المصارف في لبنان إلى جانب الهيئات الإقتصاديّة وأطراف أخرى يقترحون إستخدام مصادر مختلفة لإطفاء الخسائر كالمؤسّسات المملوكة من الدولة وإحتياطيات الذهب والعقارات المملوكة من القطاع العام والإيرادات الحكوميّة المستقبليّة، على عكس الطروحات التي تدعو إلى توزيع الخسائر بشكل تراتبي والتي من شأنها أن تمحو حقوق ملكيّة المصارف. كما أشار التقرير إلى مصادقة مجلس النواب اللبناني مؤخّراً على موازنة العام ٢٠٢٢ والتي تقدّر النفقات بـ٤١ تريليون ليرة والإيرادات بـ٣٠ تريليون ليرة أي بعجز متوقّع بـ١١ تريليون ليرة، مشيراً أيضاً إلى أنّ الإيرادات الضريبيّة ستحتسب على أساس سعر صرف قدره ١٥٠٠٠ ليرة لبنانية لكل دولار أميركي. أمّا فيما يتعلق بالتطورات الاقتصاديّة والماليّة الأخيرة، فقد كشف البنك الدولي أنّه قد راجع بشكل إيجابي تقديراته لإنكماش الناتج المحلي الإجمالي للعام ٢٠٢١ من ١٠،٤٪ سابقاً إلى ٧٪، نتيجة تحسّن حال بعض القطاعات مثل السياحة (زيادة بنسبة ١٣٢٪ على أساس سنوي) والقطاع العقاري (زيادة بنسبة ٧٤،٣٪ في رخص البناء على أساس سنوي). على صعيد الماليّة العامّة، تحسنت الماليّة العامّة في العام ٢٠٢١ بحيث تجاوز الإنخفاض في النفقات الحكوميّة (١٠،٥ نقاط مئوية) الإنكماش في الإيرادات (إنخفاض بنسبة ٦،٥ نقاط مئوية إلى ٦،٦ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وهو أحد أدنى المعدّلات عالميّاً)، مما أدّى إلى فائض غير مسبوق بنسبة ٠،٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وأضاف التقرير بأن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قد تراجعت من ١٧٩،٢٪ في العام ٢٠٢٠ إلى ١٧٢،٥٪ في العام ٢٠٢١ حيث أدى تدهور قيمة العملة المحليّة إلى تآكل قيمة الدين بالعملة المحليّة عند إحتسابها بالدولار الأميركي. كما أشار التقرير إلى زيادة العجز في الحساب الجاري بنسبة ٣٤ ٪ في العام ٢٠٢١، حيث طغت واردات قطاع الطاقة على إنتعاش القطاع السياحي، والذي عند اقترانه بالإنخفاض الحاد في تدفقات رأس المال، قد أدّى إلى تراجع إحتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى ١٤،٨ مليار د.أ.، مع الأخذ بعين الإعتبار بأنّ هذا الرقم المذكور يتضمّن سندات اليوروبوند السياديّة والتي هي حاليًا في حالة تعثّر. كما علّق البنك الدولي بأن الحرب في أوكرانيا قد زادت الطين بلّة للإقتصاد اللبناني، بحيث ارتفعت أسعار القمح بنحو ٤٠٪ ما إضطرّ لبنان على البحث عن مصادر بديلة للقمح (شكّلت روسيا وأوكرانيا نسبة ٩٦٪ من واردات القمح للبنان سابقًا) وزاد سعر برميل النفط من متوسط ٧٠ دولارًا في العام ٢٠٢١ إلى متوسط متوقع قدره ١٠٠ دولار في العام ٢٠٢٢، وأشار البنك الدولي إلى أنّ سعر صرف الليرة اللبنانية قد تراجع بنسبة ١٤٥٪ في الأشهر العشرة الأولى من العام ٢٠٢٢، مع العلم بأنّه فقد ٢١٩٪ و١٣٧٪ من قيمته في العامين ٢٠٢١ و٢٠٢٠ بالتتالي. وقد