“التباين”، اي اتساع فجوة الفوارق الاقتصادية والسياسات المالية والاجتماعية، داخل الدول المتقدمة وبينها وبين الدول النامية، عنوان اساسي و”فاقع” للمرحلة الحالية.
في الولايات المتحدة الأميركية، التي لا زالت تحتلّ موقع الصدارة في الاقتصاد العالمي، توسّع اجمالي الناتج المحلي بنسبة تراكمية بلغت ١٧،١ في المئة، منذ بداية العام ٢٠٠٨، مقارنة بـ ١١،٦ في المئة في أوروبا و٦،٧ في المئة في اليابان، وذلك ناجم، بشكل رئيسي، من الأزمات التي تعرضت لها القارة الأوروبية، لاسيما أزمة الديون التي أدت الى تراجع النشاط الاقتصادي من جهة، والانتعاش القوي في الولايات المتحدة بعد تجاوب استثمارات الشركات وانفاق المستهلكين مع التخفيضات الضريبية وتخفيف القيود التنظيمية في خطة الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية، وهو توسّع يتوقع الخبراء له ان يستمر لمدة ثلاث سنوات كحد ادنى. من جهة أخرى التطورات الاقتصادية الايجابية، دفعت بالاحتياطي الفدرالي لمواصلة رفع معدلات أسعار الفائدة، بعدما اوقف برنامج شراء الأصول على نطاق واسع، وطرح برنامج الخفض التدريجي لميزانه الختامي الذي بلغ ٤ تريليون دولار، وأعلن نيته رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وبما ان الاقتصادات في أوروبا واليابان أقل ازدهاراً، فإن عملية تطبيع السياسة النقدية كانت ابطأ بكثير. هكذا تستمر أسعار الفائدة على حالها مع التلميح برفعها مستقبلاً، في وقت يلمّح فيه البنك المركزي الأوروبي الى تخفيض مشترياته الشهرية من السندات وامكان انهاء هذا البرنامج في وقت قريب. في حين ان بنك اليابان لا زال حذراً في تحركاته العملية.
رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، الى جانب المخاوف بشأن العدوى وانتشار حرب تجارية محتملة، ساهم في تراجع كبير في العملات والأسهم في الأسواق الناشئة، الى حد مقاربتها الأزمة الفعلية في عدد من الدول. ومن المرجّح ان يؤدي ارتفاع معدلات النمو وأسعار الفائدة في الولايات المتحدة حالياً والاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب، الى تغدية تدفقات رأس المال والاستثمارات الأجنبية واسترداد قسم من أموال الشركات الأميركية من الخارج، بما يعزّز من المسار التصاعدي للدولار. وقد يؤدي ذلك ايضاً الى تفاقم النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة ودول عدة، في مقدمها الصين.
عوامل عدة تضافرت وأدّت الى أزمة عميقة في اقتصادات ناشئة، لاسيما في الأرجنتين وتركيا ومصر، حيث تدهورت أسعار عملاتها وحصل تراجع في نسب النمو لديها وانسحاب استثمارات عدة منها، مهدّدة بدخول هذه البلدان في دوامة مفزعة من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي وربما السياسي.
ان استمرار الأوضاع على ما هي عليه يهدّد بلداناً ناشئة عدة بمزيد من تذبذب أسعار صرف عملاتها وارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع عروض الائتمان التي تحتاج اليها لتغطية ديونها المستحقة، وكلما طالت هذه الظروف، ازداد احتمال تقويض النمو الاقتصادي وتفاقم التضخم.
التباين الاقتصادي والسياسي بين اقتصادات الدول سوف يزيد من حجم التحديات التي يواجهها النظام الاقتصادي العالمي ويعرضّه لانتكاسات جدية.

