اطل عامٌ جديد ومعه كل التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية على مستوى العالم، بما يجعله اكثر الاعوام صعوبة وتأثيراً.
الحرب الروسية – الاوكرانية تختصر صراعاً عالمياً، لا بل حرباً عالمية ثالثة، بين الولايات المتحدة والغرب من جهة، ممثلة باوكرانيا، وروسيا وحلفائها من جهة اخرى، بما يؤدي الى كوارث بشرية وخسائر مادية وارتدادات اقتصادية عدة.
على المستوى الاقتصادي، فان معدلات النمو العالمي تتباطأ بشدة في مواجهة ارتفاع معدلات التضخم واسعار الفائدة وانخفاض الاستثمارات والاضطرابات السياسية العامة.
تقرير البنك الدولي عن الآفاق الاقتصادية العالمية اشار الى انه وبالنظر إلى الاوضاع الاقتصادية الهشة، فان أيّ تطور سلبي جديد، مثل التضخم الاعلى من المتوقع أو الارتفاع المفاجئ في اسعار الفائدة لاحتواء مثل هذا التضخم، أو عودة تفشي فیروس كورونا، او تصاعد التوترات الجيوسياسية، يمكن ان يدفع الاقتصاد العالمي الى الركود. وستكون هذه هي المرة الاولى منذ اكثر من ٨٠ عاماً التي يشهد فيها عقد واحد اثنتين من نوبات الركود العالمي.
التقارير الاقتصادية العالمية تتوقع نمواً في الاقتصاد العالمي بمعدل ١،٧ في المئة العام الجاري و٢،٧ في المئة العام المقبل، ومن المتوقع ان يكون التراجع الحاد في النمو واسع النطاق، مع تعديل التوقعات لتنخفض إلى نحو ٩٥٪ من الاقتصادات المتقدمة ونحو ٧٠٪ من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.
وعلى مدى العامين القادمين، من المتوقع أن يبلغ متوسط نمو نصيب الفرد من الدخل في اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ٢،٨٪، وهو يقل بنقطة مئوية كاملة عن المتوسط المسجل للسنوات ٢٠١٠– ٢٠١٩. وفي منطقة أفريقيا جنوب الصحراء – التي تضم نحو ٦٠٪ من الفقراء المدقعين في العالم – من المتوقع أن يبلغ متوسط نمو نصيب الفرد من الدخل ١،٢٪ في السنتين ٢٠٢٣– ٢٠٢٤، وهو معدل قد يتسبب في ارتفاع معدلات الفقر وليس في انخفاضها.
ومن المتوقع أن يتباطأ معدل النمو في الاقتصادات المتقدمة من ٢،٥٪ في عام ٢٠٢٢ إلى ٠،٥٪ في عام ٢٠٢٣. وعلى مدى العقدين الماضيين، حملت نوبات التباطؤ الاقتصادي بهذا الحجم نُذر ركود عالمي. ففي الولايات المتحدة، من المتوقع أن ينخفض معدل النمو إلى ٠،٥٪ في عام ٢٠٢٣ – أي أقل بمقدار ١،٩ نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، الأمر الذي يمثل أضعف أداء خارج حالات الركود الرسمي منذ عام ١٩٧٠. وفي عام ٢٠٢٣، من المتوقع أن يبلغ معدل النمو بمنطقة اليورو ٠٪ – انخفاضاً من ١،٩٪ بعد تعديل التوقعات. وفي الصين، من المتوقع أن يبلغ معدل النمو ٤،٣٪ في عام ٢٠٢٣ – أي أقل من التوقعات السابقة بمقدار ٠،٩ نقطة مئوية.
وباستثناء الصين، من المتوقع أن يتراجع معدل النمو في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية من ٣،٨٪ في عام ٢٠٢٢ إلى ٢،٧٪ في عام ٢٠٢٣، مما يعكس ضعف الطلب الخارجي بدرجة كبيرة بسبب ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة وتشديد شروط التمويل، ناهيك عن الأوضاع المعاكسة على الصعيد المحلي.
وبنهاية عام ٢٠٢٤، ستنخفض مستويات إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات الصاعدة والنامية بنحو ٦٪ عن المستويات المتوقعة قبل تفشي جائحة كورونا. وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن يستقر معدل التضخم العالمي عند مستوى متوسط، فإنه سيظل أعلى من مستويات ما قبل الجائحة.
أما الدول الصغيرة الحجم، والتي يبلغ عدد سكانها اقل من ١،٥ مليون نسمة، ويبلغ عددها ۳۷ دولة، فانها ستعاني مزيداً من الركود ومعدلات انتعاش اضعف بكثير من الاقتصادات الاخرى، وذلك بسبب ارتباك حركة السياحة لفترات طويلة وتراجع عائداتها والاضطراب العام الذي يصيبها بشدة.
تتفاقم الازمة التي تواجه التنمية مع تدهور آفاق النمو العالمي، وتواجه اقتصادات الاسواق الصاعدة والبلدان النامية تباطؤ معدلات النمو على مدى العديد من السنوات بسبب اعباء الديون الثقيلة وضعف الاستثمار، حيث يتم الاستحواذ على رأس المال العالمي من جانب الاقتصادات المتقدمة التي تواجه مستويات مرتفعة للغاية من الدين الحكومي وارتفاع اسعار الفائدة. ومن شأن ضعف النمو والاستثمار في انشطة الاعمال ان يفاقم الانتكاسات الخطيرة التي لحقت بمجالات التعليم والصحة والحد من الفقر والبنية التحتية، فضلاً عن زيادة الطلبات المرتبطة بتغير المناخ.
لا بد من التأكيد أخيراً الى ان تراجع الاستثمار يعدّ مصدر قلق بالغ لأنه يرتبط بضعف الإنتاجية والتجارة، كما أنه يضعف الآفاق الاقتصادية بوجه عام. وبدون نمو قوي ومستدام لمعدلات الاستثمار، من المستحيل ببساطة إحراز تقدم ملموس في تحقيق أهدافٍ أوسع نطاقاً فيما يتعلق بالتنمية والمناخ. ويجب أن تكون السياسات الوطنية الرامية إلى تعزيز نمو الاستثمار مصممة بما يتلاءم مع ظروف البلدان المعنية، ومن الضروري أن تبدأ دائماً بوضع أطر سليمة لسياسات المالية العامة والسياسات النقدية وإجراء إصلاحات شاملة في مناخ الاستثمار.
٢٠٢٣… عام التحديات الاقتصادية بامتياز.