أدى إنخفاض قيمة العملة المحليّة إلى جانب عوامل خارجيّة مثل الحرب الروسيّة على أوكرانيا إلى دفع نسبة التضخّم إلى تجاوز مستوى الـ٣٩٠٪ على أساس سنويّ في شهر حزيران/يونيو ٢٠٢٢، مما وجّه ضربة قويّة للفقراء وأولئك الذين يعيشون على دخل ثابت مثل المتقاعدين. وأشار التقرير إلى أنه مع نهاية شهر آب/أغسطس ٢٠٢٢، تركّزت ٧٢٪ من أصول القطاع المصرفـي في الأوراق المالية السياديّة (٦٤٪ لدى مصرف لبنان و٨٪ في الأوراق الماليّة الحكومية). على صعيد المطلوبات، أشار البنك الدولي إلى أنّ ودائع العملاء في البنوك التجاريّة تراجعت بمقدار ٥،٧ مليار د.أ. في الأشهر السبعة الأولى من العام ٢٠٢٢، علاوة على انخفاض قدره ٩،٦ مليار د.أ. في العام ٢٠٢١ وتراجع قدره ١٩،٨ مليار د.أ. في العام ٢٠٢٠. وبالرغم من ذلك، فإن ودائع العملاء لا تزال تمثّل ٨٠٪ من التزامات المصارف (مقارنةً مع نسبة ٩٠٪ في بداية الأزمة)، مع تركّز الودائع المذكورة بشكل كبير بحيث إنحصرت نسبة ٥٠٪ من الودائع بـ١٪ من المودعين قبل بدء الأزمة مع توقّع البنك الدولي بأن ترتفع نسبة التركّز مع إضطرار المودعين الصغار والمتوسطين إلى سحب ودائعهم على أسعار صرف الليرة التي حددها مصرف لبنان لمواجهة نسب التضخّم المرتفعة. وأضاف التقرير بأن الإقراض من قبل مصرف لبنان قد سمح للبنوك بتسوية إلتزاماتها مع البنوك المراسلة، بحيث انخفضت الودائع والمطلوبات للمؤسسات المالية غير المقيمة من ٦،٨ مليار دولار و٨،٨ مليار دولار في كانون الأوّل/ديسمبر ٢٠١٩، إلى ٤،٦ مليار دولار و٤،٩ مليار دولار في كانون الأوّل/ديسمبر ٢٠٢١ و٤ مليارات دولار و٤،٤ مليار دولار في نهاية شهر آب/أغسطس ٢٠٢٢.
وقد أفاد البنك الدولي أيضاً بأنّ تسعة بنوك لبنانيّة قد خرجت بالفعل أو هي بصدد الخروج من السوق القبرصي، بينما أشار أيضاً إلى أن البنوك اللبنانيّة تشارف على نهاية عمليّاتها في العراق. أمّا فيما يتعلق بالتوقعات المستقبليّة للبنان، فقد توقّع البنك الدولي بأن ينكمش الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي بنسبة ٥،٤٪ في العام ٢٠٢٢، بحيث تمّ الإفتراض بأن سياسات الإستجابة ستكون غير كافية وبأنّ الإستقرار على الساحة السياسيّة والأمنيّة لا يزال عند الحد الأدنى. كما توقّع التقرير بأن يبلغ متوسّط التضخّم ١٨٦٪ في العام ٢٠٢٢ (من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم) على خلفيّة إنخفاض سعر الصرف والذي فاق تأثيره الإنكماش في الكتلة النقديّة في الأشهر الثمانية الأولى من عام ٢٠٢٢. كما يتوقّع البنك الدولي بأن يتوسّع عجز الحساب الجاري إلى ١٤،٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠٢٢ (مع الأخذ في الاعتبار بأن الواردات قد زادت بنسبة ٣٤٪ خلال الأشهر السبعة الأولى من العام ٢٠٢٢ مقارنة مع زيادة بنسبة ١٢٪ في الصادرات)، مما يشكل ضغطًا إضافياً على إحتياطات مصرف لبنان بالعملة الأجنبيّة.




